د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الموقف من الفتنة الكبرى ج3\3

موقف عائشة

حسب الشيعة اتخذت عائشة موقفا معاديا لعلي واتهمته بالتحيز للثوار وأعلنت حربها عليه وانتهى صراعها معه بمعركة الجمل التي هزمت بها واعتزلت بعد ذلك. وحسب السنة لم تتخذ عائشة موقفا معاديا من علي وإنما اختلفت معه في تصورها لمعالجة ما بعد الأزمة وأن تطور الأمور لمعركة يمثل حالة نموذجية لقدرة الثوار ومثيري الفتنة على توجيه الأمور.

 

وما هو مؤكد دون خلاف أن عائشة اختلفت مع علي وحصلت معركة الجمل فكيف يمكن فهم هذا الموقف. يفسر الشيعة الأمر بعداوات سابقة ويربطونه بحادث الإفك وهي تعتبر عدوة ولا مجال لتبرئتها من تهمة التحيز المسبق وهذا ينسجم مع مقولة استهداف علي من قبل الشيخين أصلا فلا جديد إذن.  لكن حسب تحليلنا أعلاه واستبعاد الاستهداف المسبق لعلي لا أرى مبررا لتبني مقولة العداوة المسبقة. وإذا أخذنا بالاعتبار معارضة عائشة ومحمد بن أبي بكر لعثمان من الأسهل فهم الأمر كالتالي:

 

عارضت عائشة سياسة عثمان لكنها رفضت مبدأ قتله طبعا وفي هذا فهي ليست وحيدة وتلتقي مع علي تماما. المشكلة بدأت عند معالجة علي لما بعد الحدث فهو اختار أولوية طرد الولاه الأمويين لضمان امتصاص نقمة الجمهور الثائر من جهة ولضمان حكم مستقر في أطراف الدولة وتحسين وتعديل السياسات التي كان يعترض هو عليها بسبب هؤلاء الولاه وبهذا فعزل الولاة بداية ينسجم مع مواقفه الاستراتيجية السابقة. لكن رأي عائشة كان مع أولوية اعتقال القتلة وعقابهم وأنه بهذا فقط يمكن ضمان الاستقرار. تمحورت المسألة على اجتهادات تتعلق بترتيب الخيارات والقرارات المطلوبة لما بعد جريمة القتل.

 

والحقيقة أن كلا الموقفين يحملان مبررات موضوعية: فإذا كان رأي علي بعزل الولاة قبل عقاب القتلة هو الأفضل لمصلحة الدولة العامة إلا انه يحمل بطياته شبهة التساهل مع القتلة والتغاضي عن جريمة قتل الحاكم وهي جريمة كبرى بل ربما يسهل إمكانية تبني أهل الدم شبهة اتهامه بالتآمر أو تعطيل العدالة وهذا ما حصل فعلا من قبل الأمويين.

 

بالمقابل فإن التشدد في اعتقال وعقاب المتمردين والقتلة دون إصلاح الوضع في الولايات والذي كان السبب الحقيقي للثورة سيفهم منه ملاحقة الثورة وإحباطها واعتبار علي متحيزا مع الولاه. ومع الأخذ بالاعتبار ظروف المدينة وسيطرة الثوار على مفاصلها لم يكن سهلا على علي التسرع في اتخاذ القرار الحاسم وكان الحل الذي تبناه منطقيا وواقعيا. فقد طرح عزل الولاة كإصلاح سياسي وفي نفس الوقت أعلن براءته من قتلة عثمان ورفع الغطاء عنهم ولم يكن سهلا توفير بديل لهذا الحل الوسطي على المدى الزمني القريب. إصرار عائشة على عقاب القتلة مبرر أيضا لأنها اعتقدت باستحالة نجاح الإصلاحات بينما الدم والعدل غير مصان وأن التساهل يؤدي الى المزيد من الفتن.

 

وعليه يمكن القول أن موقفي الطرفين لا يخرجان عن اختلافات في فهم الأوليات. طبعا بما أن الخليفة كان عليا فليس من حق عائشة التدخل بالحكم لكن هذا لا ينقص من وزن رأيها الذي ثبت لاحقا صدقه حين تبني الأمويون قضية عثمان كاملة لتصفية حق علي بالولاية رغم بيعته. كيف تطورت الأمور لمعركة الجمل: حسب معظم الروايات فقد أثيرت المعركة من قبل المتمردين بعد اتفاق الطرفين على إعلان علي براءته من المتمردين وإعلان عائشة دعمها لموقفه السياسي بعزل الولاة. من المفهوم في مثل هذا اللحظة الفاصلة أن يعمل المتضررون على تفجير الموقف.

 

من كل هذا أرى أن سبب الخلاف بين على وعائشة ناجم عن اختلاف في تقييم المرحلة الحساسة وسهولة الانجراف للصدام ضمن حالة الثورة المسيطرة على الشارع.

 

عند هذه النقطة انسحبت عائشة وانقسم موقف معظم أهل قريش والصحابة لثلاث مواقف: مجموعة اعتبرت عليا هو الشرعي وضرورة دعمه وبهذا توفرت نسبة من الصحابة. المجموعة الأخرى كانت مؤيدي بني أمية الذين تبنوا التمرد ضد علي على المكشوف ويمثلون نسبة أقل من قريش. والمجموعة الثالثة شملت من لم يستطع اتخاذ موقف مع طرف لتعقيدات الظرف أو لصعوبة التأثير عليه ومعظم هؤلاء بقوا في المدينة ومكة.

 

موقف بني أمية

تمركز مؤيدو بني أمية في الشام ومالت مصر لصالحهم وتم قتل والي مصر محمد بن أبي بكر سريعا. بالنسبة لعلي فقد بسط السيطرة على العراق وشرقها لكن دون فوائد كثيرة. فشرق العراق أعاجم لم يكن سهلا الاعتماد عليهم في هذه المرحلة المبكرة للوقوف معه بينما كان دور مصر والشام أكثر فعالية بسبب غنى البلدين وعدد السكان وتماثل المجتمعين وعدم انقسامهما بعكس العراق التي كانت مقسمة بسبب تجذر نفوذ الفرس فاستعمار العراق كان استيطانيا والمدائن كانت بالعراق. بينما كان مركز حكم الروم في القسطنطينية وتأثيرهم في مجتمعات مصر والشام أقل.

 

الصراع بين علي والأمويين جغرافيا أخذ خطوط الصراع الفارسي الروماني وهذا ليس صدفة. وقد نجح معاوية أخيرا في التحكم بالملك لعدة أسباب أهمها سعة الإقليم الذي يسيطر علية وكثرة عدد العرب الموالين بينما اقتصر دعم علي في العراق المنقسمة واليمن المنقسمة أيضا مما جعل حكم علي أكثر صعوبة.

 

استمرت الفتنة والتمرد الأموي وانقسمت الدولة سياسيا وتميز موقف أهل الشام بالدعم الفعلي لمعاوية بينما تذبذب موقف أهل العراق بين الدعم والخذلان. واستمر الصراع حتى موقعة صفين التي انتصر فيها علي فطلب الأمويون الصلح والتحكيم. واستطاع عمرو بن العاص خداع ممثل علي أبي موسى الأشعري حين عزل موسي عليا ومعاوية بينما ثبت عمرو معاوية وأقر عزل علي مما أدى الى سقوط التحكيم ورفضه.

 

وظهرت مجموعة متطرفة من أتباع علي اتهمته بالتنازل واعتبرته فاقد الشرعية عندما قبل التحكيم لأنه لا يحق له ذلك. فانشق عن علي من تم دعوتهم بالخوارج وأعلنوا الحرب على الطرفين وأهدرت دماء كل من علي ومعاوية وعمرو واعتبروهم مصدر الفتنة. وفي هذا فهم أول التكفيريين الذين تمأسسوا ونموا ومثلوا شرا مستطيرا منذ ذلك الحين وحتى الآن. والحقيقة أن وجود فئة متطرفة مثل دائما عنوانا للفكر المتعصب. وهي ظاهرة اجتماعية لا بد من وجودها وتجتذب حوالي 10 بالمائة من أي مجتمع. ولكنها اكتسبت قوة أكبر من ذلك بسبب دعم كثير من القوى الخارجية لها لاستخدامها كحصان طروادة. ودورهم في الأغلب تخريبي ويخدم مصالح الغرباء أو الظالمين أكثر من خدمته للمستضعفين وأصحاب الحق والمبدأ. مع أنهم أكثر الناس ضجيجا أن هدفهم الإصلاح وهم المفسدون ولكن لا يشعرون ( أمثلة معاصرة بعض الإسلام السياسي والحركات التكفيرية).

 

نجح الخوارج في قتل علي بينما نجا معاوية وعمرو مما حسم المعركة لصالح بني أمية وخاصة بعدما قام الحسن بالتنازل وبايع معاوية وقتل لاحقا بالسم دون تحديد مؤكد لمن قام بذلك بينما اتهم الشيعة الأمويين. سقط حكم علي بمؤامرة وتمرد الخوارج على الجميع لكن الكاسب كان بنو أمية الذين حولوا نظام الحكم التشاوري والانتخابي مبدأيا على الأقل الى نظام ملكي إمبراطوري أسري.

 

بعد فرض معاوية بيعة يزيد ومن ثم وفاته رفض الحسين بيعة يزيد باعتباره فاسقا وأنه أحق بالحكم وقد وجد الحسين دعما كبيرا من أهل العراق والحجاز مما شجعه على الاستمرار. وعندما قرر الحسين السفر للعراق للبدء بحركة تولي الحكم حذره والي العراق من الحضور لكنه أصر وقد تبين خلال رحلة الحسين تخلي الكثيرين من أتباعه عن دعمه لكنه استمر. وقد قام الوالي بإرسال فرقة عسكرية لمنعه من الوصول للعراق والكوفة فالتقوا به في كربلاء وقتلوه ومن معه بمعركة غير متكافئة وأسروا النساء وأرسلوهن الى دمشق. وتم اعتماد سب علي وأبنائه في خطب الجمعة حتى عهد عمر بن عبد العزيز الذي رفض ذلك واعتبر أن الحل الوحيد هو إيقاف الفتنة وذيولها.

 

تمردت كثير من القوى خلال عهد بني أمية وتم قمعها بالعسكر. وقد بدأ شيعة علي يرسخون موقفهم بهدوء ضمن البلاد المفتوحة وخاصة بلاد العراق وفارس. واستطاعوا بالتحالف مع بني العباس تكوين حركة معادية أسقطت بني أمية وقضت على حكمهم. لكن بني العباس اعتبروا حق الولاية لهم ورفضوا النزول لأبناء علي بحجة واهية تقوم على أولوية العصبية على البنت وأن أبا طالب توفي قبل الرسول مما يحرم وراثة علي بينما يرث أبناء العباس لأن أباهم كان حيا وقت وفاة الرسول. وكما ذكرنا سابقا فحجة بني العباس واهية لكن ذلك لا يعطي شرعية لبني طالب إذا رفضنا مبدأ الوراثة أصلا واعتبرنا الشورى هي الأساس وهذا منطقي لأن الحكم ملكية عامة لا تورث.

 

 وقد رسخ هذا الانحراف انفصاما دائما وأدى إلي تحولات في بنية الموقف الشيعي الذي اعتبر العداوة لعلي ونسله مبدأ راسخا من أهل قريش من أمويين أو هاشميين على السواء. وساد الاعتقاد أن حرمان أبناء علي من الحكم له أسس وحكمة إلهية. وتم التعبير عن ذلك من خلال نشوء مفهوم الأئمة المعصومين وولايتهم ومذهب الإثني عشرية الذي ربط نهاية العالم بعودة الإمام المختفي الثاني عشر واتخذت هذه المعتقدات منحى شبيها بعودة المسيح والحواريين الإثني عشر.

 

ترسخ التفاوت الديني خلال العهد العباسي وارتبط مفهوم الشيعة بالنقمة والحزن على من خان عهد النبي والأمر الإلهي وعادى أبناء الرسول واعتدى على حقوق المسلمين وامتزج ذلك بمرارة من بني أمية وبني العباس الذين حكموا دهورا مما صنع انفصاما آخر بين الشيعة والعرب وسهل إمكانية تبني المفهوم من غير العرب ما يفسر نجاح الشيعة في بناء الدولة الفاطمية شمال أفريقيا ومن ثم تطورها اللاحق في إيران رغم الفارق الزمني (تبني الفرس الشيعية فقط بعد 1600 ربما تعبيرا عن احتياط ضد هيمنة العثمانيين أكثر منها اقتناعا دينيا).

 

تعامل السنة مع الأمر بمحاولة التوفيق وهذا محبذ إذا تم بعدل وإنصاف وليس به ضرر إن تم دون تزوير لكن مذهب السنة احتوى الكثير من ذلك لتبرير حكم الأمويين والعباسيين. وتفاقم الأمر باتجاه عكسي من قبل الشيعة مما منع إمكانية الوصول الى توافق معقول على الخلاف السياسي بما يمنع استخدام التزوير ليصبح معتقدا دينيا.

 

الدروس والعبر

ü  من الممكن إيجاد صيغة معتقدية تنقي الموقفين السني والشيعي وتفصل التراث السياسي والاقتصادي المحور عقائديا عن أساس العقيدة المشترك.

ü  يمكن الحكم بموضوعية بأحقية علي على معاوية بالولاية ونزاهته وقربة من أصل الإسلام ووقوفه مع الفقراء والمستضعفين الذين يأتي الدين عادة لتحريرهم ونصرتهم.

ü  لا بد من تحرير الإسلام من تراثه السياسي المعتمد كعقيدة لنصل الى ثورة في تصحيح نظام الحكم. تقوم على الشورى كمبدأ حقيقي وليس كطقس لتمرير معتقدات أخرى.

ü   سيصبح سهلا عند ذلك تحريره من تراثه الاجتماعي والاقتصادي الذي يعامل كعقيدة مما سيفتح المجال لثورة اجتماعية حقيقية.

ü  سيكسب السنة والشيعة كثيرا إذا وجدوا طريقا مشتركا وسيخسر فقط أصحاب المصالح والمستغلون والطبقيون والعنصريون. لكن تحرير الإسلام من الأوغاد والمفاهيم الزائفة يتطلب درجة عالية من الوعي والإيمان العميق بوحدة الإنسانية والتخلي عن العقد العنصرية والطبقية والطائفية.

ü  أهم نتيجة لبلورة الصيغة الحقيقية للإسلام التي تفصل التراث عن المعتقد ستكون خلق ديناميكية لنشره بقبول كبير وبعقل منفتح بحيث يصلح لكل الناس ممثلا لثورة تحقق التحرر السياسي والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتوفر صيغة معقولة لما بعد الحياة.

ü  لا بد من اكتشاف وبلورة آلية تنقية الإسلام دوريا من الفساد. فالفساد جزء من تطور المجتمعات ولا يمكن إلغاؤه وإن لم نجد طريقة للتنقية والتحديث ستفشل الأمور مرة أخرى. أعتقد أن هناك آلية مناسبة سهلة الاكتشاف من خلال أساس الدين. اللهم وفق الشيعة والسنة لما فيه خيرهم وخير الإنسانية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز