د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الموقف من الفتنة الكبرى ج1\3

تطرق لهذا الموضوع كثير من المفكرين والمؤرخين ولم يصل أحد إلى تسوية تحل الإشكال الكبير بين السنة والشيعة. ولا أعتقد أن هذه الدراسة سوف تحل الأمر لكنها ربما تساعد في فهم يعيد التفكير لتمييز الأصول عن الفروع لأسباب موضوعية وحب الحقيقة أو على الأقل لأسباب براغماتية تتعلق باستحالة تصفية فكر الآخر. وأن الحقيقة يجب أن تقع في مكان ما بين رأي الطرفين.

 

ومع الاعتبار التفاوت الكبير والتعددية الداخلية لمواقف الشيعة أو السنة إلا أننا نقيم المقارنة هنا بين الرأي المتوسط لمن يعتبرون أنفسهم سنة أو شيعة وتمثل المقارنة الموقف السائد لمذاهب السنة الأربعة والصوفية ومن الشيعة موقف ألاثني عشرية والزيدية والعلوية والصفوية بنسبة أقل.

 

نهتم بهذا الأمر لأنه أساس المشاكل التي تواجه المسلمين اليوم. وبسبب ارتباطه العميق مع الفتنة الكبرى من الضروري تحديد مجموعة مفاهيم ومعايير تقيم تلك الفتنة بشكل يحترم العقل ولا يحتوي التناقض وينسجم مع أسس الإسلام. 

 

أود تأكيد حفظ صفات التبجيل المألوفة ( للرسول ص وللصحابة رضي الله عنهم أو علي عليه السلام أو كرم الله وجهه) لكنني لم استخدمها مرافقة لأسمائهم لكثرة التكرار المربك للمتابعة.

 

تصنيف وتعريف بالمواقف

ليس ضروريا بل ربما ليس مفيدا أن تكون سنيا أو شيعيا حتى تتعامل بموضوعية مع الحدث. ومن حاكم الموضوع في العرف التاريخي كان واحدا من أربع فئات:

 

1-  مؤيدون لعلي وضد بني أمية: ويرغبون إثبات وجهة نظره. وتتفاوت مواقف هؤلاء من معتدلة لا تدين الآخرين جملة لكنها تؤكد على أحقية علي بالحكم لتصبح لاحقا مواقف دينية مفصلية ترتبط بالإيمان والعقيدة. وتطور الأمر ليصبح مذهبا صعب التسوية في بعض الأمور المتعلقة مثل الأمامية وعصمة وولاية الفقيه الى مواقف هامشية أكثر تطرفا خرجت عن الإسلام أحيانا.

 

2- مؤيدون لبني أمية دون معارضة بالضرورة لعلي: ويريدون إثبات قلة صلاحية علي للحكم بغض النظر عن كونه جيدا أو غير ذلك. وهذا الموقف أموي بالأساس ويرغب تبرير كل تجاوزاتهم. وبسبب صعوبة تجريم علي وأسباط الرسول تراوح الموقف من العداوة الضمنية الى الحيادية من علي وأحيانا تكريمه نظريا دون دعم لموقفه فعليا. لكن بأفضل الأوضاع لم يعط علي أي تفضيل على الأمويين. وهذا الموقف أقرب للموقف السني العام.

 

وسبب ثبات هذا الموقف للسنة أن عهد بني أمية والعباسيين معا شهدا محاولة نزع شرعية علي وأهله وهذا يعني أن معظم عمر الدولة الإسلامية كان محكوما بهذا الرأي رغم قرابة علي للرسول.

 

موقف السنة عموما يكرم عليا وأهلة لكنه أيضا يؤيد الأمويين والعباسيين في نفس الوقت. يبدو هذا الموقف شاذا وهو كذلك بمعايير الموقف الشخصي والفردي أو الموضوعي لكنه يعبر بدقة عن كيفية استيعاب المجتمع لمجمل المواقف. ولا يحمل موقف السنة المتوسط من علي بعدا عقائديا وإنما يحمل الصفة السياسية للمراحل التاريخية ولا يجوز فهمه بأكثر من ذلك.

 

3- من يتبنون موقفا موضوعيا دون اتخاذ مواقف مسبقة وينطلق من مواقف إسلامية أصلا: فهم يعتبرون الإسلام دينا صحيحا وأن محمدا رسول الله والقران مرجعية الإسلام ويتعاملون بوعي مع الصراع بين بني أمية وعلي كصراع سياسي ليس أكثر ويحاولون محاكمة المرحلة من هذا المنظور.

 

وأتباع هذا الموقف ربما يمثلون أقلية بسبب صعوبته السياسية وعدم توفر حماية مذهبية واحتمالية اكتساب عداوة مزدوجة. لكن قيمته تنبع من كونه الأقرب للتحليل الواقعي والعلمي وهو أكثر احتمالا للحقيقة مقارنة مع الموقفين السابقين. وهو الأكثر حرصا على التمييز بين المعتقد الديني والخلافات السياسية والمذهبية التي تطورت الى تراث ديني يتعامل كل طرف معه حسب ما يخدم توجهاته.

 

4- مجموعات متعددة تحمل تقييمات متفاوتة الموضوعية من جهات من خارج الإسلام:  ورغم تعدد هذه المواقف وتشتتها نضعها هنا ضمن "موقف غير ما سبق" لغرض الاستثناء لكونها خارج الاعتقاد الديني. ومع أنها تحتمل أحيانا درجات عالية من الموضوعية إلا أنها أيضا تحتمل التناقض والمحاربة المباشرة وربما تكون الأكثر تطرفا. لا نريد الخوض في تفاصيل هذه الفئة التي تختلف بأمور كثيرة لكنها تتفق في عدم اعتبارها الإسلام مرجعا إيمانيا مما يفتح لها تفسيرات تختلف عما يقبله المسلم طبعا. سنأخذ بالخيار الثالث لأنه الأقرب لإعطاء حكم موضوعي ضمن المعتقد الإسلامي.

 

مسلمات الدراسة والتقييم:

1.  القران والرسول مرجعية الإسلام الأولى والأخيرة: حيث من الضروري صدق كل ما في القران وأن لا يتناقض موقف الرسول معه وماعدا هذا نقع في انحرافات فكرية أساسية. وهذا طبعا يقبله الجميع كنقطة بداية لأن من غير الممكن لشخص مؤمن تكذيب ما بالقران أو قبول نسبة حديث للرسول يناقض القران. ولكن هذا التوجه سيثمر نتائج لن تعجب الإطراف لأن كثيرا من الأحاديث المقدسة من أي من الطرفين تصبح بموقع شك كبير إذا تم اختبارها بمقياس القران. وهذا لا ينقص اعتبار الرسول مرجعية طبعا فهناك فرق جوهري بين ما ينسب للرسول وما قاله حقا. وينجم عن هذه المقولة توجه لتوفيق القران والأحاديث على قواعد تضمن تقييم الأحاديث بناء على المتن والمحتوى وليس السند.

 

2.  وينتج عن المقولة الأولى (القران والثابت عن الرسول أساس الدين) اعتبار ما غير ذلك من التراث. وهذا يسمح بقبوله أو رفضه بالمنطق العلمي المجرد ولا يحق لأحد اعتباره جزءا من العقيدة يكفر من يرفضه. هذا الموقف يحل أكثر من 90% من المشاكل لأن رفض التناقض بين القران والحديث يفرض الشك بأية أحاديث أو تفسيرات للقران تصنع تناقضا داخليا للقران أو تناقضا مع الثابت عن الرسول. ويصبح تراتب الأولوية 1- للصريح من القران 2- توافق المتشابه من القران مع الصريح بما يضمن الانسجام الشامل للقران 3- اتفاق الحديث مع مجمل القران ورفض النسخ كوسيلة لتبرير التناقض أو الإضافة. ومع أن هذا يبدو تكرارا إلا أنه غير ذلك.

 

3.  وحيث توفي الرسول قبل الفتنة بسنوات فلا يمكن اعتبار أي تحليلات أو استنتاجات أو توجهات انطلقت من مواقع الفتنة جزءا من العقيدة. ونقتصر الإيمان والإسلام بما كان سائدا زمن الرسول وموافقته. ما نقصده هنا رفض اعتماد أية أحاديث أو تفسيرات للقران لخدمة مواقف الإطراف السياسية المتناحرة كمعطيات تمثل جزءا من العقيدة لأن هناك شبهة توجيهيها لخدمة قضايا خلافية لاحقة حتى لو توفر بها شرط عدم التناقض مع القران.

 

ربما يحتج الشيعة أن حادثة الغدير والبيعة جزء من الدين وسيقاتلون لإثبات قدسية وعصمة الأئمة وولايتهم. لكن هذا غير موجود في أصول القران أو الحديث بشكل يضمن الانسجام التام. بنفس المقياس نتوقع لمثل هذه الدراسة الكشف بسهولة أن الكثير من الأحاديث التي تمجد بني أمية موجهة لخدمة موقف سياسي لاحق ونفس الأمر ينطبق على العباسيين. طبعا هنا نستعجل النتائج مع أن إثباتها يحتاج الى تطبيق المقولات أعلاه على الحديث وفرزه وتصنيفه بمعيار حيادي. 

 

وعندما تحدد الأحاديث السنية والشيعية والتفسيرات القرآنية التي تعتبر تراثا أكثر منها عقيدة تتبلور مجموعة المفاهيم التي تمثل كتلة الإسلام الحرجة وأركانه التي لا يختلف عليها المسلمون جميعا فمن اتبعها فهو مسلم ومن عارضها فهو خارج الإسلام وما عدا ذلك لا يحق لأحد التقرير به.

 

الواقع الفعلي للمسلمين قريب من ذلك في العلن. فليس سهلا على السنة تكفير الشيعة رسميا وبهذا فهم يعترفون أن رفضهم لما يختلفون به مع الشيعة لا يمثل أساسا للإسلام. ونفس الأمر ينطبق على ما يرفض الشيعة من مفاهيم السنة. فرفض السنة لمفاهيم الإمامة وولاية الفقيه التي تعتبر جزءا من عقيدة الشيعة لا يخرج السنة من الإسلام حسب رأي الشيعة المعلن كما أن الإيمان بها لا يخرج الشيعة من الإسلام حسب رأي السنة المعلن.

 

لكن عميقا في معتقدات الطرفين هناك من يؤمن بكفر المخالفين وهذه مشكلة كبرى يجب حلها ولن يتم ذلك إلا بانسجام المعلن مع الباطني والتحديد الصريح أين تقع الحدود الحمراء. وما عدا ذلك لن يتفق المسلمون وسيزدادون ابتعادا عن بعض مع الزمن.

 

أسئلة مفصلية:

إذا درسنا الفتنة نجدها تتمركز حول قضايا تتعلق بالحكم والعدالة وتعكس في بعض الأحيان تناقضات ذات أساس قبلي وقومي أو عرقي. وتبرز بعض الأسئلة:

 

ما دامت مسألة الحكم حساسة فهل تم البت بها بوضوح في القران: ولماذا نحتاج الى تفاسير معقدة لتوضيح ذلك. بالنسبة للشيعة فالمسألة محسومة وحسب السنة فهي كذلك لكن بشكل آخر. وهذا يعني أن مسألة الحكم والولاية ليست محسومة إسلاميا. هل يمكن أن نجد حلا وحيدا لذلك.

 

السؤال الآخر: هل يسمح القران بالتفاوت الطبقي الشديد والغنى الفاحش والتمييز العرقي وتشجيع الرق والعبودية والجواري.

 

الجميع طبعا سيجيب بسرعة بلا كبيرة لكن ممارسات التاريخ تقول بغير ذلك. وفي هذا يتنافس الشيعة والسنة في الادعاء النظري بحفظ العدالة لكنهم لا يستطيعون نفي الكثير مما في التراث من تناقض حاد مع ذلك. هذه القضية تحتاج الى حسم وتحديد لأنه بدون ذلك لن نصل الى حل.

 

السؤال الثالث: هل هناك من ضمن الإسلام آلية تمنع وتكشف التزوير وإن كان ذلك فهل طبقت دوريا للتنقية وان لم يكن فمن عطل ذلك. حسب تقديري لم تطرح إجابة شافية لهذا السؤال.

 

الإجابة الشافية على الأسئلة أعلاه تحل الكثير من المشاكل. ولو أخذنا بمقولة مرجعية القران والثابت من الحديث سيوفر ذلك لنا حلا مقنعا.  لكن حدة الفتنة الكبرى تعمي أبصارنا وتمنعنا من مواجهة عيوبنا لأننا جزء من تكتلات ونخاف الخروج عنها لئلا نصبح صعاليك. والحقيقة أنه دون التحرر من تلك التكتلات فكريا على الأقل لن نصل أبدا.

 

محاولتنا هنا تفسير ومحاكمة الفتنة بموضوعية ربما تساعد على تمييز الغث من السمين في معتقداتنا التاريخية وتجعلنا أكثر قبولا لتطبيق معايير التنقية الدورية للإسلام بما يضمن دوره العالمي الشامل والمنفتح والذي يعمل على استيعاب الجميع ويعطيهم نفس الفرص ليكونوا مسلمين وإلا أصبحنا أعداءا للإسلام باسم الذود عنه.

 

اعتبر نفسي مسلما على سنة الله ورسوله قبل الفتنة وأرفض فكرها وتراثها وأريد تحرير نفسي وكل المسلمين من تبعات ذلك. طبعا يبدو الطرح حلما بعيد المنال لكن المحاولة ربما تساعد قليلا على العمل بالاتجاه الصحيح. وقليل موجب أفضل من لا شيء أو سالب. هل يعني ذلك طرح مذهب جديد. طبعا لا ولا أدعي ولا تشرفني المساهمة في طرح طريقة ربما تضيف تناقضا جديدا. كل الأمل أن نزيح العيوب وما يحجب الرؤيا لنستطيع جميعا تحرير أنفسنا وسنجد في إسلام ما قبل الفتنة ما يكفي لضمان الاستمرار الصحيح.

 

محاكمة الفتنة الكبرى فكريا وسياسيا: ج2\3







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز