د. باسم ماجد سليمان
bassems.sol@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 July 2011



Arab Times Blogs
الأشياء جميلة عندما يمكننا أن نراها كذلك

ينتاب البعض مشاعر من الإحباط واليأس، ما يحدو بهم للانكفاء عن كلّ من حولهم، ويخبو الأمل لديهم حتى تكاد شعلته تنطفئ، ولا يبقى منه حتى القليل الذي يشكل وقود الحياة لدى الإنسان.

الأمل معنىً كثيراًَ ما ننشده، وقد لا نهتدي إلى سبيله، وبتعريف بسيط يمكننا القول إنّه تطلُّع الإنسان إلى واقع أفضل لشيء ما في حياته، وإيمانه بقدرته على تحقيقه، وقوّة هذا التطلُّع تتناسب طرداً مع درجة الإيمان بإمكانيّة تحقيق هذا الواقع الجيّد، والذي يمكن تعريفه بقوّة الأمل.

نتساءل كثيراً عن كيفيّة بلوغ قوّة الإيمان المطلوبة لتحقيق هدفٍ ما، إذ إنّه ليس هناك من يمكن ألا تكون لديه رغبة في تحقيق هدف ما لتأمين واقع أفضل على المستويين المعنوي والمادي. وقد يبدو للبعض أنّ ضرورة الإيمان بالهدف لتحقيقه أمراً نظرياً، ولا يمكن بلوغ الأهداف إلا عبر معايير واقعية عملانيّة يُعَبَّر عنها بمعادلة «من يعمل ينجح»، وبما أنّ الكثير ممّن بذلوا جهوداً عملانيّة استثنائيّة لبلوغ هدفٍ ما قد قضوا دونه، فإنّ ذلك يطرح أمامنا إمكانيّة وجود عناصر أخرى نحتاج إليها لبلوغ الأهداف.

الشخصية الإيجابية المتوازنة يمكنها وعي الأمل، وترجمته عبر امتلاك قوة الإيمان ببلوغ الهدف، ولكن علينا أولاً البدء بكبح اندفاعاتنا اللاواعية في تيار الحياة، لنصبح فاعلين بدلاً من أن نكون منفعلين ومنجرفين بالتيار، بحيث نعي حركة سلوكنا ونضبط إيقاع خطواتنا، ولا ندع العقل يسافر بعيداً في مساحات سلبية ستنعكس على أدائنا، كما يجب أن نسعى دوماً لقراءة موقعنا في خريطة المشاعر، ونعمل على تعديل ونقل موقعنا من الموقع السلبي الى آخر إيجابي، فالمشاعر السلبية التي تكتنف العقل لها التأثير ذاته الضّار للمواد السُمّية التي تجول في عروقنا، والتي كلما زادت نسبتها، وطال أمد وجودها، زاد فعلها السمّي، والدواء الناجع لمعالجة الضرر الناجم عن المشاعر السلبية، هو أن نعي تلك المشاعر السلبية أوّلاً, عبر السؤال الدائم لأنفسنا: بماذا نفكر الآن؟، وخصوصاً عندما نواجه مواقف صعبة، أو محناً تزدحم معها الأفكار السلبية في رؤوسنا، ويلي وعينا تلك المشاعر السلبية تعديلها واستبدالها بأخرى إيجابية، ومعظم تلك المشاعر السلبية التي تنتابنا هي نتاج أفكار سلبية تجول في رؤوسنا خلال عملية التخاطر الذاتي التي تعتمل في رؤوسنا جل ّ يومنا، سواء في مرحلة الوعي واليقظة أم مرحلة اللاوعي أثناء النوم، وفي المحصلة فإنّ طبيعة الأفكار التي تتمخّض عن الحوار الذاتي الذي لا ينقطع، سترسم ملامح الصور التي ستضبط وتحكم إيقاع حركتنا وسلوكنا، فطبيعة الصور التي نحملها عن الأشياء هي التي تحدّد مواقفنا نحو تلك الأشياء، وهنا يمكننا الإفادة من تلك الآلية التي يعمل عليها العقل، ونوظفها لمصلحتنا، بدلاً من أن نصبح ضحاياها، وذلك عبر القيام بتعديل الصورة التي نحملها تجاه الأشياء وتزيينها وتلوينها، ثمّ وضعها في مكان بارز أمامنا على سطح مكتب عقولنا، حتى يتسنّى لها التغلغل في المنظومة الذهنية لعقولنا، وتعديل الصورة لتغدو إيجابية، هي آلية تتّبعها الشخصية الايجابية لتجميل الأشياء القبيحة ، فعندما نعدل صورة الأشياء التي نراها من حولنا لتصبح جميلة في عقولنا، سوف يتولد لدينا انطباع إيجابي عن تلك الأشياء، وتلك حقيقة إنسانية تاريخية عَبَّرَ عنها المثل القائل «كن جميلاً ترى الوجود جميلاً»، والانطباع السلبي عن الأشياء من حولنا هو عبء يثقل كاهلنا نحن، وليس موقفاً نعبّر فيه عن رأينا في الأشياء، ولذا نحن نقوم بإزالة الضرر الواقع علينا من الآخرين عندما نتمكّن من رؤية سلبياتهم على أنها إيجابيات، والتسامح هو من الآليات الُمتَّبعة للتخلّص من أعباء الحنق على الأفعال السلبية للآخرين نحونا، وتجاوز سلبياتهم، وعدم اجترارها وجعلها مادة سلبية لتخاطر ذاتي تتسلّل خلاصاته السلبية إلى منظومة عملياتنا الذهنية، ليغدو التسامح بمثابة آلية دفاعية ذاتية، للتخلص من السلبيات، وتعديل صورة الآخر السلبية إلى إيجابية، تضفي علينا مناخاً ودِّياً وجدانياً بدلاً من التوتر والقلق اللذين يثقلان كاهلنا.

إنّ الأشياء جميلة عندما يمكننا أن نراها كذلك، وجمالها هو نحن، هو داخلنا الجميل الذي يحاكي الأشياء محاكاة نرى فيها تفاصيل جميلة قد تخفى على الآخرين، تلك المحاكاة هي ما يمكن تسميته مجازاً بالذبذبات التي نرسلها إلى ما حولنا من أشياء، والتي نعود لاستقبالها على شكل إشارات تصل منظومتنا الذهنية لتُترجم إلى سلوك تجاه تلك الأشياء، فإن كانت تلك الإشارات المرسلة إيجابية، فسوف نستقبل إشارات إيجابية، والعكس صحيح تماماً، كما بناء علاقة إيجابية مع الأشخاص الذين يتطلب رؤية الجوانب الإيجابية فيهم، ويرسم لهم صورة جميلة لدينا، تتجلّى جمالاً في تعابير وجوهنا ونغمات أصواتنا، ويمكن لهؤلاء الأشخاص تلمّسها بوضوح يدفعهم تلقائياً لمبادلتنا الشعور الإيجابي ذاته، بعيداً عن الكثير من التفاصيل التي يمكنها أن تشكل عناصر اختلاف.

إنّ الأمل وقوة الإيمان بأنفسنا، وقدراتنا على تحقيق ما نصبو إلى تحقيقه، وإقامة علاقة ودية مع الأشياء من حولنا يبدأ بإدراك مشاعرنا والولوج إلى عالمنا الداخلي، وإقامة علاقة ودية مع ذواتنا، لأنّ تصويب الأداء يبدأ بوعي مكامن الخلل.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز