الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
سيكولوجية الشخصية

  تحدثنا في الحلقة السابقة عن ايماءة اليد عند المصافحة لدى الانسان عندما يكون في حالات نفسية معينة، وفي هذه الحلقة نستوضح الجوانب الاخرى بما يتضمن النقد الادبي. فأن الكاتب الرجعي الذي يشيد بأحداث الماضي ويكتب عن الأسلاف انما يفعل ذلك هربا من مشكلات العصر الحاضر. وهو لا يختلف في ذلك عن المراهق الذي يلجأ الى الخمر وذلك الكاتب المتعصب الذي يكره من يختلف معه في الدين،  قد يكون حزازة شخصية ضد احد المتدينين بهذا الدين الذي هو يكره .

ولعلك لا تنسى ان اختباراتنا الشخصية الصغيرة وربما الدنيئة منها  قد تحدث لنا مركبات ادبية عظيمة. وكذلك شخصية الكاتب السباب الذي يكمن في نفسه نقصا كأنه شوكة في نفسه الذي لا ينقطع عن إذاء وتحري عيوب الأخرين  كأنه من حيث لا يدري يريد ان يقول انه اعلى من غيره . 

 

ومهمة السيكولوجية ان تترك المظهر وتغوص الى اعماق النفس حيث الجوهر,

وهنا يجب على القارئ ألا يستهين بالمؤلفين بسبب فلسفتهم او ادبهم او اتجاهاتهم , لأنهم قد اهتدوا الى البؤرة الممقوتة التي صدر عنها انتاجه المثمر، مثلهم كمثل السماد العفن والذي افضى الى شجرة مباركة، يحلو مذاق ثمرتها التي نبتت منها. ونحن لا نستطيع ان نفكر اذا كان كياننا راسخا مطمئنا. اي يجب ان نقلق بعض الشئ اولا حتى نفكر ونتنبه.

 

ان التغير السيكولوجي للمرء سوف يؤدي الى تغير عام في الشخصية. فالرجل الفقير الخائف المتشائم يتغير عقب نجاحه المالي. فعيناه تبرقان وشفتاه تبتسمان, ويقعد منتصبا, كما يرفع رأسه عندما يمشي, بل هو حتى عندما ينام يبدووجهه متهللا. بل ان خطه يتغير ويتخذ وضعا عموديا جريئا،  بدلا من الوضع المنحني السابق .

 

تنقسم الأمراض النفسية الى ثلاثة اقسام وهي النيوروزوالسيكوزو السيكوباث .

فالنيوروز هو مرض نفسي يكاد يصيبنا جميعا في وقت ما في حياتنا و وهو جنون العاطفة حين نحس غضبا لا يطاق او حزنا لا نتحمله او خوفا لا نتمالك انفسنا منه او هما لا يتركنا. وليس في هذا شئ. ولكن اذا تملكتنا المخاوف والهموم واصبحنا نجتر العاطفة اجترارا ولا نعرف كيف نتخلص منها, انذاك قد تتحول الى عائق تمنعنا من تأدية اعمالنا, ففي هذه الحالة نعد نحن مرضى. فالشخص النيوروزي هو على دراية بنفسه وبالمجتمع الذي يعيش فيه, لكنه عاجز عن التخلص من طغيان هذه العواطف.

 

والمرض الثاني هو السيكوز. وهذا هو الجنون بعينه.  فالسيكوزي -   قبل ان ينتهي الى حالة الجنون هذه –  كان في حالة نيروز اي تسلط  كغيان العاطفة.

اننا حين نحلم وقت النوم نكون في جنون مطلق, فقد تجعلنا الأحلام نملك ملايين الدولارات وان نطير فوق بغداد او ندخل الجنة او نعود الى عهد الطفولة، نرتع في  احضان الأمْ التي قضى على وفاتها عقود من الزمن. كل هذا نراه في الأحلام ونرتاح الى الأحساس اللذيذ الذي تحدثه هذه الخيالات الجميلة, وهي تفريج وقتي يفكك العقد النفسية ويحلل العواطف السيئة التي تنتابنا وقت اليقظة في النهار. والأحلام هنا مفيدة .

لكن المريض السيكوزي يحيا حياته كلها نهارا وليلا في الأحلام وينشئ لنفسه عالما  يرتاح اليه, وهو بهذا يعتبر منفصلا عن المجتمع .

ومن السهل ان نحلل النيوروزي ونفكك عواطفه الطاغية ونعالجه, لكن من الشاق جدا ان نحلل مريض السيكوزي. لأن الأول على عقل وادراك بما يفعل, اما الثاني فقد هجر  عقله واتجه نحو الخيال واستقر فيه . اننا حين نرى مرضى النيوروزي والسيكوزي نشفق عليهما كثيرا ونحس انهما لا يستحقان كل هذا البلاء .

 

اما النوع الثالث من المرض النفسي هو السيكوباثي, المجرم على وجه العموم. فهو يختلف عن مريض النيوروزي من حيث ان الأخير مسكين قد تغلبت عليه عاطفة جامحة مثل الغضب. فهو لا يتمالك من ان يضرب خصمه او يقتله في نزوة الغضب. لكنه يعود فيهدأ ويندم ويبكي على ما اقترف ويطلب الصفح ويحاول التوبة. لكن السيكوباثي يقتل وهو بارد الدم  في غير هياج, وهو يعلم ما يعمل ولا يندم. واذا ضبط متلبسا بجريمته  فأنه لا يفكر في التوبة وانما يفكر في احتمالات جديدة كي لا يضبط مرة اخرى.

 

والسيكوباثي نهاب خطاف, يزوّر ويختلس ويفسق وفي معظم الحالات يكون شاذ جنسيا. وهو حسن التدبير،  يدير اموره التخريبية في عقل ويتخلص في تعقل. وقد يكون متعلما, فيستغل ما تعلمه في تحقيق اهدافه الشريرة. وجنونه، جنون الأنانية المسرفة. فأنه يلومك ويكرهك ويحاول ايذائك لانك لم تتعاون معه.

وفي الأغلب يكون قد قضى طفولته وهو مضطهد من قبل ذويه شريدا،  فنشأ على عادات من المكر والغدر والأغتيال والأحتيال والسرقة كي ينال مرامه ويشبع غرائزه البهيمية. مثل هكذا نموذج من الشخصية المريضة يهدد راحة المجتمع ويعرضه الى المهالك لو قدر الزمان ان يجعل منه يوما مسؤولا في قيادته.

 

ليس من الضرورة ان يصل السيكوباثي الى السجن بجرائمه. لأنه في اغلب الأحيان يكون خارق الذكاء, يعرف جيدا كيف يتقي المخاطر ويتفادى قوانين المجتمع. واحيانا يجد من ثرائه الذي غالبا ما يكون قد استحوذ عليه بطرق غير مشروعة ما يتيح له فرصة ايذاء الأخرين، وهو لذالك يكره الخدمة الاجتماعية اوالمساهمة في الأنتاج الوطني، انه عدو العدالة الاجتماعية .

 

هو طاغية على اهله واصدقاءه وعلى مجتمعه. وهو ظالم لهم جميعا. لكنه مظلوم لأنه لم يحصل على تربية سديدة من ابويه اللذين اضطهداه ان كان للأبوين شيئا اسمه التربية.

فالطفل الذي عومل بالقسوة المتناهية في البيئة الأسرية في السنين الخمسة الأولى من عمره, واكتسب من اولاد الزقاق الفاسدين اخلاقه, يصبح خطرا على مجتمع عندما يكبر.  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز