د. باسم ماجد سليمان
bassems.sol@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 July 2011



Arab Times Blogs
المثقف بما ينتجه من أفكار عقلانية

لم يعد من الممكن أن يُطلق مصطلح «مثقف» على إنسان، لمجرد أنه يجيد فنَّ اللعب على أوتار اللغة واستخدام المصطلحات المنمّقة والإتيان بأفكار جديدة، ولو كانت من خارج السياق العقلاني للتداعي التحليلي، بل إنَّ المجتمع، بما بات يملكه من ملكات فكرية أصبحت متميزة في ظلّ التطور الحضاري والتقني وخاصة في مجال علوم الاتصال الذي أتاح التواصل بين أبناء المعمورة واختزل المسافات حتى باتت الأرض حقاً أشبه بقرية صغيرة، تلك الملكات الفكرية، التي نمت وازدهرت لدى إنسان الألفية الثالثة، لم تعد تتيح في المجال لبعضهم، ممن يحترفون الفكر والثقافة، أن يحتكروا تلك الساحة من الاهتمام والممارسة.

 وفي ضوء ذلك، لم يعد المثقف مثقفاً وفقاً لمصطلحات الزمن «الغابر»، بل أصبح هذا المصطلح يطلق على الإنسان، وفقاً لما ينتجه من أفكار تتّسم بالموضوعية، كنتيجة لإعمال صرف للعقل، دون التأثر بأيّ انتماءات، سواء كانت أيديولوجية أم عرقية أم دينية أم نفعية أم ثأرية أم عوامل سيكولوجية تنتجها مركبات نقص اجتماعية. ويصحّ القول أنَّ المثقف هو مثقف، بحكم ما يصدر عنه من أفكار وليس بصفته الاعتبارية. وبذلك، تصبح الأفكار هي التي تخضع إلى الحكم والتقييم، وليس الشخص الذي تصدر عنه تلك الأفكار. ويُطلعنا الواقع المعاش يومياً على ما يبعث على الدهشة في تبدّل مواقف محترفي الفكر والثقافة والفن والوعظ، بما يؤكد أنَّ المواقف لم تبنَ لدى بعضهم على أساس مقتضيات التفكير والتحليل الذهني المبني على أسس عقلانية وجدانية، بل غالباً ما تكون مبنية على عوامل ذاتية وظرفية تتصل بها.

 وتأتي في المحصلة المخرجات الفكرية لدى بعضهم من «المفكرين والمثقفين والواعظين»، بما لايتوافق البتة مع الحدّ الأدنى مما يلبّي حاجة المتلقي من القبول العقلاني لتلك النتائج الفكرية، التي كلفوا أنفسهم عناء «التفكير والتحليل» من أجل الوصول إليها، بل كثيراً ما يدرك المتلقي منطلقات وانتماءات هؤلاء من محترفي الفكر والثقافة، والتي تبلغ لدى بعضهم درجة التعصب لآرائهم التي لاتقبل الاختلاف، على الرغم من مجانبتها الكثير من بديهيات التفكير المنطقي والموضوعي. ويقدّم هؤلاء أنفسهم على أنهم وحدهم من يملك ناصية الحقّ والحقيقة، ووحدهم من يتفانى في سبيلهما، مع أنَّ الوقائع تنبئ بغير ذلك، والتي يشير الكثير منها إلى عدم وجود توافق بين القناعات الفكرية ومخرجات التفكير اللاعقلاني وبين المعتقدات والسلوك لديهم، والتي ليست بالضرورة أن تكون متطابقة، بل على الأقل أن تكون متصالحة فيما بينها

 كما أنه من السهل لدى المتلقي أن يلحظ أنَّ بعضهم يغمره الشعور بالتمنّن والتغطرس على المتلقي مقابل الأفكار التي يقدّمونها، في الوقت الذي يمضي فيه الكثير من هؤلاء المتلقين في دهشة لمدى قدرة بعض «أصحاب القامات الثقافية» على تزييف قناعاتهم وتطويع عقولهم وفقاً لما يخدم توجهاتهم الذاتية الخاضعة إلى اعتباراتهم الشخصية والظرفية، بحيث يمكن أن نلمس بيسر أنهم يقومون بتضمين أفكارهم مضامين يمكن توقعها مسبقاً بما ينسجم مع اعتباراتهم الشخصية، رغم أنها قد تأتي من خارج سياق التفكير العقلاني كلياً. ونشهد في السياق المتصل بالتحولات التاريخية التي تمرّ بها سورية كيف أنَّ بعض «المثقفين» يعمل على رفع سقف الاختلاف، ولو شكّل ذلك خلافاً جزئياً لقناعاتهم، التي من المفترض والبديهي أنها مبنية على ما ينتجه التحليل العقلاني والمنطقي للواقع، وذلك خلافاً لما كان يتوجّب عليهم التحلّي به أصلاً من تجاوز للأيديولوجية الفكرية التي ينتمون إليها، في سبيل خدمة الفكرة التي ينتجها العقل ويمليها التحليل الذهني المجرد للواقع، متجاوزين الاعتبارات الشخصية مهما تباينت، وذلك من أجل خدمة الوطن وأبنائه؛ ما يمثّل مهمة وطنية لكلّ مواطن، بعيداً عن صفته الاعتبارية الفكرية، باعتبار أنَّ تلك الصفة الاعتبارية لمحترفي الفكر والثقافة يجب أن يمليها ما ينتجونه من أفكار عقلانية وموضوعية مجردة..

 ولم يعد ممكناً لمثقف أن ينتهج منهجاً في تحليله الفكري يوصله إلى المزيد من الاختلاف مع الآخر، أو إلى تعزيز هذا الاختلاف، أو إلى حصريّة الموقف بالاختلاف، أو عدم قدرته على تلمّس أيّ من النقاط الإيجابية لدى الآخر، أو إلى اتخاذ مواقف مسبقة من الآخر وبناء الأفكار على أساسها، أو الانطلاق من أرضية وجود معركة مع الآخر وبالتالي وجود خاسر ورابح في المعركة، أو إلى اللجوء إلى اعتماد معطيات غير موثوقة وغير موضوعية فقط في سبيل دعم الفكرة المتبناة مسبقاً، أو إلى التناغم مع أيّ طرف أو التوافق والاتفاق معه مهما كانت مواقفه عدائية للوطن طالما أنه يخدم أو يدعم أو يلتقي مع تلك الافكار المتبناة من قبل هذا المثقف أو ذاك. إنَّ المثقف الحقيقي والوطني هو من يتمكّن من تجاوز ذاته ورغباتها، في سبيل خدمة القيم الإنسانية والوجدانية جمعاء؛ فما بالنا لو كان الأمر يتعلق بالوطن!..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز