نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
السيد رئيس مجلس الوزراء السوري: ماذا عن غير الموظفين؟

قامت حكومة الدكتور، عادل سفر، بزيادة رواتب الموظفين، أو ما يسميهم قانون العاملين الموحد في سوريا، العاملين في الدولة، بنسب معينة ومتفاوتة، ساهمت، والحق يقال، وعلى تواضعها، في تحسين درجة من حياة شريحة محددة ممن يسمون بمواطنين سوريين*، لكن وبكل أسف بقيت شرائح عريضة وواسعة ممن يسمون أيضاً بمواطنين سوريين خارج دائرة الأمان الحياتي والمعيشي، ومحرومين من أية رواتب وتعويضات وتأمينات ومعاشات لا حالية ولا تقاعدية، ويعانون من أوضاع إنسانية بائسة مزرية ومدمرة، لاسيما بعد إجراءات الحكومة الاقتصادية السرسرية الكارثية السابقة، تدفع بهم وبأسرهم وبأطفالهم نحو أدراك أكثر ظلمة وتوحشاً في ربوع وطنهم السوري، وتنزل بهم إلى قيعان لا خروج منها، إلى ما دون خطوط الفقر المعروفة، وبكل ما يترتب على من عقابيل وتداعيات أمنية ومجتمعية وأهلية وشخصية وأمراض نفسية وبدنية رأينا مؤخراً منها ما يمكن اعتباره قمة جبل الجليد الظاهر.

 بداية، قال لي أحدهم، نقلاً عن أحدهم، عن أبيه، عن جاره، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهو يعمل في إحدى الدوائر الدسمة جداً، فهو وكل الحمد والشكر لله من الأتباع والمحظيين والمحبوبين والمقربين المرضيين، بأن يوميته تتراوح بين 20-30 ألف ليرة سورية، ما يعادل بين 400-600$ أمريكي، ما يجعل باراك أوباما، ودومينيك شترواس مدير الصندوق الدولي المعتقل حالياً بتهم تحرش جنسي، وروبرت زوليك مدير البنك الدولي، وأنا العبد الفقير لله، يحسدونه على هذه الوظيفة، رغم أن ثقافته العالية التي حصل عليها، لا تتجاوز الشهادة الإعدادية، وأردف بأنه لا ينتظر آخر الشهر على الإطلاق، ولا يعرف أول الشهر من آخره، ولا يتذكر راتبه إلا حين يرى، بالصدفة، وفي أروقة الدائرة، معتمد الرواتب الذي يقول له: "ليش يا خواجة ما راجعتني لاستلام راتبك"؟ وترى خفيراً جمركياً بسيطا، لا يعرف الواحد من خشبة الكهرباء، وقد أمسى مثل لوردات مجلس العموم البريطاني، وسكان بيفرلي هيلز، وأصبح خلال سنة واحدة، من أصحاب الفيلل، والسيارات، والعمارات، والأموال المنقولة، وغير المنقولة، والمنهوبة وغير المنهوبة، والمجمدة والسائلة، بالدولار واليورو، والين الياباني والشيكل الإسرائيلي.

 وهذا ما يخلق مشاعر سخط ووسواس قهر مقيم وحنق عند نظرائه من ممن يفترض أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات ولا تمييز من حيث المبدأ بين أي منهم إلا بتقوى الله ورضى المخابرات. وفي الحقيقة هذا عينات صغيرة وفقيرة من الموظفين، بمقاييس الحيتان واللصوص الكبار الذين تعرفونهم جيداً، من أصحاب النفوذ الذين يمتلكون أيضاً فيما يمتلكون، رقاب وأرواح ومصائر وأرزاق الناس ويبسطون الرزق لمن يشاؤون من العباد ويمنعونه عمن شاؤوا من الناس هكذا بجرة قلم، من المتنفذين المتوحشين الذين لا تشبع عيونهم الفارغة حتى حبة التراب، ومرابي القطاع العام وسماسرته وإخطبوطاته الكبار، والمدراء التجاريين، ومسؤولي لجان المبايعات، وما أدراك يا"خيي عادل" ما لجان المبايعات، الذين يلهطون، ويشفطون ببيعة وصفقة واحدة مجموع رواتب ومصروف موظف عادي لربع قرن من الزمان.

 وفي الحقيقة أيضاً، تحولت الكثير من دوائر الدولة إلى مافيات حقيقية وأبواب وأوكار نصب واحتيال وتشليح وإثراء فاحش لهؤلاء الموظفين، دوائر مثل المالية، والطابو، والجمارك، والبلدية، والمواصلات، والبنوك العامة، وغيرها من الرموز النهبوية الإفقارية التي تلهب وتجلد جلود المواطنين الفقراء البسطاء، وصار بعض موظفيها أغنى من برنارد مادوف، وأحمد عز، وعماد اطرابلسي، أيام عزهم ومجدهم، والعزة لله ولرسوله والمؤمنين، والبقاء لله. وقد سمعت، ولا تأخذ مني غير الكذب، لكن هذا متداول شعبياً على نطاق واسع، أن أحد وزرائنا السابقين بعد خروجه من الوزارة سيئة الصيت والتاريخ والفعل، سالماً غانماً معافى وكل الحمد والشكر لله، يمتلك أكثر من 235 شقة سكنية في دمشق لوحدها.

 لقد سقنا هذه الأمثلة البسيطة والسريعة، يا سعادة الوزير الأول للتأكيد على أن شريحة لا بأس بها من موظفي الدولة لا تعني لها الرواتب ولا زياداتها شيئاً، ولا تعبأ بها، وتأنف نفسها الأبية من رواتبكم الضحلة، وتعويضاتكم البائسة، ولا تتذكر أن هناك شيئاً اسمه الراتب بعد أن حباها الله بالرزق والعز والجاه، ومكنها من رقاب ومصائر الناس، لتلعب بها كما كان بوبي تشارلتون يرقـّص ويلاعب ويداعب كرة الفوتبول ويستعرض بها في أولد ترافورد أيام زمان. لا أدري إن كانت مقاربتي التالية منطقية، وسليمة، ويمكن التعويل عليها في الخروج بتصور أو اعتمادها بشكل رسمي، فكما عرفت، ونما إلى علمي، فإن عدد الموظفين في الدولة هو حوالي 1،4 مليون عامل، من أصل قوة العمل العاملة في سوريا التي تبلغ حوالي خمسة ملايين عامل حسب إحصائية مسح قوة العمل السنوي لعام 2009, التي أجراها مكتب الإحصاء ونشرتها في حينه صحيفة الوطن السورية، وجاء فيها أن: "عدد المشتغلين في سورية وصل العام الماضي إلى 4.999 ملايين مشتغل، يعمل 68.6% منهم طوال السنة، و11.1% بشكل موسمي، و18% بشكل متقطع، و2.3% بشكل مؤقت".

 ومما جاء في الإحصائية أن: قوة العمل أي /4.945/ مليون عامل ، وزعت كما يلي منهم /1.379/ مليون عامل في القطاع الحكومي (بمن فيهم من أزواج وزوجات في نفس الأسرة وهؤلاء هم محور هذه المقال -الكاتب)، و /3.207/ ملايين عامل في الخاص، والبقية في القطاع المشترك، وكانت ابرز قطاعات النشاط الاقتصادي استقطابا لقوة العمل هي على التوالي: الخدمات /1.294/ مليون عامل ، الزراعة /946/ ألفاً، تجارة وفنادق /783/ ألفاً ووصل عدد المتعطلين الذين سبق لهم العمل إلى /67/ ألف متعطل مقابل /387/ متعطل لم يسبق لهم العمل وكانت أعلى نسبة متعطلين في اللاذقية /72/ ألف متعطل واقلها في درعا /5000/ متعطل فقط وعلى مستوى القطر كان حملة الشهادة الثانوية هم الأكثر تعطلا، وفيما يخص شريحة الراتب، فإن /733/ ألفا من موظفي القطاع العام فاقت رواتبهم حاجز تسعة آلاف مقابل /331/ ألفا في القطاع الخاص للحاجز نفسه، ما يعني ان مليون عامل في القطاعات المختلفة يتقاضون راتبا أعلى من تسعة آلاف ليرة.(انتهى التقرير). وإذا أضفنا لكل واحد من هؤلاء مع البحبحة، زوجة مع أربعة أطفال، سيرتفع عدد المستفيدين من رواتبكم إلى 10 ملايين مواطن، من أصل 23 مواطنا، أي تبقى لدينا حوالي 13 مليوناً لا نعرف من أين وكيف يعيشون، أي ما نسبته 56% من سكان سوريا، بدون رواتب وتعويضات حكومية تقيهم شر الذل والفقر والمجاعة والسؤال، ولم تشملهم لا الزيادات ولا العلاوات والتعويضات ولا منح ومكرمات الحكومة الصادرة مؤخراً، ولن يتبقى لهم شيئاً ليخسروه، كونهم لا يستفيدون من حكومتكم الموقرة بقرش صدئ، إلا كما يستفيدون من حكومة جمهورية جنوب السودان الجديدة المستقلة، وبالتالي سيكون ولاؤهم لكم، كما ولاؤهم لحكومة جمهورية جنوب السودان غير الشقيق (طبعا بعد الانفصال والانشقاق عن حكومة السفاح المستعرب عمر المشير). فهل فكرتم ووضعتم كل هؤلاء في سلم أولويات واهتمامات حكومتكم الغراء وبحثتم لهم عن مخرج ومنجى من أنفاق البؤس والفقر والبطالة والحرمان، وهؤلاء أولى بالرواتب والزيادات من موظفي الجمارك، والطابو، والمالية، المواصلات؟

 * لا يمكن إطلاق صفة المواطن على إنسان يعيش في ما يسمى بوطن محروم فيه من أبسط الحقوق كالعمل والتأمينات والمعاش، ويفتقر أدنى مقومات العيش الكريم، ويواجه مخاطر حياتية مدمرة في عيشه وصحته ومستقبله ومستقبل أطفاله، هذا من الممكن أن نصفه بأية صفة أخرى باستثناء صفة المواطنة التي يترتب عليها حقوقاً كما واجبات، وفي حالتنا السورية هناك من يدفع كل الضرائب والخوات والأتاوات الباهظة والمرهقة المعروفة ويقوم بكل ما يترتب عليه مما هو مفترض من واجبات المواطنة من دون أن يحظى بأية معونات أو تسهيلات حكومية في السكن والراتب والتقاعد ودرء مخاطر العجز والشيخوخة فهل يمكن تسمية هذا بمواطن في دولة مواطنة حديثة، أم مجرد رقم في مزرعة وولاية من أيام زمان، وأجير بدون حقوق؟ لذا اقتضى التنويه والتوضيح.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز