د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

 More articles 


Arab Times Blogs
صورة اميركا في الشرق الاوسط

قبل بضعة أشهر كان لي حديث قصير مع أوباما حول مكانة الولايات المتحدة في العالم العربي. وعندما أشرت إلى أننا سنجري استطلاعاً للرأي قصد تقييم مواقف العرب تجاه أميركا بعد مرور عامين على خطاب القاهرة، رد بالقول إنه يتوقع أن تكون المعدلات منخفضة إلى حد ما، وأن تظل منخفضة إلى أن تستطيع الولايات المتحدة المساعدة على إيجاد طريقة ما لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

واليوم، أصبحت نتائج الاستطلاع جاهزة، وقد تبين أن الرئيس كان على حق. ففي استطلاع الرأي الذي أنجزناه وشمل أكثر من 4 آلاف عربي من ستة بلدان (المغرب، ومصر، ولبنان، والأردن، والسعودية، والإمارات)، وجدنا أن المواقف الإيجابية تجاه الولايات المتحدة قد تراجعت بشكل حاد منذ آخر استطلاع للرأي بهذا الشأن (أجريناه في 2009 بعد المئة يوم الأولى لأوباما في المنصب).

وقتئذ، كان العرب متفائلين ويأملون أن يجلب الرئيس الجديد التغيير المنشود إلى العلاقات الأميركية العربية، ولم تعمل الخطوات الأولى التي اتخذتها إدارته إلا على تعزيز هذا الأمل. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة المواقف الإيجابية تجاه الولايات المتحدة بشكل ملموس مقارنة مع المستويات المتدنية التي كانت سائدة في عهد إدارة بوش. ولكن، مثلما أوضح المستجوَبون في استطلاع هذا العام، فإن تلك التوقعات لم تتحقق؛ ولذا فإن المعدلات الإيجابية في المواقف تجاه أميركا، في معظم البلدان العربية، انخفضت اليوم إلى مستويات أدنى مما كانت عليه في 2008، وهو العام الأخير من إدارة بوش. ففي المغرب، على سبيل المثال، ارتفعت المواقف الإيجابية تجاه الولايات المتحدة من 26 في المئة في 2008 إلى 55 في المئة في 2009. ولكنها انخفضت اليوم إلى 12 في المئة فقط لا غير. والقصة مشابهة في مصر إلى حد ما، حيث ارتفع تقييم الولايات المتحدة من 9 في المئة في 2008 إلى 30 في المئة في 2009، ولكنه انخفض اليوم إلى 5 في المئة فقط في استطلاع هذا العام.

ولاشك أن تقييم النتائج الأخرى لاستطلاع الرأي يوضح أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية ينظر إليه من قبل معظم العرب باعتباره "العقبة (الرئيسية) للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط" و"الموضوع الأهم الذي يتعين على الولايات المتحدة أن تحله من أجل تحسين علاقاتها مع العالم العربي". ولعل حقيقة أن موضوع فلسطين يتقدم على كل المواضيع الأخرى التي قيست في استطلاع الرأي يمثل تفنيداً للتفكير الرغائبي لدى بعض المحللين في الولايات المتحدة وإسرائيل الذين يرغبون في تخيل أنه في سياق "الربيع العربي" هذا، بات العرب يشعرون بـ"أن المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية ليست مركزية بالنسبة لحياتهم مثلما كانوا يعتقدون" (بيشور، يديعوت أحرنوت، 14 يوليو 2011).

وحسب أفراد العينة المستجوَبين، فإن ثاني أكبر عقبة أمام السلام والاستقرار في المنطقة هي "التدخل الأميركي في العالم العربي"، وهو ما يفسر لماذا لا يُنظر إلى الدور الأميركي في إقامة منطقة حظر للطيران فوق ليبيا على نحو إيجابي في معظم البلدان، مثلما لا يُنظر إليه باعتباره يساهم في تحسين مواقف العرب تجاه أميركا. فعندما قُدمت للمستجوَبين قائمة بعدد من البلدان (مثل تركيا، وإيران، وفرنسا، والصين، والولايات المتحدة.. إلخ) وطُلب منهم تقييم ما إن كان كل واحد منها يلعب دوراً بناءً "في تشجيع السلام والاستقرار في العالم العربي"، أعطى ثمانية من أصل كل عشرة عرب تقييماً سلبيّاً للدور الأميركي -حيث صنف في مرتبة أدنى بكثير مقارنة مع دور فرنسا وتركيا والصين؛ وفي أربعة من ستة بلدان عربية، جاء في مرتبة أدنى حتى من إيران!

وربما كان كل هذا متوقعاً، مثلما توقعه من قبل أوباما، ولكنه يمثل مع ذلك خبراً يدفع إلى التفكير والتأمل وينبغي أن يبعث بإشارة قوية إلى كل الأميركيين، وأن يلعب دور الكابح للسلوك المتهور لبعض المشرعين الأميركيين. وعلى سبيل المثال، فعندما يوجه الكونجرس الدعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي من أجل إلقاء خطاب يتحدى الرئيس الأميركي ويهينه -ثم يصفق المشرعون الأميركيون تصفيقات حارة للزعيم الأجنبي ويقفون عدة مرات تأييداً له- فإنهم بذلك يقولون للعرب إن أميركا لا يمكنها أن تلعب ولن تلعب دوراً بناءً بخصوص مساعي تحقيق السلام. وعندما يستمر أعضاء الكونجرس في عرقلة الدبلوماسية ويدعم مشاريع قوانين تقلص برنامج مساعدات للفلسطينيين ولبنان ومصر، فإنهم بذلك يبعثون للعرب رسالة خاطئة وفي الوقت الخاطئ. وعندما يستمر "المحافظون الجدد" في المجادلة بضرورة تبني سياسة خارجية أكثر قوة وحضوراً في الشرق الأوسط، ويحثون البيت الأبيض على استعمال القوة أو تقديم مزيد من المطالب لعدد من الأطراف العربية، فإنهم بذلك يتعامون عن حقائق المنطقة ويمشون على منطقة خطرة.

غير أن مما يُحسب لأوباما أنه يدرك المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة عبر العالم العربي. فقد استهل ولايته الرئاسية بإبداء النوايا الحسنة وبعث بإشارات تفيد بأنه سيسير في الاتجاه الصحيح. ولكن، مثلما أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، فإن أوباما لم يتسلم عصا سحرية خلال يوم التنصيب. وبدلًا من ذلك، سُلم المجرفة التي كان يستعملها بوش من قبله لحفر حفر عميقة عبر الشرق الأوسط كله. وقد بات اليوم واضحاً أن الخروج من تلك الحفر أصعب مما كان متخيلاً. فعلاوة على مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية داخلية منذ عقود، كان أوباما مضطرّاً أيضاً لمواجهة التزامات حربين فاشلتين، وزعيم إسرائيلي عصي على السيطرة ومعروف بمناوراته، وكيان فلسطيني غير مستقر، وعالم حذر ومفعم بالأمل في آن واحد كان يتوقع منه أن يحقق التغيير الذي وعد به. وإذا لم يكن ذلك كافيّاً، فإن الرئيس اصطدم أيضاً منذ أول يوم له في البيت الأبيض بواشنطن منقسمة انقساماً سياسيّاً عميقاً بين حزبيها الكبيرين، وكانت تتصرف فيها المعارضة "الجمهورية" على نحو يشي بأنها لم تكن ترغب في شيء غير رؤيته يفشل.

والحاصل أن نتائج هذا الاستطلاع الأحدث للرأي العام العربي تُظهر الوضع المتردي لمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأهمية أن يولي صناع السياسة الأميركيون الانتباه لما يقولونه لنا نحن العرب. وقد يلعب البعض لعبته السياسية مع مواضيع شرق أوسطية حساسة ويفرح لنجاحه في إحباط جهود أوباما الرامية إلى تحقيق السلام وإصلاح وترميم صورة أميركا في المنطقة؛ ولكن، مثلما توضح نتائج هذا الاستطلاع، فإن نجاحها جاء مقابل ثمن، ثمن يدفعه البلد أجمع ويخصم من صورة أميركا الدولة والأمة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز