الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
سيكولوجية التعصب 2 الحلقة الاخيرة

قلنا في الحلقة السابقة بان الاغلبية تتعصب احيانا ضد الاقلية. كما قلنا بان الاقلية احيانا تتعصب ضد الاغلبية، وقد اتينا لكل حالة مثال، وفي هذه الحلقة نتطلع على نوع ثالث من التعصب واضطهاد الاخر، عندما يكون الجمهور هو الباعث للحكومة على الاضطهاد. وقد يعمد الجمهور ايضا الى ان ياخذ الامر بيده مباشرة ويضطهد الخارجين عن عاداته في الدين او غير الدين في حين تكون الحكومة متسامحة راضية بوجود هؤلاء الخارجين. 

 

وهذا النوع من الاضطهاد لا يمكن معالجته بالقوانين فإنه قائم على درجة الثقافة الفاشية في الامة ومقدار ما فيها من تغرضات وعصبيات قديمة، لأن القوانين تعجز عن تأديب الجمهور اذا لم يكن من ورائها رأي عام يدعمها ويؤيدها.  فاذا كان الراي العام يروج التعصب ويدعو الى الاضطهاد فإن الحكومة بكل ما فيها من نيات حسنة لا تستطيع الاصلاح الاّ بنشر الثقافة وتبديد غيوم الخرافات من رؤوس الجمهور. وهذه طريقة بطيئة ليست فيها قوة الامر والنهي التي تتسم بها القوانين.

 

وبهذه المناسبة يحسن بنا ان نذكر ما اصاب اليهود عام 359 للهجرة من مجزرة  على ايدي جمهور جاهل استفزته العاطفة الدينية.  فقد كان باديس امير غرناطة في دولة الاندلس قد استوزر يهوديا يدعى ابن نغزالة. فالف شيخ معتوه اسمه - اسحق الفقيه - قصيدة، يهيب بجماعة الصنهاجة المعروفين في حقدهم وتعصبهم بأن يقتلوا اليهود. فمات اعداد كبيرة منهم كان الوزير المذكور ضمن الضحايا، وقد جاء في قصيدته المشؤومة:

 

         فبادر الى ذبحه قربة                وضحّي به فهو كبش سمين

        ولا ترفع الضغط عن رهطه           فقد كنزوا كل علق ثمين

       وفرق عراهم وخذ مالهم                  فانت احق بما يجمعون

فهذا مثال سييء من تعصب الجماهير وسفالة الشيخ، ادى الى مأساة انسانية فظيعة. في حين كان جمهور الاندلس انذاك اغنى جمهور في العالم الاسلامي كله واكثره ثقافة ولكن مع هذا كله فقد ركب الفقهاء الجهلة عقله واستغلوه لمصلحتهم،  مع ان حكام الاندلس وامراءه كانوا على درجة عالية من التسامح العقائدي. مثلهم مثل نظائرهم من المسلمين في الشرق العربي الذين اتصفوا بالموادعة  

 

فحياة ابو العلاء المعري وحدها تكفي برهانا على ذلك.  فإن هذا الاديب العظيم عاش الى الشيخوخة الهنية في بلدته ( المعرة ) ولم يلق من الجمهور او الحكومة عنتا، مع ما كان يمكن ان يؤاخذ عليه ويكون كافيا للحكم عليه بالقتل.  فقد شك في الدين واعلن شكوكه في ابيات عديدة يفوح منها رائحة الكفر والالحاد ومع ذلك لم ينال الاذى.

فالدين الذي كان يخضع لسلطانه ذلك الشيخ الحاقد في الاندلس ، هو نفس الدين الذي كان يخضع لسلطان المعري في الشام، وانما اختلفت الثمرة بأختلاف التربة.

ومن اقوال المعري وهو يخاطب الله:

 

          انهيت عن قتل النفوس تعمدا      وبعثت تأخذها مع الملكين

         وزعمت ان لها معادا  ثانيا         ما كان اغناها عن الحالين

وايضا:

        اذا ما ذكرنا آدما وفعاله                 وتزويجه ابنيه فبنتيه في الخنا

       علمنا بان الخلق من نسل فاجر     وان جميع الخلق من عنصر الزنا

وايضا:

       هفت الحنفية والنصارى ما اهتدت    ومجوس حارت واليهود مضللة

       اثنان اهل الارض: ذو عقل بلا                دين وآخر دين لا عقل له

مما دفع بالقاضي جعفر الزوزني، الى ان يهجوه قوله:

 

        كلب عوى بمعرة النعمان             لما خلا عن ربقة الايمان

       أمعرة النعمان ما انجبت اذ          اخرجت منك معرة العميان

ومات المعري عام 449 للهجرة.

فتهور الجماهير وتعصبها لا يمكن ان يعزى الى الدين، لان الدين يحتاج الى ثقافة لا تصل اليها الجماهير.  وهذه الجماهير تتأثر بأعتبارات عديدة، والدين واحد من هذه الاعتبارات. فالفرنسيون مثلا يكرهون اليهود، لأعتبارات لا دينية ولا عنصرية، انما محض تجارية.

فشدة التعصب ترجع الى رجل الدين الذي بيده السلطة ، ومقدار فهمه للدين،  يختلف بأختلاف ما هو حاصل عليه من الثقافة والتربية الأجتماعية.  فالدين المسيحي الذي تؤمن به اوربا اليوم والذي يؤكد على التسامح والمحبة بين البشر، هو نفس الدين الذي ابتدع محاكم التفتيش في القرون الوسطى، تصدر احكامها بحرق المفكرين احياء وسط ساحات المدن، لا لجرم اقترفوه انما لانهم كان في الدين لهم رأي آخر.

الموسوعة النفسية . عبد المنعم الحنفي مع التصرف







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز