د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

 More articles 


Arab Times Blogs
رهانات الأزمة السورية

في يوليو 2002 زرتُ دمشق لإلقاء محاضرة في الجامعة بدعوة من السفارة الأميركية في سوريا، وقد سعدت جدّاً للحضور الكثيف الذي ملأ المدرج، ولكن مع ذلك خالجني شعور بالقلق لأنني اخترت موضوعاً يتحدث عن التحديات التي تواجه البلد، فقد علمني أساتذتي أن أمنح الجمهور ما يحتاج إلى سماعه وليس ما يريد سماعه، ولذا قررت أن أكون صريحاً وقلت إنه يتعين على سوريا الانفتاح سياسيّاً بالسماح للشباب وعموم المواطنين بالمشاركة الحرة في تقرير مصير البلاد وتدبير مستقبلها دون قيود ومضايقات. وأضفت أن سوريا في حاجة أيضاً للانفتاح اقتصاديّاً حتى تطلق العنان للروح التجارية الكامنة لدى شعبها لأن ذلك هو السبيل الوحيد للمنافسة في السوق العالمية وتحقيق الازدهار والرفاه للشعب.

وقد حذرت من أنه ما لم تُقدم سوريا على هذا الانفتاح الضروري فإنها مهددة بخسارة شبابها وباستمرار الركود في حياتها الاقتصادية. وفيما كنت أراقب ردة فعل الحضور في المدرج لاحظت أن الطلبة في المقاعد الخلفية يهزون رؤوسهم دلالة على أنهم يتفقون مع هذا الطرح، وحتى أعضاء الهيئة التدريسية عبروا عن تأييدهم للانفتاح بنفس الدرجة التي استجاب بها أيضاً المسؤولون في الصفوف الأولى ومعهم الوزراء الذين حضروا المحاضرة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا على رغم هذا الإجماع العام على ضرورة الانفتاح والإصلاح امتنعت سوريا عن التقدم بأي خطوة في هذا الاتجاه وظلت تراوح مكانها؟ لماذا لم يحدث التغيير المرتقب؟ الجواب ببساطة شديدة: لأن سوريا خضعت طيلة عقود طويلة لنظام سياسي جامد وعتيق حكم البلاد بقبضة حديدية ووضع القيود أمام الخطاب الحر والمنفتح، مستخدماً العنف والقمع لإخراس الأصوات وتكميم الأفواه.

ولكن الاحتجاجات الشعبية العارمة التي عمت سوريا على مدى الشهور الماضية، والاضطرابات التي هزت البلاد طولًا وعرضاً، تدل بما لا يدع مجالًا للشك على أن حاجز الخوف قد كُسر، وأن سوريا وصلت إلى منعطف خطير، وسواء كانت وزيرة الخارجية، هيلاري كليتون، محقة بإعلانها فقدان النظام لشرعيته أم لا، ثم تراجع الإدارة بعد ذلك والاكتفاء بالقول إنه "في طريقه لفقدان الشرعية"، فإن التغيير أصبح على الأبواب.

ولكن الأهم من ذلك هو معرفة وجهة هذا التغيير والتكاليف المترتبة عليه، فمن خلال حجم وجغرافية الاحتجاجات التي تعم سوريا من الواضح أن عدداً كبيراً من الشعب السوري يريد رحيل النظام ويرغب في تأسيس نظام بديل أكثر انفتاحاً وديمقراطية بعدما انهار جدار الخوف الذي أقعد الناس طوال السنوات الماضية عن رفع أصواتهم، ولذا لم تعد القوة الخشنة تنفع في إسكاتهم. وكلما تصاعد عنف النظام في محاولته إخماد الاحتجاجات كلما استماتت المقاومة المدنية التي ظلت إلى حد الآن سلمية وبعيدة عن أساليب العنف والصراع المسلح. ولكن في الجهة المقابلة هناك أيضاً عدد لا يستهان به من السوريين يهابون التغيير، لاسيما الطبقة الوسطى الحضرية والأقليات الدينية المتوجسة على مستقبلها في حال سقوط النظام، وهذا الخوف يشعر به المسيحيون على وجه الخصوص بالنظر إلى ما يتعرضون له في العراق من مضايقات وأحياناً من استهداف. إلا أنه على رغم كل ذلك لا يمكن المجادلة في فقدان النظام للشرعية بعد الأداء السيئ خلال الشهور السابقة ولجوئه للعنف في التعامل مع المحتجين. فعلى مدى عقود من الحكم سقط النظام في الجمود وبات همه الوحيد الاستئثار بالسلطة وتهميش باقي الأصوات. وفيما كانت الأساليب القمعية ناجعة في إخراس الأصوات المعارضة وإبقاء الشعب مستكيناً، لم يعد ذلك ممكناً اليوم، بحيث يبدو أن قمع الشعب فقط يؤجج رغبته في الانعتاق ويقوي مطالبته بالحرية.

وعلى رغم ما بذلته السلطة في الفترة الأخيرة من محاولات للحوار مع المعارضة وإطلاق وعود مثل الإفراج عن المعتقلين وكتابة الدستور وإقامة نظام جديد قائم على التعددية الحزبية بعد إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تخص حزب "البعث" بقيادة الدولة والمجتمع، يبدو في نظر البعض أنها مجرد مناورة يلجأ إليها النظام في محاولة مستميتة لاحتواء الاحتجاجات، إذ لا يمكن الوثوق -يقول البعض- في نظام يعد بالإصلاح وفي الوقت نفسه يواصل قمع المتظاهرين والتنكيل بهم. والمشكلة أن المعارضة ما زالت، هي أيضاً، غير منظمة بما يكفي لتمثيل جميع حساسيات الشعب السوري باختلافه وتعدده، وهو ما لاحظه المراقبون الخارجيون ومن بينهم مسؤولون أميركيون يرون أن المعارضة السورية غير قادرة في هذه اللحظة على وضع رؤية واضحة ومحددة للمستقبل.

والحقيقة أن صعوبة الوضع السوري وخطورته تنبع من موقع البلد الجغرافي فهو من جهة يحاذي لبنان المنقسم على نفسه، ومن جهة أخرى يجاور العراق الهش، فضلًا عن استضافة سوريا فوق أراضيها لما يقرب من مليون لاجئ عراقي وفلسطيني، بالإضافة إلى وجود أقلية كردية، ولاشك أن أي انهيار يحصل في سوريا قد يؤثر على دول الجوار ويزعزع استقرارها. وبالنظر إلى الرهانات الجسيمة التي تنطوي عليها الحالة السورية لابد للنظام أن يقتنع بأن أسلوبه القائم على الإضرار بنفسه يحتم التغيير، فيما تحتاج المعارضة، من جانبها، إلى مزيد من الدعم حتى تنضج وتصبح أكثر فاعلية وتمثيلية لكافة الأطياف. أما باقي مكونات الشعب من أقليات فعليها الحصول على ضمانات بأن وضعها لن يكون أسوأ وبأنها ستتمتع بحقوق المواطنة وستتاح لها فرصة المشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة. ويبقى الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو إجراء حوار وطني حقيقي يمهد لفترة انتقالية بعدما فشل النظام في تزعم هذه الفترة بنفسه، ولن ينجح هذا الطريق بدون مساعدة الدول العربية ودعم المجتمع الدولي لتجنيب المنطقة اضطرابات هي في غنى عنها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز