نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
نعم لتشييع البعث إلى مثواه الأخير

مع صدور قانون الأحزاب الجديد في سوريا الذي يحظر قيام أية أحزاب على أساس ديني، فإن أول حزب يجب أن يحظر هو ما يسمى بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس في 7 نيسان / أبريل 1947 تحت شعار امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة وأهدافه وحدة حرية اشتراكية، العلى يد الثنائي الشهير صلاح البيطار ومايكل عفلق، مستلهما الفكر الفاشي النازي القومي الأوروبي الذي تسبب في أكبر كارثة بشرية هي الحرب العالمية الثانية ، نقول يجب أن يحظر لأنه أكبر حزب ديني موجود فعلياً، ورسمياً، على الأرض السورية المتعددة والمتنوعة والثرية في غناها العرقي والإثني والحضاري لكن البعث أراد اختزال كل ذلك ببدو الصحراء وثقافتهم القاحلة الجافة.

 السلفيون، ومن في حكمهم، ينادون بدولة الخلافة، والبعثيون يسمونها بأمة عربية واحدة. تبدو القضية، ها هنا، قضية مصطلحات ليس إلا، فالجوهر والهدف واحد. وقد أفلح هذا الحزب في نقل سوريا من دولة مدنية تعددية قبل خمسين عاماً، إلى دولة دينية استبدادية عسكريتارية مغلقة على النمط الشهير. فالمنهاج التربوي البعثي، وفي كل مواده، هو منهاج دعوي، تعبوي، ديني سلفي يشبع مخ التلميذ بالدسم الفكري البدوي ويجعل منه منذ نعومة أظفاره مشروعاً سوداوي. وتتجلى عملية التطهير الثقافي التي يرتكبها البعث في سوريا بزرع الثقافة الصحراوية البدوية في أدمغة غير المسلمين. وحين كنت أحضر حصص القومية أيام الدراسة، لم أكن أستطيع التمييز بينها وبين حصص التربية الدينية. فحصص التاريخ، واللغة العربية، والجغرافية، والتربية الدينية، والتربية القومية الاشتراكية، والتربية الاجتماعية كلها حصص دينية ودعوية بالمعنى الحرفي للكلمة، يتلقاها التلميذ منذ نعومة أظفاره في كل المدارس التي يشرف عليها الحزب القومي العربي الاشتراكي، وهذه الحصص الدعوية تساهم، إلى حد كبير، في تجذير، وتكريس وخلق شخصية سلفية منغلقة متأثرة جداً وميالة وعاشقة للفكر البدوي الصحراوي وتجربته المظلمة في التاريخ.

 فقد عمل البعث، وعبر نصف قرن من الزمن على طلبنة سوريا ونشر الفكر الصحراوي البدوي، وتمجيد الغزاة البدو الأعاريب، واعتبارهم المثل الأعلى في الحياة مع تعمد إخفاء وإغفال كل شيء عن تاريخ سوريا الحضاري العظيم ما قبل الغزو البدوي الصحراوي. وناضل البعث من أجل إعادة إحياء وبعث تلك الحضارة البدوية وتجميل أنظمة البداوة الفاشية القروسطية التي أنشأها البدو الغزاة الأوائل في دول الجوار بدءاً من دولة الطلقاء الأموية، مروراً بالدولة العباسية الدموية الإجرامية التي قامت على جبال من المجازر والجماجم، ومن ثم الحضارة الفاطمية الأكثر إجراماً، ثم انتقال الحكم إلى الشعوبيين الأيوبيين ومن ثم إلى الأتراك العثمانيين الذين انتهى بهم ذاك الكابوس التاريخي الرهيب غير أن تداعيات تلك التجارب لم تزل باقية حتى اليوم، وأحد تجلياتها هو فكر البعث ذاته الذي يحاول أن يعيد تلك الكوارث عبر "بعث" تلك الحضارة المتهاوية من رقادها الرميم.

وفي الحقيقة ليس هناك كبير فرق بين فكر وثقافة البعث وفكر وثقافة السلفيين، ولقد قدم الفكر والثقافة البعثية خدمة العمر الجليلة للسلفيين عبر تثقيف وتخريج جيوش جرارة من المؤمنين بفكرة الإمبراطورية البدوية العسكرية التي أقامها الغزاة البدو الأعاريب وصارت صنما تاريخيا يعبد والجميع يدعو لإعادته. كم كانت سورية متنورة وليبرالية وحضارية قبل اعتلاء البعث صهوة الحكم في سوريا حين أعادها، بفكره الأحادي ورؤيته الضيقة، إلى القرون الغابرة قرون الغزو والنهب وتدمير الحضارات ورومانسياته لبعث مجد الإمبراطورية العسكريتارية الإمبريالية إياها وهي ، بالمناسبة، إمبراطورية غير شرعية لأنها قامت على الغزو والفتح واحتلال أراضي الآخرين بالقوة، والأنكى أنهم أعطوها بعداً ومضموناً قدسياً لا يجوز انتقاده.

 لقد انحصر فكر وسقف البعثيين في تلك الإمبراطورية واعتبروها الأنموذج الأوحد والفريد في حكم الشعوب وبناء الدول وصنع التاريخ، وجبـّت هذه الحضارة النهبوية الغزووية ما قبلها من حضارات واحتكرت تاريخ سوريا، وألغت وطمست تاريخها القديم في أكبر عملية سطو على التاريخ وتطهير ثقافي تعرفه البشرية وأصبح نمط الإنتاج البدوي القائم على الغزو والسبي والنهب والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة وفرض العقائد والثقافات والسلوكيات على الآخرين هو النمط الوحيد في مقاربة وصنع التاريخ. وهذا ما أنتج لنا العقل المضروب والمشوه الأحادي الرافض للغير وللتغيير والمتخندق في أطر التجربة إياها. وللتدليل على ذلك فإن أبطال وجنرالات البدو الغزاة الفاتحين المعروفين عند البعثيين كخالد، وابن العاص، وصلاح الدين، والقعقاع، وأسامة، ومصعب، وطارق، وصقر قريش، وأبي عبيدة، والحجاج، ...إلخ، هم بالمناسبة نفس أبطال ورموز كل جماعات السلفيين والتكفيريين، ما جعل هذا النشء مشروع تحول سريع الغواية للانضمام والالتحاق بسهولة بالفكر والجحفل الصحراوي.

 واليوم يحاول البدو الأعاريب إعادة غزو سوريا والاعتداء واحتلالها واغتصابها وضمها للحظيرة البدوية كما فعلوا في الماضي البعيد عبر هذا العدوان الغادر العلني مستلهمين الماضي البعيد وفي قلوبهم طمع على أرض الشام ولهم في عدوانهم سند شرعي يحلل لهم الاعتداء وغزو أراضي الغير ويجدون لهم أرضية فكرية وثقافية خصبة نشرها لهم البعث وساعد على تعميمها، بدل أن يعمد إلى نشر ثقافات تنويرية وتعددية وإنسانية تحررية ترفض كل أشكال الشمولية والإمبراطوريات العسكرية وتدين كل التجارب السوداء في التاريخ بما فيها تجربة الغزاة الأعاريب. وفي حال استمرار البعث، ودعايته البعثية الدعوية التعبوية بوتائرها الحالية وتحت رعاية رسمية، فهذا يعني مساعدة وتسهيل مهمة الغزاة الجدد، وستتحول سوريا، عندئذ، من طولها لعرضها إلى شعب بدشاديش قصيرة وشماخات البسام، ما غيرها، ويصبح شعارها الغترة والعقال، بدل الزيتون والبرتقال وشقائق النعمان. وعافانا وعافاكم الله من هذا الكابوس الرهيب..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز