د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الموقف من الفتنة الكبرى ج2\3

محاكمة الفتنة الكبرى فكريا وسياسيا:

المشاكل والانهيارات: تداخل المفاهيم الأساسية مع المصالح السياسية والطبقية

حسب رأي الشيعة فإن عليا مكلف الولاية. وحسب السنة فقد تم اختيار الخليفة الأول بشكل يعبر عن المصلحة العامة. لكن هل تعامل الطرفان مع هذه المسائل أنها لا تخرج عن كونها اجتهادات بشرية تحتمل الخطأ والصواب. طبعا لم يحصل ذلك.

 

لماذا لم تتم التوصية بحق الولاية بنفس طريقة وراثة النبوة بين أبناء إبراهيم. هل القاعدة وراثة الحكم أم أن وراثة النبوة كانت الاستثناء الذي ثبت حسب القران عدم صلاحيته إذا تم التوسع به. حسب القران فإن تجربة بني إسرائيل رسالة واضحة بعدم جدوى التوريث. وحسب قابيل وابن نوح أيضا يثبت أن الطيب يولد الخبيث وحسب إبراهيم أن العكس صحيح مما يعني عدم جدوى الاعتماد على الوراثة بشكل عام. حالة بني إسرائيل تثبت تحديدا أن وراثة الولاية لا تصب في مصلحة نظام الحكم.

 

طريق الشورى هي الحل حسب المنصوص عليه صريحا (وأمرهم شورى بينهم). وما دام الأمر كذلك فليس هناك دافع ليقوم الرسول قبل وفاته بتحديد من يكون خليفته. فلو أعطى الولاية لأي فرد سيفهم من ذلك حق الوالي تحديد خليفته وهذا يتعارض مع مبدأ الشورى وسابقة تلجم تطبيقه مبكرا.

 

بالمقابل يبدو أن ترك الأمور على سابلها دون طرح بدائل خلق مشكلة وخاصة بعد تجربة الفتنة الكبرى. في رأيي لم يكن هناك خطأ في الفهم الديني وإنما هو من عزم الأمور وجزء من سلوك البشر وضرورات تطور الأشياء ولا يتم علاجه إلا بالمراجعة الدائمة والمحاكمة العادلة.  وحسب رأيي فإن اعتماد أساس الدين لما قبل الشورى ومحاكمة ما أدنى من ذلك بمعيار الشورى يمثل أقل الحلول خسارة وأفضلها احتمالا للنجاح مع أن ذلك لا يلغي بقاء بعض التداخل السلبي كنتيجة طبيعية لسلوك البشر وفهمهم.

 

في عهد أبي بكر وعمر تم الاختيار بناء على توازن القوى ويبدو أن أبا بكر وعمر كانا يملكان من الثقة وعوامل القوة ما أهلهما للترشح والبيعة. اختيار عثمان تم ضمن ستة خيارات لم تكن غير موفقة. فمن اختارهم عمر كانوا من أجل الصحابة لكن حصر اختيارهم كان اجتهادا من عمر ولم يكن ملزما للمسلمين. وحصول عثمان على التزكية يعكس واقعا اجتماعيا واقتصاديا وتوازن قوى كان أميل للأغنياء وبني أمية ولا يمثل انحرافا عقائديا. تزايد فساد الدولة وهيمنة بني أمية في عهد عثمان مسائل لا يمكن التهرب منها: ولا بد من الاعتراف أنها مثلت أهم الأسباب لبروز الفتنة مع أن هذا لا يحاكم عثمانا كشخص بمقدار محاكمته كنظام.

 

إدارة علي للازمة كانت مقيدة من كثيرين: وانعكست خلافات الأمم المكونة للدولة الإسلامية على توازن القوى مما سمح لبني أمية كسب المزيد من التحالفات مقابل علي الذي كان يريد الالتزام بالعقيدة ومحتواها وعدالتها وخسر بسبب ذلك الكثيرين من أصحاب المصالح. لقد مثل انقلاب بني أمية ثورة على المفاهيم المتعلقة بالشورى والاقتصاد وتوزيع الثروة وهي مشاكل البشرية كل عصر. وهذا ما نقصد من عزم الأمور.

 

فساد شرعية الحكم الأموي أدى الى سقوطه لكن الدولة العباسية قامت على مقولة حق وراثة الرسول على حساب علي ولم تعمل على تفعيل مبدأ الشورى. وهذا يعني أن الثورة كانت سياسية بامتياز ولم تعكس أي محاولة لتصحيح الخلل في تطبيق الفكر الديني. نفس الأمر تكرر في محاولات شيعة علي الحصول على الحكم ( الفاطميون ومن بعد ذلك). فهم طعنوا في أسس شرعية الحكام الآخرين لكنهم لم يتبنوا مقولة الشورى كأساس لشرعية اختيار الحاكم.

 

وبشكل عام فقد تم اختزال البيعة بطقس أكثر من أداء فعلي لآلية تفرز حاكما يمتلك شرعية معقولة. وهذا يعني أن الخلل الذي سبب الفتنة الكبرى تجذر على مدى التاريخ الإسلامي بالتخلي عن مبدأ الشورى ورسخ فساد الحكم منذ البدايات.

 

ولأن ثورة بني أمية مثلت تحويرا في النظرة لحقوق الفقراء وفتحت المجال لسيطرة غير مقيدة للأغنياء فقد استمر ذلك بعهود من بعدهم وأدى الى مأسسة الخلل في العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وهذه أهم القضايا التي عانت وتعاني منها الدول الإسلامية بشكل ممنهج. ولم تتميز حكومات المسلمين كثيرا عن غيرها من الأمم في هذين البندين بل ربما مارست مساوئ أكثر من غيرها بسبب شرعنتها بأسس دينية كاذبة اعتمدت الأحاديث المزورة أو سوء تفسير القران.

 

أهم حيثيات القضية:

 

أحقية الخلافة وجذور الفتنة

هناك سردان تاريخيان لتطور الأحداث منذ وفاة الرسول وحتى انتصار بني أمية ومقتل علي. في التالي نضع الأكثر احتمالا للحقيقة مع تمييز موقف الطرفين في قضايا الخلاف لكل مرحلة.

 

من وجهة نظر الشيعة: طلب الرسول بيعة علي وحصل عليها بناء على أمر الهي مباشر في اجتماع الغدير. وشاركت أعداد كبيرة نسبيا من أهل المدينة والصحابة في البيعة أمام الرسول ومنهم عمر وأبا بكر.  وأن هذا حصل قبل وفاة الرسول بفترة قصيرة نسبيا. وأن أبا بكر وعمر تجاوزا هذه البيعة واقتصراها بينهما وحصلا على بيعة أبي بكر في السقيفة ومن ثم عمر بعد ذلك. ولم يحصل تمرد من غالبية من بايع في الغدير رغم كثرة عددهم وقصر الفترة الزمنية بين الحدثين.

 

لا تبدو رواية الشيعة واقعية فلو حصلت البيعة قبل أقل من سنة وبأعداد كبيرة من المسلمين بمن فيهم عمر وأبي بكر لما كان ممكنا لهما أقناع من بايع تغيير موقفهم ولاستحال عليهما تجنيد الأنصار خلال حروب الردة. وعليه يميل التحليل أن بيعة الغدير لم تتم وهذا طبعا يضع تعارضا مع أساس عقائدي للشيعة. وهذا ربما يرضي السنة لكنه في الحقيقة لا يمثل نقطة لصالحهم أيضا.

 

من رواية التاريخ نجد ابتعادا ملحوظا لعلي عن مركز القرار لا يتناسب مع قيمته ووضعه. وهذا يؤشر الى أن عليا لم يتفاعل مع هذين الخليفتين واعتزل السياسة احتجاجا. ربما يعني هذا عدم سعادته بالأداء فقط ولكنه أيضا يحتمل اعتبار نفسه الأحق بالولاية وهذا الأرجح.  الأقرب للواقع أن عليا لم يكن راضيا بتطور الأمور باعتبار أنه الأولي بالخلافة لكنه قبل البيعة لهما عندما وجد غالبية من الصحابة تؤيدهم. وقد بقي بعيدا نسبيا عن مركز القرار رغم محاولة أبي بكر وعمر توفير ذلك وتقريبه وهذا مفهوم من نواحي إنسانية وسياسية.

 

لم يعلن علي حربا ضد عمر أو أبي بكر وهذا يرجح بقاء تحفظه شخصيا ولم يتحول لحركة سياسية معارضة. وهذا يتناسب مع فرضية أن فوز أبي بكر ومن ثم عمر بالخلافة مثل رأيا عاما قويا نابع من صداقة وقرب سن أبي بكر من الرسول مقارنة بصغر سن على. بالنسبة لعمر فقد سهل سنه وقربة الكبير من أبي بكر ودوره خلال حروب الردة في قبول انتخابه بعد أبي بكر. ورغم أن عثمان كان أكبر من عمر إلا أن شخصية عمر كانت أكثر حضورا.

 

بعد فتح بلاد العراق وسقوط الدولة الساسانية اغتيل عمر لسبب سياسي بحت ومن المفهوم أن يحاول شخص فارسي هزمت دولته الانتقام من قيادة الجهة التي هزمته. وعليه فاغتيال عمر لا يحمل أي مفهوم ديني له علاقة بالشيعة وأي توقير لقاتل عمر يعتبر إسفافا من ناحية إسلامية.

 

خير عمر قبل وفاته نخبة المسلمين بين ستة هم علي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان وأبو عبيدة واعتبر ابنه عمر حكما مرجحا. وانتخبت المجموعة عثمان وليس ذلك مستغرب بحكم تركيبتها الأميل لبني أمية فوق أن سن عثمان فضله مقارنة بصغر سن على. علينا أن نتذكر قيمة السن في الثقافة القبلية تحديدا. الملاحظة المهمة هنا هي قبول علي الانتخاب ضمن هذه المجموعة وهذا يعني قبوله نتائجها وأنه لم يكن منسحبا تماما وأن معارضته لم تكن مانعة وشامله مما يؤكد تحليلنا السابق.

 

تفاعل علي مع الحكم بعد انتخاب عثمان بشكل أكبر واظهر نقدا لكثير من قراراته ووسائل حكمه. وظهر ذلك بمعارضة واضحة بخصوص تنفذ الولاة من بني أمية والتحكم بأمور الناس بشكل بعيد عن روح الإسلام الذي يقف مع المستضعفين. وقد نمت طبقة متنفذة إقصائية مهدت لتكون محور قوي داخل النظام. لا يختلف السنة والشيعة في الاعتراف بأن عهد عثمان شهد نفوذا كبيرا لبني أمية. بعد الثورة على عثمان التي سببها ظلم الولاة حاول علي اختصار الأمر وتجاوز الفتنة لكنه لم يستطع وانتهت الثورة بمقتل عثمان بالمسجد مما خلق حالة استنكار واسعة بين المسلمين بغض النظر عن موقفهم من عثمان وسياسته وخاصة أنه رجل مسن.

 

لا يختلف الطرفان كثيرا في سرد حوادث هذه المرحلة مع أنهما يختلفان كثيرا في خلفياتها. فبينما يعتبر السنة عهد عثمان عادلا وأن الفتنة كانت بسبب مؤامرات أعداء الإسلام واليهود ولم تحمل في طياتها ثورة على الظلم يعتبرها الشيعة تعبيرا حقيقيا عن رفض بني أمية وحكمهم وخاصة أن عليا كان يجاهر بمعارضة الكثير من قرارات عثمان. وهذه تحتاج الى وقفة:

 

مجاهرة علي بمعارضة سياسات عثمان كانت حدثا معروفا ومألوفا بل إن عائشة أيضا كانت تعترض على الكثير من سياساته وهذا يعني أن الخلاف مع عثمان لم يكن شخصيا من قبل على. وعندما نقارن ذلك مع مرحلة عمر وأبي بكر وخفوت معارضة علي مقارنة بوضوحها ضد عثمان نفهم أن عهد عثمان شهد فعلا تحولات مستنكرة من قبل الكثيرين بمن فيهم أبناء أبي بكر. من المرجح إذن أن بني أمية حاولوا فعلا التحكم بمصير الدولة. ولا يكفي القول أن مثيري الفتنة والمؤامرة كانوا سبب الثورة.

 

هذا لا يجعل عثمان متهما أو متآمرا وبالأرجح أنه كان ضعيف الحيلة والقرار بسبب كبر عمره. فعندما استلم الحكم كان عمره سبعين عاما ومن السهل فهم ضعف قدرته على الحكم بهذه السن.

 

تحمل الثورة ضد عثمان في طياتها رفضا سياسيا لبني أمية رغم عدم إدانته شخصيا. طبعا هذا لا يلغي دورا إضافيا في تأجيج الفتنة لقوى معادية فعندما تبدأ الفتنة والصراع نتوقع من المعارضين عدم الوقوف متفرجين لكنهم لم يكونوا مؤسسين لتلك الثورة.

 

موقف علي عند هذه النقطة كان الأعلى أخلاقيا من الجميع. فهو كان معلنا لمعارضته لسوء الإدارة في عهد عثمان وهو من المرشحين السابقين للولاية وهو شاب قوي وابن عم الرسول وعترته. وكل هذه الأسباب ترجح استعداد قطاع كبير من المسلمين دعمه في هذه المرحلة الحرجة. وهذا يفسر لجوء المتمردين لمبايعته لأنه لم يكن هناك مرشح أفضل منه. وهذا لا يعني مشاركة علي في الثورة وإنما فقط كونه رجل حق ومعارض سياسي يمثل بديلا حقيقيا.

 

لكن عائشة وأخوها كانا معارضين لعثمان أيضا وهذا يتطلب فهما دقيقا لماذا اختلفت مع علي لاحقا رغم أنه عين أخاها واليا لمصر. عرض المسلمون البيعة على علي رغم الفتنة وكان صعبا عليه قبولها لأنها تحمل شبهة الاتهام بتعاونه مع المتمردين الذين عاثوا في المدينة. لكنه لم ير بدا من القبول رغم الاتهام المحتمل لأن الرفض يعني التفكك العام للدولة. وقد حصل على بيعة غالبية المسلمين. وفي هذا لا يختلف السنة عن الشيعة.

 

تباطأ بنو أمية في البيعة وعزل علي ولاة عثمان كحل نابع من قناعته ولامتصاص النقمة الشعبية فاستغل بنو أمية ذلك لإعلان التمرد وأعلن معاوية والي الشام ذلك مما صنع انقساما مبكرا في جغرافيا الدولة. 

 

 موقف عائشة وبني أمية  ج3\3

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز