نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
نحو الفصل بين البدونة والإسلام - 1

قبل حوالي سنتين، من الآن، في 5/10/2009، وفي حادثة مشهورة أثارت لغطاً وجدلاً، كبيراً في حينه، دخل المرحوم شيخ الأزهر السابق، المصري محمد سيد طنطاوي (1928/10/18 - 2010/03/10)، وهو الأب الروحي، والرئيس الأعلى لأكبر مؤسسة دينية إسلامية سنية محافظة ونعني بها الأزهر الشريف، ويلقب أيضاً بالإمام الأكبر، إلى أحد الفصول الدراسية التابعة لمشيخة الأزهر الشريف، فوجد فتاة، في مقتبل العمر تضع على وجهها الزي الصحراوي البدوي المسمى بالنقاب (1)، وهو زي معروف في الجزيرة العربية لا يظهر من الأنثى سواها عينيها و"حتى هذا" التعري" ممنوع أحياناً"(2)، فأظهر علامات غضب، وعدم رضا عن ذلك، وطالبها برفع النقاب، على الفور، لا بل عمد إلى رفع نقاب الفتاة بيديه، مثيراً بذلك عاصفة هوجاء من النقد والسخط ضده.

 نعم لقد غزت البدونة بهذا الشكل قلب المؤسسة الدينية الإسلامية بشكلها الرسمي التقليدي ووصل "البل للذقن"، ولقد كانت حركة الشيخ جد رمزية وتعبـّر عن رغبة في فك تداخل صريح وتشابك واضح، بين ما بات يعتقد، وعلى نطاق شعبي واسع، بأنه قيم ومبادئ دينية إسلامية، وبين ما هو في واقع الأمر محض سلوك بدوي لا علاقة لها بجوهر الدين. لقد كان الشيخ الأزهري يحاول القول للجميع، بأن هذا النقاب، وبناء على قواعد شرعية إسلامية واضحة لا لبس فيها، ليس من الإسلام بشيء. وفي ذات السياق، تسود عبارة، تستخدم على نطاق واسع ها هنا، وهي ذات العبارة التي رددها الشيخ طنطاوي حين تحدث مع الفتاة، وتقال بسجع يضفي عليها مسحة من السحر الوجداني والجمال اللغوي الانسيابي: "النقاب عادة وليس عبادة. " وفي الحقيقة يمكن أن تنطبق هذه العبارة البسيطة على كثير من السلوكيات والمظاهر التي بات كثيرون يربطون ما بينها وبين التدين، ويمارسونها كدين، ولكنها ليست الدين ذاته، نعم أصبحت البدونة، اليوم، ديناً جديداً، يجب أن نستبدله بالدين القديم والأساسي.

 وقبل الولوج بعيداً في صلب الموضوع لا بد من التوقف قليلاً، عند معنى البدونة يقابلها في الإنكليزية، الـ‘Bedouinization' كمفهوم بدأ يتسرب خلسة ذات يوم، لكنه يقتحم حياتنا، اقتحاماً، بقوة هذه الأيام، ويفرض ظلاله الثقيلة على الكثير من جوانب سلوكنا وتفاصيله الصغيرة في هذا الجزء من العالم، وربما في أجزاء كثيرة أخرى كانت بمنأى عنه حتى وقت قريب. وصارت هذه البدونة، في الواقع، مسطرة، وسرير "بروكست"، يقيس البعض فيها درجة إيمان البعض الآخر ويقيـّمه من خلالها. ومن هنا يمكن، وبشيء من المجازفة، تعريف البدونة كمصطلح وفق ما يلي: البدونة مشتقة من لفظة البدوي وهو ساكن الصحراء المعزول المعادي بطبعه للتحضر وعوالم المدنية وقيم الاختلاط والتعايش والانفتاح.

 ولذا فهي، من هذا المنظور: منظومة من القيم التي يعيشها البدوي وتبرز فيها روح الصحراء تلك وثقافتها وفكرها وتتمثل سلوكياتها باعتبارها قيماً مطلقة نهائية طاهرة قدسية ومعصومة، وامتيازاً مثالياً لا يأتيه الباطل، وإحلالها محل المعتقد الديني بثوبه القرآني وسنة نبيه، وتستمد البدونة بعضاً من شرعيتها من أن الصحابة الأوائل الزاهدين، الذين ينظر إليهم بشيء من الورع والرومانسية والتبجيل، تصرفوا، وعاشوا بتلك الطريقة.

وللحقيقة هناك خلط واضح، اليوم، بين ما عرف تاريخياً بالإسلام، وتمت ممارسته عبر قرون من دون مظاهر البدونة المحدثة، وبين ما نراه اليوم من عملية بدونة ممنهجة وإلباس لمجمل طقوس الدين وممارساته بلباسها ومحاولة إعطائه هوية صحراوية عرفت، لاحقاً، على نطاق واسع باسم البدونة. وهي عملية ممنهجة، ومدعومة ببلايين البترودولارات لتقديم قيم وسلوكيات الصحراء، على ما عداها، ولبدونة كل ما يمكن بدونته، على مبدأ فرض عقيدة المنتصر "المالك" للبترودولار ومفاتيح القوة في كل منطقة يتواجد فيه مسلمون، ومحاولة الإيحاء، بأن هذه البدونة، هي الإسلام بعينه، وما عداها، فلا. ونشأت التيارات التكفيرية التي تريد فرض النمط البدوي الصحراوي على الإسلام. وهذه هي إحدى أهم الإشكاليات التي يعانيها الإسلام المدني المعاصر. ومن هنا أيضاً تنشأ الاضطرابات والصدامات في كل منطقة يفد إليها شيوخ الصحراء.

 وبمقارنة بسيطة، يمكن ملاحظة ما يلي: فقبل سبعينات القرن الماضي، وفي عصر اللبرلة النوعي والنسبي في المنطقة، وقبل حقبة الوفرة النفطية، كان يسود المنطقة نمط من التدين المدني العقلاني المعتدل غير التكفيري المتصالح مع ذاته ومع الآخر، وكما عرفنا ذلك من أمهاتنا اللواتي كنا يضعن الحجاب الـHeadscarf، وبكل أناقة وجمال وكياسة، ومن دون أي تكلف وتنفير أو إقحام ومحاولة المباهاة بلبسه أو إظهار أية هوية كانت، وبذات القدر والصورة التي كانت فيه نفس الأخوات المسيحيات، يضعنه، أحياناً، وكان من الصعب أن تفرق في حينه بين امرأة مسيحية وأخرى مسلمة، الآن المرأة المسيحية، فيما بعد، خلعت ذاك الحجاب عمداً واحتجاجاً، وكتعبير ضمني عن رفض تسييس و"بدونة" الحجاب وترميزه، فيما قامت المرأة المسلمة، وتحت ضغط القيم البدوية الوافدة، بالتشدد في وضع الحجاب، وإبرازه، ومنهن، الأكثر تطرفاً وانغلاقاً، استبدلنه بالنقاب الأسود الفاحم الذي يعني شكلاً أكثر تطرفاً، وانغلاقاً وتزمتاً وإعلاناً عن هوية دينية لا وطنية وعودة طوعية إلى الصحراء.

 (يتبع) ---

 (1) اصدر الأزهر قراراً بتاريخ 5/10/2009 يقضي بحظر ارتداء النقاب داخل المعاهد التابعة له، تاركا خيار ارتدائه خارج الفصول الدراسية أمراً شخصياً.(جريدة الأهرام المصرية).

 (2) حتى العيون يؤمر بتغطيتها. إلى ذلك أكد الشيخ مطلق النابت، المتحدث الإعلامي في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الشرطة الدينية ) بحائل في شمال السعودية، أن رجال الهيئة العاملين في الأسواق سيتدخلون بتوجيه الأوامر لأية امرأة بتغطية عينيها إن كانت مثيرة للفتنة. وقال النابت في تصريحات لصحيفة "الوطن" السعودية إن "لرجل الهيئة الحق بأمر المرأة بتغطية عينيها إن كانت مثيرة للفتنة". ونفى النابت السماح لرجل الهيئة الذي اشترك في عراك مع مواطن في سوق بحائل الخميس الماضي بحمل الأسلحة معه، مؤكدا أن أعضاء الهيئة على قدر من المسؤولية وهم أهل لها. صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2990 - السبت 13 نوفمبر 2010م. www.almuslih.net

رابط المقال:

http://www.almuslih.net/index.php?option=com_content&view=article&id=184:-1-&catid=44:islam-in-history&Itemid=214







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز