نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
مبروك لجنوب السودان

دون أن ينته أحد، وربما كان الأمر مقصوداً إلى حد ما، وفي رمزية لافتة، وفي التاسع من يولية/تموز 2011، افتح سفاح دارفور الشهير عمر البشير سفارة لبلاده السودان في جوبا Juba عاصمة الجنوب السودان المستقل الجديد، وفي خضم هذه البراكين والانزياحات الزلزالية والهزات الارتجاجية الكبرى وغير المسبوقة والأحداث اللاهبة التي تجتاح ما تبقى من الإمبراطورية العسكرية التاريخية التي أطلقوا عليها، زوراً وبهتاناً، اسم الوطن العربي، حصلت، إذن، عملية تصحيح تاريخي أخرى هامة وبارزة، تجلت بانفصال جمهورية جنوب السودان عن شماله المستعرب، بعد استفتاء تاريخي بأغلبية ساحقة جرى في التاسع من يناير/كانون الثاني من عام 2011، وتحت زعامة القائد الجنوبي الكاريزمي سيلفا كير، نائب البشير حتى تاريخ الاستقلال، والذي خلف جون جارانغ، زعيم جيش تحرير جنوب السودان، الذي قتل في حادث تحطم هيلوكبتر في عملية غامضة في 2آب / أغسطس 2005 وجهت فيها أصابع الاتهام للمستعرب سفاح دارفور عمر البشير المطلوب للعدالة الدولية بتهم إبادات وجرائم ضد الإنسانية، وبذلك نال هذا الجزء من إفريقيا استقلاله وتمتع بسيادته ورفع علمه الوطني، رسمياً، لأول مرة في جويا العاصمة الجدية، معلناً تحرره من دولة السودان المستعرب، وعودته إلى حضنه وأصله الأفريقي، بعد أن رزح قروناً، تحت نير المستعمر البدوي الصحراوي الذي لم يجلب له، كما لغيره، سوى الشقاء والويلات والآلام، في واحدة من عمليات كثيرة أخرى وكبرى، جرت في غير مكان من قبل المغرمين بالبدونة، عمليات وحشية وفاشية للتطهير الثقافي والعرقي والاستبداد العنصري وإلغاء الهويات وطمس التاريخ وتزويره وفرض الصحرنة وفكر الصحراء وسلوكياتها الفظة القاسية والخشنة التي لفت هذا الجزء النبيل والمنكوب من إفريقيا، وإسباغ شيء من القداسة والطهرانية على عمليات التعريب والاستعراب تلك التي طالت أماكن كثيرة في هذا العالم.

 وفي الحقيقة امتدت إمبراطورية البدو العسكرية المعروفة في التاريخ، والتي وصفها ابن خلدون بأقذع وأشنع الألفاظ، إلى أماكن شاسعة وواسعة من العالم وصلت حتى إقليم شينجيانج Xinjiang China في الصين شرقاً، والأندلس غرباً، ولولا حلم التاريخ وحكمة الأقدار لسقطت فرنسا، ما غيرها، أم التنوير والأخوة والمساوة الإنسانية، في براثن الثقافة البدوية، ولكانت اليوم، وفي أحسن الأحوال، بلداً مثل الصومال، وقندهار، والسعودية، ولتأخرت مسيرة البشرية التنويرية قروناً أخرى. فأعاريب الصحراء هم الشعوب الوحيدة في العالم الذين يتغنون باستعمار وإخضاع الشعوب الأخرى وإذلالها والتنكيل بها واستعبادها واسترقاقها وسبي نسائها. لقد أدت السياسات القومجية العروبية الفاشية المتظرفة والاستعلاء العنصري المعروف والمعهود الذي كان يمارسه الشماليون المستعربون في السودان ضد أبناء وطنهم في الجنوب ومحاولة تطويعهم وإلغاء وطمس هويتهم وتراثهم، وإنكار أبسط حقوقهم، وازدرائهم، واحتكار المناصب والثروات بين أبناء الشمال القومي المستعرب، إلى ولادة مشاعر حنق وغضب، وبالتالي نشوب صراعات قومية، وإثنية، وثقافية، تجلت بثورات مسلحة وانفجارات وعمليات تمرد في الجنوب، وتشكيل جيش تحرير جنوب السودان، في واحدة اشتهرت بأنها من أطول حروب القرن العشرين، استنزفت السودان وأهله وخيراته وموارده، وحولته من سلة غذاء أفريقيا إلى بلد جائع مهمل وفقير تمزقه الحروب والصراعات وعمليات الإبادة الجماعية التي مارسها المستعربون الشماليون العنصريون.

وثالثة الأثافي التي زادت الطين بلة، وسكبت الزيت على نيران هذا الصراع المستعرة، هي قيام الديكتاتور الإخواني المشير الآخر جعفر النميري( 1/1/ 1930-30/5/ 2009)، بتطبيق وفرض الشريعة على السكان الجنوبيين المسيحيين منهم والوثنيين واللا دينيين، واعتبارهم أهل ذمة وعبيد ينبغي عليهم دفع الجزية لقاء رزوحهم تحت "رفاهية" و"نعمة" نير المستعرب المستعمر البدوي، بدل اعتبارهم مواطنين يتمتعون بكافة حقوق العدالة والمساواة المنصوص عنها في المواثيق والشرائع الدولية. في جنوب السودان هناك ثروات هائلة وعلى رأسها البترول، وبكميات تجارية يسيل لها اللعاب، لم يعرف المستعربون الشماليون كيفية المحافظة عليها نتيجة ضيق أفقهم التاريخي ونزوعهم الأبدي، كما ثقافتهم الصحراوية، نحو الاستبداد والتنكيل والغدر بالغير ومحاولة استعباده واسترقاقه، فكانت عملية التصحيح التاريخي تلك وعودة الأمور إلى نصابها ومجاريها الطبيعية، وسنرى غداً جنوب السودان متحرراً من الفكر، والثقافة، والاستبداد الصحراوي، ما سيمكنه من بناء وطن ودولة مزدهرة بعيدة عن الممارسات المعهودة في كل الأمصار والدول التي وصلها جحيم الفكر الصحراوي، والتي لم تعرف الهناء، والاستقرار، أو الرفاه، منذ ذلك الحين. فهنيئاً لدولة جنوب السودان، وألف مبروك، ولو متأخرة قليلاً ومع العذر الشديد، للجنوبيين الأبرار أبطال التحرير، انفصالهم واستقلالهم عن البدو الشماليين المستعربين العنصريين الذين كانوا يلقبون الجنوبيين بـ"الزنوج والعبيد "، وسترون غداً دولة جديدة وأمة عظيمة ستنهض متحررة من عقد الصحراء وثقافتها القهرية القاتلة.

والعقبى الكبرى، في دارفور، أيضاً، وجبال النوبة، وغيرها ممن تخضع لذات السياسات العنصرية البدوية، وأيضاً، حين ستستقل وتنفصل وتتحرر كل البقاع الأخرى في العالم التي ما زالت ترزح تحت نير الاستعمار البدوي الصحراوي البغيض.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز