مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
الأسس السوسيوإقتصادية للهوية

مقدمة - أزمة الهوية :

لا تظهر أزمة الهوية إلا في مجتمع منقسم على ذاته، يعاني من شيزوفرينيا تاريخية تجعله ممزقاً وتائهاً في أزقة الزمن، ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، بنيته الاجتماعية مفككة والاقتصادية مختلة، مُفتقراً للوحدة الذاتية وللتجانس والإتساق الداخلي، تدهمه رياح الزمن، فلا يقوى لها دفعاً، فتذروه قُبضاً وشظايا.


أهمية وماهية الهوية :

تمثل الهوية وعي الجماعة بذاتها، مُشكلةً بذلك الوحدة الناظمة لها، الُحافظة عليها وجودها، وكثيراً ما قام وجود الشئ على عنوانه، ، والهوية هى عنوان الجماعة وإسمها، الذي يُجمل خلاقها وأعرافها، وبها تتميز وتتحدد وتختلف عن أي جماعة أخرى.

وقد عرفتها الموسوعة الفلسفية العربية بأنها "ما يكون به الشئ نفسه"، وفصلها الفارابي بقوله "هوية الشئ نفسه، عينيته وتشخصه وخصوصيته، ووجوده المُنفرد له، كُل واحد، وقولنا أنه هو، إشارة إلى هويته وخصوصيته، ووجوده المُنفرد الذي لا يقع فيه اشتراك"، وأوجزها دكتور جميل صليبا بأنها "المُميز عن الأغيار".

ولغوياً فلفظة "هوية" مصدر صناعي ينطوي على كل خصائص ال "هو"، وبطبيعة الحال تشكل هذه الخصائص هوية الشئ أو الشخص أو المجتمع المعني.


كيف تتكون الهوية :

هذه الخصائص التي تشكل مُجمل الهوية، ليست معطىً إعتباطياً أو عرضياً خارج الواقع والتاريخ، بل هى من نتاجه وفعله، فليست كائنات ميتافيزيقية، ولا مكونات ترنسنتدالية.

لهذا لا يمكن بحال دراستها بمعزل عن تكون موضوعها ذاته، أي الجماعة نفسها، موضوع الهوية التي تشكلها تلك الخصائص، وهو الأمر الذي يضرب بجذوره في البنى العميقة لتاريخ الجماعة بكافة وجوهه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية...إلخ.


كيف تتكون الجماعات وهوياتها :

عندما نتساءل عن أسس تواجد أي جماعة، فستبرز لنا برؤوسها مجموعة من العوامل التى لا جدال حولها، وإن طال الجدل، بطول تاريخ علم الاجتماع عموماً، حول أكثرها أهمية وجوهرية، وأيها أسبق من الآخر في التأثير في المجتمع وتشكيله، وبالتالي تحديد مُجمل هويته.

فستبرز لنا أولاً الجغرافيا، أى الوسط الطبيعي بما يتضمنه من تضاريس ومناخ وتربة ومياه ومعادن...إلخ، وهو بلاشك شرط حاسم لوجود المجتمع عموماً، وإن كان هذا هو بالذات نقطة ضعفه الأساسية كعنصر حاسم في تكوين الجماعة وتحديد هويتها، فالجغرافيا تحسم عموماً، ما إذا كان مكاناً معيناً صالحاً للسُكنى لجماعة، أم لا، فملاءمة المناخ، وتوافر الموارد من مياه وتربة وغيرها، تحدد ما إذا كان مكاناً معيناً صالحاً لعيش تجمعات بشرية كبيرة أو صغيرة من عدمه، كذا تشكل بعضاً من ملامح وخصائص ذاك المجتمع، وهو الأمر الذي نلاحظه في المجتمعات النهرية القديمة، كمصر والعراق والهند والصين، والهجرات التاريخية الكبيرة حسب توزعات الحرث والزرع والكلأ لتجمعات الإنسان والحيوان عموماً.

إلا أن هذا لا يكفي لإثبات دوراً حاسماً للجغرافيا في تحديد هوية المجتمع، فكثيراً ما عاشت جماعات بشرية في ظروف جغرافية متشابهة ومتقاربة مع اختلافات كبيرة في خصائصها وسماتها وشخصيتها الحضارية عموماً، رغم كل ما بينها من مشتركات، كذا على مستوى المجتمع الواحد الذي يشهد تغيرات جذرية متوالية في شخصيته الحضارية، مع ثبات وسطه الجغرافي، وهو ما يدفعنا للنظر لعوامل أخرى.

وهنا سيتقدم لنا عامل طبيعي آخر، وهو العرق، مُدعياً أنه الحاسم الأخير في تشكيل هوية مجتمع ما، مُستشهداً بترسانة هائلة من الدراسات التي يطبعها جميعاً طابع واحد، هو العنصرية المتبادلة، ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر، ومُستنداً لتفاوتات عارضة، تتناسى التاريخ، ولمشتركات قليلة، لا يوجد دليل واحد على إشتراك روافدها في وحدة المنبع العرقي، إضافةً لما يثبته الواقع، أولاً من الاختلاط الهائل ما بين الأعراق، بما يكاد ينفي أي إدعاء لنقاء عرقي من أي نوع – خلافاً لتصورات النازية الموهومة – وثانياً ما رأيناه من (تهوي) الملايين بهويات مجتمعات يمثلون فيها أقليات عرقية، وثالثاً وأخيراً، وجود هيكل واسع من الهويات السائدة تاريخياً، لا نجد للعرق فيه دوراً واسعاً، كما ينبغي لعنصر حاسم، وهو ما ينفي عنه بالضرورة صفة العامل الحاسم في تشكيل هوية المجتمع.

وهكذا تخرج الطبيعة من سباق تشكيل الهوية بدور متأخر ونصيب محدود، فليس للهوية منشأً طبيعياً؛ ليبرز لنا العالم الذي صنعه الإنسان نفسه داخل هذه الطبيعة، وبسيادته عليها، وهو العالم الاجتماعي الذي يشمل جملة وجوه، كالثقافة واللغة والتاريخ والاقتصاد....إلخ.

تأتي لنا الثقافة – وأمها اللغة - على أكتاف الأنثروبولوجيين، وهى شامخةً بأنفها، مُصعرة خدها، ولها بعض حق، خاصةً إذا ما أخذنا بالاعتبار أنها تكاد تكون هى – وهى في الحقيقة مظهر - الهوية، لقرب ما بينهما من شقة، فهى كثيراً ما تُعرف بما تُعرف به الهوية ذاتها، فهى "نقيض لآمر آخر"، و"الطريقة المحلية الأصيلة للاختلاف التي تقاوم العدو"، و"الوعي الجماعي كنقيض للنفس المُنفردة"[1].

وإن كانت المشكلة الجوهرية في إعتبار الثقافة أساس الهوية، أو على الأقل المكون الأساس فيها، ضمن مكونات أخرى، هو كون هذه الثقافة مكوناً تابعاً غير أصيل، فما هى سوى مكون من مكونات البنية الفوقية للمجتمعات، تؤثر في تطور تلك المجتمعات نعم، تدفعها للأمام أو تجرها للخلف نعم، ولكنها أساساً، ليست العنصر الحاسم في تكوين تلك الجماعات، بل العكس هو الصحيح، فهى منتج من منتجاتها، نابع من تفاعل تلك المجتمعات مع واقعها، وتاريخ ذلك التفاعل، كما أنها مهما كان لها من دور، إلا أنها تبقى في النهاية عنصراً تابعاً للبنية التحتية للمجتمع، ضمن بقية عناصر البنية الفوقية، التي وإن لعبت دوراً مهماً وجوهرياً في حركة المجتمعات وتشكيلها، إلا أنها تبقى تابعة في حركاتها الأساسية للبنية التحتية.

ويذهب مع الثقافة التاريخ، من حيث هو تراكماً لحياة وتجارب الجماعات وتفاعلها مع بيئتها والجماعات الأخرى، بما مثلته من تحديات وفرص، وبما يمثله من ذخيرة للمجتمع لمواجهة الحاصر والاستعداد للمستقبل، إذ يبقى في النهاية تراكماً من الماضي الذي يحدد كثيراً من حاضر الجماعة، ولكنه لا يجب ولا يصح في أي جماعة حية، ترغب في البقاء بالضرورة، أن يبقى في الوعي والسلوك الفاعل للجماعة، إلا بقدر ما يتطلبه واقع الجماعة التاريخي، إذ لو تسلط التاريخ – بمعنى آخر الماضي – على جماعة ما، ومنعها الإنسياب في سلاسة مع تيار الزمن الدافق أبداً؛ لإنتهت تلك الجماعة، فتبقى فقط الجماعة الحية التى تجيد توظيف ماضيها في خدمة مستقبلها، لا العكس، بإستعباد ورهن مستقبلها لحساب ماضيها.

لهذا تتقدم المجتمعات الحية أبداً؛ بنزع وخلع جلدها الخارجي القديم كأفعى تنزع جلدها الميت، وكإنسان يغير رداءه الذي ضاق وجسده؛ لألا يختنق فيه، مُحتفظةً فقط بما يحييها، لا يخنقها ويميتها.

علاوةً على هذا لا يشكل التاريخ كماً ثابتاً واضح المعالم، فما هو اليوم حاضراً مفصولاً عن الماضي، وما يُعد غداً مستقبلاً خارج الحساب، هما بعد غد تاريخ، ما يجعل التاريخ مفهوماً هلامياً وزئبقياً، وتابعاً بالنهاية لعوامل أخرى، لازلنا نبحث عنها وفيها.

أخيراً لا يبقى أمامنا، سوى البنية التحتية لمجتمعنا المعين، هذه البنية التحتية التي تشكل أساس حياته، فمن حيث هو مجتمعاً بشرياً، تحكمه أول ما تحكمه مجموعة من الحاجات البشرية، التي ياتي في مطلعها الغذاء واللباس والمأوى...إلخ من المطالب المادية؛ فلاشك أن تلبية وإشباع هذه المطالب، وبالأحرى إنتاجها، هو أساس وجود الجماعة، إنه الإنتاج – أو الإقتصاد – الذي يعمل، في بيئة طبيعية بعينها، وما توفره من موارد – ها هى الجغرافيا تظهر –، على تحقيق شروط بقاء المجتمع المادية، ومُدنياً باستمرار، عبر توسيط التقنية والتنظيم – وهنا تلعب الثقافة بأحد معانيها دوراً هاماً – من تأثير الجغرافيا والطبيعة عموماً باستمرار.

هذه البنية التحتية، بتركيبها الاقتصادي عندما تندمج بالبنية الفوقية الناتجة عنها أساساً، تخلق لنا ما أسماه كارل ماركس بـ "التشكيلة الإقتصادية - الإجتماعية"، التى تشمل كافة جوانب حياة المجتمع من اقتصاد ومؤسسات سياسية وثقافية....إلخ، والتي يلعب فيها النظام الإقتصادي بكافة مكوناته وتناقضاته دوراً حاسماً، مُكونةً لنا مُجمل تكوينه ووجوده.

هذه التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية تحددت وتطابقت دائماً، مع أشكال معينة من الجماعات، وبالتالي أشكالاً مطابقة من الهويات، ونقول أشكالاً من الهويات، لا الهويات ذاتها، فنظرة سريعة لتاريخ تلك التشكيلات – التي نعترف ونؤكد مُقدماً أنها لم تسد دائماً كافة رقاع الأرض، إلا أنها تشابهت وتشابكت في مسارات عديدة، كونها نابعة من مستويات تقنية متشابهة أحياناً-؛ فسنجد دائماً أشكالاً واحدة نسبياً لكافة المجتمعات التي تعيش بذات التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، أو حتى في أشكال متقاربة منها، بإختلافات ذات دلالة؛ بما يفسر كثيراً من الاختلافات النسبية في أشكال الهوية والتكوين الاجتماعي، ويثبت بالتالي علاقات الارتباط الضروري بين المفهومين.

ويجد هذا أصله في أن هيكلاً إقتصادياً لمجتمع ما، يحدد أولاً حجم هذا المجتمع، فذلك محكوم بما يوفره النظام الإنتاجي من خيرات مادية، ناتجة عن استغلاله لموارد الطبيعة المتاحة، كذا يحدد – مع ذلك الحجم – شكل هذه الجماعة، وذلك بتكوينه لهيكل الجماعة الاجتماعي بفئاته وطبقاته المختلفة، وتراتبيته الملائمة، وعلاقات السلطة المُتسقة وعلاقات الإنتاج، والناتجة عنها بذات الوقت.

فمجتمعاً مشاعياً بدائياً، تلاءمه بالضرورة عشيرة أمومية، لا مكان فيها للأسرة المًنظمة وعلاقات النسب، والملكية الخاصة والإرث والطبقات، وتتشكل هويته الجوهرية على أساس شكل العشيرة بروابطها الدموية.

أما المجتمع العبودي الذي تلاه، فهيكله الاجتماعي الملائم كان في أغلب الأحوال قبيلة كبيرة وقوية، تسودها تراتبيات عائلية كاملة تقوم على أساس الملكية والسلطة المُستندة لقوة العصبة والسلاح، الأمر الذي تطور أحياناً لدولة – مدينة فيما بعد (اليونان كنموذج)، لم تكن طبعاً بشكل وحجم الدولة الحديثة، إذ لم تكن سوى قبيلة كبيرة قديمة، وأخذت شكلاً مدنياً بقالب قبلي، يقوم عماد حياته على العبيد، الذين نجد منابعهم في الديون لمواطني الداخل، والحروب لأسرى الأعداء.

وعندما إنهارت الدول – المدينية هذه، نشأ النظام نصف العبودي، الشهير بالإقطاعي، وتحول السيد القديم لإقطاعي، والعبيد القدامي لأقنان وعبيد أرض، بما يتلائم والمتطلبات الجديدة للهيكل الاقتصادي، بعدما إنهار النظام السابق بفقدانه أسباب قوته، وتأخر علاقاته الإنتاجية عن ملاحقة التطور المطرد لقوى الإنتاج.

وهكذا أصبحت الإقطاعية هى الوحدة الاجتماعية التي تنتظم فيها المجتمعات الجديدة، والتي تكونت على أساسها الملكيات الجديدة، في أوربا خصوصاً، والتابعة للسلطات الدينية بحكم طبيعة وأساس الإقطاعية ذاتها، فقد كان الدين أساساً إيديولوجيا جوهرياً للنظام الإقطاعي، بل وللنظم الخراجية بعامة كما يرى الدكتور سمير أمين، فسادت الهويات الدينية، وهو الأمر ذاته في الإمبراطورية الإسلامية، التي سادتها – بظروف مختلفة قليلاً - الهوية الدينية مع وجود الإقطاع العسكري وسيادته أرجاء العالم الإسلامي.

وما يثبت تطابق الشكل الديني للهوية ومرحلة الإقطاع، هو إصطباغ أغلب حروب العصور الوسطى بالصبغة الدينية، مهما تنوعت أسبابها ما بين صراعات السلطة والثروة، فجميع الحروب هى حروب في خدمة الرب؛ تطهيراً للأرض من الكافرين، وهو الأمر الذي كان أكثر تطرفاً لدى أوربا المسيحية المحكومة بسلطات بابوية مباشرة، مقارنةً بالعالم الإسلامي المُنضبط بسلطات أخرى أكثر مدنية.

وإذ لم تتوقف عجلة الزمن عن الدوران، فقد إستمرت القوى الإنتاجية في التطور؛ مُحدثةً المزيد والمزيد من دفع آلية التقدم الآزلية للأمام، آلا وهى التخصص وتقسيم العمل، فإنفصلت الحرف عن الزراعة، وظهرت بالتالي التجارة، ومعها طبقة التجار والمرابون، الذين كونوا معاً مجتمعاتً جديدة خارج الإقطاعات الزراعية، أخذت شكل المدن، التي قامت على تجمعات التجار وطوائف الحرفيين، بما يناسب نشاطاتهم أكثر، والتي جذبت بما وفرته من ترف السادة الإقطاعيين، الذين مثلوا جمهورها الإستهلاكي؛ لتزدهر مدن العصور الوسطى التجارية؛ مكونةً شكلاً جديداً – قديماً من الهويات، هو الوطنيات المدينية، التي تطورت فيما بعد بالإندماج فيما بينها إلى الدول القومية، مع نشوء الرأسمالية وحاجتها لأسواق واسعة تلاءم صناعاتها الكبيرة؛ لتنشأ عنها الأمم الكبيرة في العصر الحديث؛ مًكونةً الشكل الحديث للهويات في العالم، والذي وجد أسساً وجذوراً في التاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة، كعوامل مساعدة حيناً وكابحة حيناً آخر، عبر تفاعلها مع ضرورات ومتطلبات التطور الاقتصادي.

وها هى العولمة تأتى أخيراً، بإزدواجيتها الاقتصادية، طارحة شكلاً كوزموبوليتانياً للإقتصاد والهوية المرافقة له بالضرورة، وشكلاً محلياً لـ (مطاريد) إقتصادها العالمي، بهوية مرادفة له أيضاً تحارب هذه الكوزموبوليتانية بالضرورة.

فاقتصاداً مزدوجاً لدى أي دولة، يعني بالضرورة هويات مزدوجة، مختلفة، ومتناقضة، تتحدد وفقاً لموقع كل فرد أو جماعة فرعية منه، فتلك الجماعات المستفيدة من الإندماج؛ ستصبح حتماً أممية الهوى، ترى القومية رداءاً بالياً، وإن احتفظت بإحترامها شكلياً؛ مراعاةً للأغلبية المتمسكة بهويتها التي تحميها من ذاك الإندماج، الذي يدمرها بحكم إرتباطها وإرتباط عيشها بالبنية الداخلية، أو بالقطاع الداخلي الذي سيتضرر إقتصادياً من الإندماج العولمي، حيث يبقى بعيداً عن مزاياه، مُعرضاً فقط لنكباته.

وهكذا تصبح الهوية موضوعاً وشكلاً للصراع داخلياً وخارجياً، بحكم كونها شكلاً و/أو أساساً لوجود جماعة أو جماعات ذات مصالح معينة، وهو الأمر الذي يلقي مزيداً من الضوء على معضلة الهوية والصراع، وما تخلقه من أزمة هوية نعيشها اليوم.


أهمية وماهية الهوية :

منذ أقل من عشرين عاماً كانت مذابح البوسنة والهرسك - وقبلها الحرب الأهلية اللبنانية، وقبل الجميع تراثاً إنسانياً دموياً من القتل على الهوية - وهو الأمر الذي كان غريباً على أرض عاش فيها الناس متماسكين ومتحابين بدياناتهم المختلفة، ردحاً طويلاً من الزمن، ثم فجأة، إنقلب العالم، وإنعكست المفاهيم، وتبدلت القيم، فرفاق الماضي وأخوة الوطن، أصبحوة أعداءاً، وبدون إنذار تبدل الصديق على صديقه، والجار على جاره، وبدلاً من شعب واحد، أصبحوا شعوباً، ومن هوية واحدة إلى ليس فقط اثنتان أوأكثر، بل أيضاً متحاربة ومتنابذة، فدارت المذابح، وإنقسمت البلاد، وتشتت العباد، ما بين صربي وبوسني، ومسيحي ومسلم،...إلخ المأساة المعروفة.

تُرى ما الذي فجر هذه الحرب الهوياتية فجأة، هل إستيقظ الصرب يوماً ليتذكروا على حين غرة، ويكتشفوا فجأة أنهم مخدعون، فالبوسنيين مسلمين مخالفين لهم في الدين، ويمثلون خطراً عليهم، بما دفعهم لإرتكاب تلك المذابح البشعة، متنكرين لماضيهم المشترك، فهل تملك الهوية في ذاتها مثل هذه القوة؟ وهل تحكمها تلك الحركة غير المنضبطة؟ وإذا كان لها مثل هذه القوة، فما الذي يفسر إنفجارها المفاجئ في ذلك التوقيت تحديداً؟

الحق ما قاله ماكس فيبر، فـ "الرجوع – بتفسير ما – إلى هوية ما، يشكل بصورة عامة إعترافاً محضاً بالجهل"، فتصور أن هوية ما هى سبب صراعاً ما، او أنها كم ثابت ذي خصائص ثابتة تاريخياً هو قصور معرفي أخرق، ليس فيه زنة خردلة من الصحة، وكما قال كلود ليفي شتراوس "وصف الهوية القومية يعطى صورة عن من يقدم الوصف أكثر مما يعطى عن هذه الهوية".

إذا ليس لهوية ما، كانت ما كانت، وأياً ما كان دورها، ومدى قوتها وسيادتها، قوة ذاتية تمكنها من تحريك جمعاً بشرياً هائلاً – ولا يعنينا هنا الأفراد وكتلهم الصغيرة – نحو عمل مشترك، قد تملك بعضاً من التأثير نعم، ولكنها في النهاية لا تعمل وحدها، رغم تجذرها في غرائز الانتماء الجماعي لدى البشر.

إذن لابد من محرك دائماً وأبداً، فاعل يستطيع التأثير في قطعان الجماهير، بإمتلاك عقلها الجمعي، عبر توظيف غرائزها المختلفة لقيادتها وتوجيهها وفقاً لأغراضه المختلفة، هذه الغرائز التي تشمل ضمن ما تشمل، تلك الهوية التي تقوم على ثنائية "نحن" و"هم"، والتي تتضمن في حناياها ثنائيات الخير الذي نمثله "نحن" المُهددين من الشر الذي يمثله "هم"، الفضيلة مقابل الرذيلة، الحق مقابل الباطل، الإيمان مقابل الكفر، والحضارة مقابل البربرية، وهكذا دواليك.

فـ "الهوية لا يمكن أن توجد بمفردها، ومن دون ثلة من النقائض والنوافي والأضداد، فالإغريقيون يقتضون البرابرة، والأوربيون يقتضون الأفارقة والشرقيين ....إلخ، والعكس صحيح" كما قال إدوارد سعيد، كما أننا "لا نعرف من نكون إلا عندما نعرف من ليس نحن، وذلك يتم غالباً عندما نعرف نحن ضد من" كما أكد صمويل هنتنجتون.

وهكذا باللعب على غرائز الجماهير؛ تصبح الهوية "الوقود الذي يستخدمه المهيجون لإشعال النيران في أي مجتمع، إنها ميكانيكية "نحن" و"هم"، التي بها لا نستطيع "نحن" أن نحيا إلا إذا قمنا بقتلـ "هم"، ولهذا فإن "هم" لابد أن يُجردوا من إنسانيتهم ليصبحوا أرقاماً وبيانات للقتلى" كما يؤكد أمين معلوف.

وبينما تتكشف لنا الهوية عن وهم كبير بثنائية ميتافيزيقة من الخير والشر والفضيلة والرذيلة تتجسد في الـ"نحن" و الـ"هم"، يؤكد لنا فرانسوا بايار أنه "لا توجد هويات طبيعية تفرض نفسها بقوة الأشياء، بل فقط إستراتيجيات تقوم على الهوية، يقودها بوعي فاعلون معينون"، ويدعمه المؤرخ الأمريكي هنرى بروكس آدامز بقوله "لقد كانت السياسة دائماً مجرد تنظيم متوالي للأحقاد"، أي الأحقاد ضد الآخرين، من حيث هم مغايرون للأنا الجماعية المُتوهمة، وحتى الأمم يراها بنديكت أندرسون مجرد "إختراعات سياسية"، و"مجتمعات مُتخيلة".

إذن فالهوية – أو على الأقل خطابها - مجرد بناء إيديولوجي، فما هى سوى مصطلح إيديولوجي أكثر منه علمي، فيمكن التعبير عنها وتجسيدها من خلال الدين أو اللغة أو الوطنية أو القومية، بما تمثله جميعها من خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفها، ما يمكن مجتمع واحد من تبديل هويته حسب المراحل التاريخية، ووفقاً للظروف الحاكمة، فليس لها ذلك الدور الجوهري المستقل المحرك للعالم، ودورها محكوم في الغالب، بالقدر الذي يستخدمها به محركوا الماريونيت من خلف الستار، فما هى سوى أداة إيديولوجية للهيمنة على الشعوب، وقيادتها للوجهة التي ترغبها الطبقات المهيمنة وسلطاتها مُدعية الحرية، والتي تعيد توظيف الهوية مرة بعد مرة، بل وتبديلها ذاتها شكلاً وراء شكل وموضوعاً وراء موضوع – بغض النظر عن الأسس السوسيو إقتصادية التي ناقشناها لأشكال الهوية – بما يخدم أغراضها المتغيرة.

ولا يصبح الصراع ذو الشكل الهوياتي سوى غلافاًَ خارجياً لصراعات إجتماعية وسياسية أعمق وأشمل، فهو "ليس صراعاً ميتافيزيقياً بين هويات مُغلقة خارج التاريخ، ذات طبائع وخصائص جوهرية، وإنما هو صراع تاريخي، بمعنى أنه صراع إجتماعي وسياسي، أي صراع حول السلطة والثروة، ولظروف بعينها أصبح هذا الصراع يُدار على أسس من إستراتيجيات الهوية"[2].

وهو ما يؤكده آخرون جزئياً بقولهم بـ "ضرورة التمييز بين الهوية وخطاب الهوية، فإذا كانت الأولى حقيقة رمزية على الأقل تعيشها المجتمعات والأفراد، فإن الخطاب المُنشئ عن الهوية هو خطاب إيديولوجي، ينصب تحت إستراتيجيات العمل السياسي وتحولاته"[3].

وأزيدكم من الشعر بيتاً، فأقول بأن الهوية ليست سوى أداة إيديولوجية، يتم توظيفها ضمن الصراع الطبقي في المجتمع، وليست صراعات الهوية – في أكثر مستوياتها وعياً، وليس على مستوى الجماهير المُساقة سوق السوائم – سوى صراعاً طبقياً في شكل خبيث وملتو ومُشوه.

فالطبقات السائدة تمتطى شكلاً أساسياً للهوية، يتسق ونظامها الاجتماعي السائد لتجمع كافة طوائف وطبقات المجتمع تحته، صارفةُ نظرها عن الهويات الطبقية المُفترضة بما تمثله من علاقات حقيقية وواقعية للمصالح، ومُوهمةً تلك الجماهير بهوية مشتركة، تجمعهما سوياً؛ لتصرف إنتباهها أولاً عن الفوارق الواقعية في المصالح، وليمكن من خلالها ثانياً دفع تلك الجماهير للقتال دفاعاً عن تلك الهوية - وطنيةً كانت أو قومية أو دينية - المشتركة المفترضة – والتي لا تأكل من وراءها سوى الهواء -، بخلق أعداء – حقيقيين أو موهومين – يحلون محل العدو الطبقي المُفترض في الوضع الطبيعي، وأظننا لاننسى المقولة الأمريكية الشهيرة بضرورة البحث عن عدو، كضرورة لوجود الولايات المتحدة، التي دافع عن مفهومها ذاك صمويل هنتنجتون الذي أوردنا مفهومه للهوية منذ قليل.

هذه الهوية ذاتها التي تستخدمها الطبقات المهيمنة كأداة للسيطرة، تستخدمها أحيانا فئات إجتماعية أخرى للدفاع عن وجودها – طبعاً في شكل آخر يناسب أهدافها وأوضاعها ويعارض الشكل الذي تتبناه الطبقة المهيمنة -، وذلك عندما يحدث انشقاقاً في البنية الاجتماعية للمجتمع عموماًَ، بحيث تضطر بعض الفئات الاجتماعية للإستناد لهويات أخرى باقية في المخزون الثقافي والتاريخي للمجتمع، بدفعها لمقدمة هيكل هوياتها وهويات المجتمع، لتوظيفها بالشكل الذي يحميها ويحمي مصالحها ضد الهوية السائدة، أو التي في طريقها للسيادة بدعم النظام الاجتماعي السائد وطبقاته المهيمنة.

هذه الازدواجية الهوياتية على مستوى المجتمع، تنعكس في إزدواجية في نظرة المجتمع لنفسه أولاً، ولماضيه وحاضره ومستقبله ثانياً، وأخيراً وليس آخراً، تحديده لموقعه من العالم والتاريخ، وبالتالي أيضاً تحديده لأعدائه وأصدقائه الإيديولوجيين...إلخ، وهو ما يعني ما نؤكده بأن صراعات الهوية ليست سوى صراعات طبقية على جميع مستوياتها المحلية والعالمية، تتشح فقط بوشاح من الهوية، التي تغطى مضموناً من المصالح الطبقية المتعارضة، والتي يمكن تحديدها وتعيينها إجتماعياً وتاريخياً.

وهذا ما يطرح تساؤلات حول دور هذه الهوية في صيرورة التقدم الاجتماعي، فهوية من المخزون التاريخي بدون أساس واقعي في النظام الاجتماعي السائد بتشكيلته الاقتصادية – الاجتماعية، تصبح أداة في يد الرجعية، إذا ما حاولت أخذ أكبر من حجمها ودورها المُحدد لها تاريخياً؛ ما يؤدي لتأخر المجتمع وتخلفه؛ نتيجة لعدم الاتساق الداخلي ما بين وعي المجتمع بذاته، والذي تنبني عليه الكثير من المسائل والسياسات، وواقعه الفعلي الذي يفترض سلوكاً بعينه حتى يتقدم ذاك المجتمع.

بالنهاية، ورغم كونها وهماً، تبقى الهوية قدراً إنسانياً، وأفيوناً بشرياً، لا يتخلى عنه البشر، فالإنسان كائن اجتماعي يعيش بالانتماء – وبالتالي الهوية – وعليه، فهو "ليس إنساناً إلا لأنه يعيش في مجتمع" كما قال دوركهايم.

وعليه لا يبقى لنا سوى الامل بتحقق ما يُفترض له أن يحدث، أي ان تلعب الهوية دورها في تقدم الإنسانية، لا في تأخيرها، فالهوية المُتسقة وواقع البشر الفعلي، هى وحدها التي تضمن لهم حياة أكثر أمناً وسلامةً وتقدماً، وبالتقدم البشري سيتحقق يوماً آمل البشرية في التوحد عالمياً، بعيداً عن النزعات العرقية والوطنية وغيرها، بعد أن تسقط الأسس الاقتصادية لتلك النزعات؛ بتحقق الهيكل الاقتصادي الذي يجعل الجماعة البشرية جماعة واحدة، بلا فوارق تدفعهم للنزاع على أي من الأسس التي كانت دائماً أشكالاً لنزاعاتهم من أعراق وأديان وقوميات..إلخ، حتى وإن بقت للأفراد هويات فكرية ينتمون لها كأفراد، يديرون حولها الجدل، بالحبر والكلمات، لا البارود والرصاصات، وإن كنا لا نأمل خيراً من نزعات البشر للعدوان، ومن غرائزهم لتوزيع ثنائيات الخير والشر الموهومة.


أزمة الهوية في العالم العربي :

بتسميتنا هذا العالم الذي يعاني الأزمة بالعالم "العربي"، فقد أعلنا من البداية إنحيازنا لشكل بعينه من الهوية.

بشكل عام تتنازع دولنا الناطقة بالعربية ثلاثة أشكال من الهوية :

1. هوية دينية تدمجه بأكثر من ثلاثين دولة أخرى – بدون أي أسس مادية واقعية لذاك الإندماج -، وترى في الدين الإسلامي أساس وجوده، متناسيةً أن طبيعة المرحلة التاريخية تختلف تماماً من حيث الملائمة لوجود كيان قائم على هوية دينية، بينما تختلف مجتمعاته إختلافات جذرية في هياكلها الاجتماعية وخلفياتها التاريخية، وأخيراً وليس آخراً لغات تواصلها الحية.

2. هوية قومية، تقوم على أساس ثقافي لغوي، ترى في وحدة اللغة والثقافة – مهما كانت فروقاتها الهامشية - وحتى مستويات التطور المختلفة جزئياً – والتي ليست مختلفة بتلك الدرجة التي يتصورها البعض -، كذا وحدة المصير والوضع التاريخي الاجتماعي لهذه الدول المُتحدة في اللغة، إمكاناً قوياً للغاية لتكوين أمة واحدة – يراها البعض موجودة فعلياً على المستوى الثقافي – بدولة واحدة، تستطيع مجابهة تحدياتها التاريخية، والبقاء في هذا العالم الشرس الذي لا يرحم الصغار الضعفاء، ما يجعل وحدتها القومية – وبالتالي وحدة وإستقلال سوقها- ضرورة تفرضها عليها ظروف التطور الموازي لتطورات العالم الاقتصادية، وبحيث تصبح الهوية القومية العربية المكون الفوقي الملائم للبنية الاقتصادية المُفترضة للدولة الواحدة المأمولة.

3. هويات وطنية بائدة ومصطنعة، وهى هويات تدعمها أولاً البيروقراطيات والملكيات الحاكمة وطبقاتها المهيمنة، التي ترى في إستمرار حالة الإقليمية الوطنية الراهنة مصالحها وبقاءها، كذا الأقليات المرتبطة تاريخياً بإنتماءٍ ما لهذه الهويات البائدة، والتي تخشى ضعف وجودها في ظل هوية قومية أوسع أو هوية دينية مخالفة ومعادية حسب منظورها، وتُضاف مجموعة أخرى من الهويات المُصطنعة حديثاً بفعل الاستعمار، في شكل دول قزمية أسرية، ترى بقاءها في إرتباطها بالمستعمر، أياً كان لونه، وقديماً كان أو حديث.

ويمثل تصارع هذه الهويات الصراع الطبقي في العالم العربي، ما بين طبقات حاكمة وملكيات وبيروقراطيات تدعم هويات بائدة ومُصطنعة للبقاء، وطبقات شعبية يائسة تسير خلف شرائح من الطبقة الوسطى التي ترى في الهوية الدينية حلاً يحمى وجودها، في مواجهة العالم الخارجي من ناحية، وفي مواجهة المشاريع التي تهدد مصالحها في الداخل من ناحية أخرى، وأخيراً برجوازية صغيرة وبروليتاريا تعى موقعها من النظام الإستغلالي العالمي من ناحية، وموقعها تاريخياً من ناحية أخرى، فتدفع بدعوى القومية العربية باعتبارها الهوية التاريخية المُطابقة للوضع التاريخي الذي نعيشه، والنظام الاجتماعي الذي يُفترض السعى نحوه في هذه المرحلة، رأسمالياً وطنياً كان أم اشتراكياً.

وهو صراع لا نعلم من الرابح فيه حتى حينه، فبقاء الأنظمة الداعمة للهويات البائدة والمُصطنعة مرهون بالدعم الخارجي الذي لن يبقى أبداً، كما أن أصحاب المشروع الأصولي والسلفي لا يُتوقع لهم النجاح على المدى الطويل؛ لمخالفتهم ومعارضتهم الضرورات التاريخية، ولعدم توفر الآليات والظروف التي تمكنهم من تفعيل هويتهم التي تجاوزها الزمن إجتماعياً، بينما لا يوحى الوضع الراهن لدعاة المشروع القومي بإمكانية النجاح، رغم أن التاريخ في صفهم.

يبقى فقط مُؤكداً، أن مستقبل هذا العالم الناطق بالعربية مرهون بالرابح في هذا الصراع، حيث سيتحدد حينها ما إذا كان مُقدراً لهذا العالم الناطق بالعربية أن يسير وفقاً لمتقضيات التاريخ فيبقى، أو يعارضها فيفنى.


خاتمة :

يبقى السؤال في النهاية، وهو كيف ومتى تصبح الهوية أداة بناء لا أداة هدم، أداة تقدم لا أداة تراجع، أداة تعاون وتعاضد لا أداة تنابذ وتباغض؟

وهو سؤال ليست إجابته عندنا أو عند أي أحد، بل هى فقط لدى التطور البشري، الذي سيحسم ما إذا كانت صراعات الإنسان ستتطور لتصبح أكثر رقياً، أم سيظل الإنسان على بدائيته الوحشية، يقتل أخيه الإنسان، مادياً، بعد أن يقتله معنوياً، في سبيل آلهته الأرضية؟


---------------------------------------------------------------------
[1] الثقافة..التفسير الأنثروبولوجي – آدم كوبر – مارس 2008 – سلسلة عالم المعرفة.

[2] هشام عمر النور – التفكير نقدياً في نزاع الهويات..فرنسيس دينق نموذجاً – الحوار المتمدن – العدد 464 – 21/4/2003م.

[3] رضوان زيادة – أزمة الهوية بين السياسات القومية وتحول دور الدول – الملقتى الفكر للإبداع (موقع ويب).







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز