خليل خوري
khalelkhori@yahoo.com
Blog Contributor since:
16 October 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
مصر على طريق السودنة والتقسيم

في  المسيرة المليونية  التي نظمتها الاحزاب الدينية والليبرالية والقومية وائتلافات شباب ثورة 25 يناير  يوم الجمعة الماضي تحت شعار  الوحدة الوطنية حرص قادة الاخوان الملتحون  والجماعات السلفية  على حشد اكبر عدد  من اعضاء تنظيماتهم  ومن انصارهم   في ميدان التحرير   اظهارا لقوتهم وشدة باسهم   واتساع قاعدتهم الاجتماعية  وهو ما لم يكن موضع شك  من جانب مراقبين  محايدين  خاصة بعد  اجرائهم مسحا  لعدد المنقبات والملتحين  وحيث تبين  من كثافة لحاهم ومن هديرهم شبه المستمر بشعار لا اله الا الله  ان عددهم  يناهز 1.5 مليون  اسلامي فيما لم يتجاوز عدد  المتظاهرين  من الاطياف السياسية غير الملتحية بضعة الاف .

وكما حرص الاسلاميون المشاركة في هذه المسيرة بارتداء ذكورهم  الازياء الطالبانبة  واختفاء اناثهم داخل اثواب سوداء   درءا للفتنة  النسائية  وربما  تطبيقا لقائمة من الممنوعات التي فرضها عليهن المجتمع الذكوري  رغم ان درجة الحرارة  قد وصلت في ذلك اليوم  الى 42 درجة  وحيث لا يمكن لاي مخلوق بشري ان  يتحملها الا اذا وقف في الظل   وارتدى ثيابا خفيفة بيضاء اقل امتصاصا لاشعة  الشمس اللاهبة  فقد حرص الاسلاميون ايضا  على رفع شعارات  واطلاق هتافات دينية  مثل لا اله الا الله  والاسلام هو الحل والقران دستورنا ولا للدولة العلمانية    وكأن الشعب المصري المتدين قد تخلى عن الاسلام واعتنق الديانة البوذية  وفي تجاهل  تام  لما تم الاتفاق عليه مع قادة الاحزاب والتيارات الاخرى  قبل اطلاق المسيرة  وحيث يؤكد هؤلاء ان  قادة الاخوان  قد قسموا وهم يمسكون بلحاهم بعدم رفع مثل هذه الشعارات   تفاديا للانقسامات  وتاكيدا للوحدة  الوحدة الوطنية    ولا ادري هنا  ما الجدوى من رفع شعارات دينية اسلامية كانت ام مسيحية  طالما ان الادعية والابتهالات  لم تحل في يوم من الايام مشاكل الفقر والبطالة  واستغلال الانسان للانسان او ترفع من المستوى المعيشى للبشر  او تحقق العدالة الاجتماعية  او تمنع  انتشار الامراض الوبائية التي كانت تحصد ارواح الملايين من البشر مثل امراض الطاعون والتيفوس والدفتيريا والكوليرا لا ادري لماذا يصر الاسلاميون  على رفع شعاراتهم بينما لم يتحرر الانسان من الاستغلال الا بعد القضاء على انظمة العبودية والاقطاع  وبعد سيطرة المجتمع على وسائل الانتاج ولا ادري 

 ماذا سيفيد مثلا  الحل الاسلامي الذي يطرحه الاخوان الملتحون والسلفيون  ويصرون على تطبيقه في  ظل دولتهم الدينية طالما انه حل مجرب لم يمنع من انهيار دولة الخلافة  ولا الدولة العثمانية  ولا غيرها من الدول والامبراطوريات الاسلامية  كما لم  يمنع الحل المسيحي الذي كان يطرحه الفاتيكان والكنائس الشرقية  من انهيار الامبراطوريات الرومانية والبيزنطية  وماذا يفيد الحل الاسلامي لو انتشر الطاعون في مصر واخذ يحصد ارواح البشر فهل  سنرى الملتحون عندئذ يكافحونه   بحناجر تطلق الادعية  والابتهالات ام  سيكافحونه ويقضون عليه بالمطاعيم والمضادات الحيوية التي اخترعها علماء , الم يحصد الطاعون  ارواح  مليون  مصري  في القرن التاسع عشر  رغم صلوات وابتهالات رجال الدين     فكيف يسمح سبحانه وتعالى بانتشار هذا الوباء القاتل  في ذلك الوقت   ولا نرى اثرا لهذا المرض في مصر وغيرها  بعد اختراع الانسان لمطاعيم ومضادات  لمكافحته ؟

  من جملة الحلول الاسلامية التي يطرحها الاخوان الملتحون ومعهم السلفيون الاكثار من النسل   ووصولا لهذا الهدف  نرى دعاتهم يروجون  لتعدد الزوجات   وللزواج المبكر ولو كان دون سن 14  كما نراهم من اشد المعارضين  للاجهاض , وبسبب محاربتهم لبرامج تحديد النسل الذي بدأت مراكز رعاية الامومة  تطبيقها في عهد عبد الناصر  تفاديا للانفجار السكاني فقد تضاعف عدد سكان مصر خلال الخمسة عقود الماضية  3,5 مرة حيث ارتفع عدد سكان مصر من عشرين مليون سنة 1953 الى 85 مليون  وربما اكثر سنة 2011 منهم مليونان من المعدمين الذين يعيشون على المقابر وفي بيوت من الصفيح  ولا يحصل معظمهم الا على وجبة واحدة لاسكات جوعهم   .

   وهنا اسأل : لو طبقت الحكومة مصرية تطبيقا صارما برنامج تنظيم الاسرة  كما تطبقه الصين فهل كان سيحدث  مثل هذا الانفجار السكاني  وهل كان للبطالة والفقر ولاحزمة الفقر ان تتفشى وتنتشر في مصر  على نطاق واسع  رغم  ابتهالات ودعوات  الاخوان بأن يحسن الله الاحوال !!. ولكن كيف  للحكومة الممصرية  ان تطبق مثل هذا البرنامج والاخوان الملتحون يقفون لها بالمرصاد  و جاهزون دائما في لاطلاق الفتاوي التي تحرم تحديد النسل كونه  كما يزعمون مخالف لشرع الله   ثم كيف للاخوان الملتحون بعد تحديد النسل  وتباطؤ النمو السكاني ان  ينظموا  حملات جهادية لتحرير الاندلس وروما  ورفع راية الاسلام فيها .

 لا انكر ان الحلول الاسلامية التي يطرحها  الاخوان الملتحين  مثل موائد الرحمن التي يقيمونها للفقراء في شهر رمضان  ومثل الزكاة  وسئوالى هنا لو اقامو ا موائد على مدار السنة   فهل سيملأ المصريون بطونهم   ويشبعون  مثلما  سيشعرون بالاشباع  لو  فرضت الدولة ضريبة تصاعدية على الاغنياء الذين يقيمون  موائد الرحمن  ذرا للرماد في العيون  وتنفيسا للاحتقانات الشعبية  ثم استثمرتها الدولة في اقامة مشاريع انتاجية مولدة للدخل وفرص العمل ؟  اليس  اجدى ان توفر فرصة عمل لمواطن فقير  تؤمن له دخل ثابت من ان  تملأ بطنه  بوجبة من وجبات من موائد الرحمن ؟  وهل يمكن تطبيق الضريبة التصاعدية   ومليونيرية الاخوان الملتحين يتهربون منها ومن اشد المعارضين لها لانها بنظرهم مخالفة  لشرع الله  الذي جعل الناس طبقات ..  مثلما يرفع الا خوان الملتحون  في  مصر في مسيراتهم المليونية شعاراتهم الدينية  ومثلما يدعون الى تطبيق الشريعة  خلافا لرغبة الاقباط  وقطاع واسع من المسلمين المعتدلين    والمسلمين بالوراثة كان فرعهم في السودان   بالتنسيق مع الرئيس الراحل جعفر النميري قد شرعوا قبل عقود في تطبيق شعار اسلمة المجتمع    فماذا كانت المحصلة    ؟

   ما حصل على ارض الواقع سواء في عهد  النميري او في عهد الرئيس الحالي عمر البشير   ان الحل الاسلامي لم يثمر عن اية نتيجة تساهم في رفع المستوى المعيشي للمواطنين او  في تطور السودان وفي الحالات التي احرز فيها السودان بعض الانجازات  الاقتصادية مثل اكتشاف بعض حقول النفط  واستخراج وتكرير النفط محليا  فقد كان الفضل في ذلك  يعود للعلماء   في  تخصصات الجيولوجيا وهندسة التعدين  وليس لعلماء   تخصصوا في  الغيبيات  كما لم يسفر  جلد النساء  ورجم الزناة و الزانيات  واسلمة مناهج التعليم والتمييز بين المسلمين والكفار   في التوظيف  وتوزيع الثروات الوطنية   وتحكم رجال الدين في المجتمع وتسلطهم على عقول الناس الا عن  حروب طاحنة بين  انصار تطبيق الشريعة  والرافضين لها  وعن مقتل اكثر من مليون سوداني  والاسوا من كل هذا ان تطبيق الشريعة  قد اسفر في نهاية المطاف عن تقسيم السودان الى دولة في الشمال ما زال رئيسها يصر على تطبيق الشريعة  والى دولة مدنية  في الجنوب    لادين لها .

  ويا ليت الامر سيقف عند ذلك  بل ثمة احتمال ان تشهد دولة الشمال  ولادة دول جديد فيها مثل دولة  كردفان  ودولة النوبة وحيث يصر قادة التنظيمات المسلحة على مواصلة القتال ضد حكومة الشمال طالما ظل الدكتاتور عمر البشير متمسكا بتطبيق الشريعة الاسلامية . الا يكفي الدرس السوداني  في تطبيق الشريعة حتى يتعظ منه الاخوان الملتحون  المصريون والسلفيون  وحتى يتخلوا عن شعاراتهم الدينية ام انهم سيتمسكون بها من منطلق انهم الاكثرية  وبان على الاقلية سواء كانوا اقباط او مسلمين معتدلين او علمانيين  ان تخضع لنظرتهم الشمولية  ان لم تكن  الاستعلائية   اقصد هنا المسلمون الاعلون دائما .؟  لا اتوقع احدا في مصر يحترم عقله  ويحرص على حريته الشخصية وكرامته وحقه في الثروة الوطنية سيقبل  بتطبيق برنامج ديني يتعارض مع قناعته وثقافتة ونظرته للحياة بل سيقاومها وسيتصدى لها بنفس القوة التي تصدى بها نصف المجتمع السوداني او ربما اكثر لهذا البرنامج الديني .فاذا كانت تجارب الدول الدينية  قد اثبتت فشلها في الدول الاروبية  كما لم تثبت  فشلها في العالم الاسلامي فحسب بل فتحت الابواب لتدخل الدول الاستعمارية في هذه الدول واعادة ترسيم خرائطها  وفق معايير دينية كما حصل في الهند التي تم تقسيمها الى ثلاث دول وتقسيم يوغسلافيا الى 5 دول  بعد ان كانت في ظل النظام الاشتراكي العلماني دولة موحدة تتعايش فيها كافة القوميات  والطوائف واتباع الاديان المختلفة ولم تشهد اية صراعات دينية ولم تندلع فيها الحروب بين الارثوذكس والكاثوليك وبين المسلمين والمسيحيين الا عندما اجتاحتها  التعصب والهستيريا  الدينية  .

  وما  دامت  كل هذه التجارب الدينية قد اثبتت فشلها وخاصة على صعيد التعايش بين اتباع الديانات المختلفة  فلماذا يصر الاخوان الملتحون على اعادة انتاج مثل هذه التجربة  التي لن تختلف في نتائجها الكارثية عما حدث في  الدول التي اشرنا  وربما اسوا منها    خاصة و ان  حلهم الاسلامي لا يستهدف تهميش غير المسلمين بل  يستهدف ايضا  تهميش المراة  وعدم مساواتها من حيث الحقوق والواجبات بالرجل .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز