الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الدولة بلا د ين .. فكيف يكون الإسلام دينها !!

وإن اختلفنا في تعريف الدولة وتجادلنا في ما هيتها ومجال عملها ، فإننا قد لا نختلف في كونها تعاقدٌ بين المجتمع في إيجاد وكيل ممثل لها ينوبها في تسيير أمورها ، وهو ترجمان لحالها وطموحها ، أو هي تعاقد بين المجتمع وهيئات الدولة في بلوغ المرامي المتوخاة التي قد يتفق المجتمع حولها ، ويرسم لها سبيلا لبلوغها ، وما نشهده اليوم على الساحة السياسية في الوطن العربي في اليمن وليبيا وسوريا ..وفي كل بقاع ما يعرف بالعالم العربي يشير إلى خلل في فهم كينونة الدولة التي يُعد المجتمع مُنشيءٌ لها من أجل تسيير أموره و لفائدته وليس لفائدة طغم نافذة فيه ، أو متحكمة مسيطرة على مواقع التنفيذ فيه ، وهو ما يجرني جرا إلى القول بأن أساس انبناء الدول هي المجتمعات ، فبدون المجتمع لا يمكن أن تكون هناك دولة ، فما بال هؤلاء الحكام في أوطاننا يستأثرون بالدولة ومقدراتها لخنق الشعوب التي أوجدتهم ووضعتهم على رأسها ؟ .
**الدولة بلا دين ولا إديولوجية ولا مذهبية .
يجب التفريق بين هيكل الدولة وهيئاتها، فالدولة هي هيكل بلا روح ، هي بنايات وقصور للحاكم ، هي هيكل للبرلمان بغرفتيه ، هي مبان وزارية في حي راق من العاصمة ، هي تنظيم إداري ، هي جيش يؤتمر ينفذ ، مع وجود رموز قيمية لهذه الدولة ، غير أن كل ما ذُكر سيُصبح عديم الجدوى في غياب الهيئات التي تشغلها ، بدأ من الرئيس أو الملك ، ومجموع الوزراء وموظفي الدولة الذين يشغلون المناصب المهيأة للدولة ، فهياكل الدولة ثابتةٌ ، المتغير فيها هي الهيئات .... فقد تزول الأنظمة ( الهيئات ) المعروفة بالسلط التشريعية والتنفيذية والقضائية وتبقى الدولة ، فلهذا يقال شعارا سنبني دولة لا تزول بزوال الرجال .
وتوضيحا أكثر ، فالدولة هي شبيهة بهيكل خلية النحل بتنظيمها المحكم ، أو هي بارجة بحرية ، أو طائرة محلقة ، أو سفينة شراعية ، أو جهاز تلفزيون ، أو حافلة متنقلة ، أو سيارة ، فالبارجة، والحافلة ، والطائرة ، والخلية وجهاز التلفاز هي أدوات ابتدعها الإنسان لتحسين حاله وأحواله ، وهي في خدمته ، وهي بدون عقيدة ولا مذهب ولا توجه سياسي ، فهي بلا طعم ولا لون اديولوجي ، كل ما في الأمر أن مستعملي تلك الوسائل هم الذين سيصبغون عليها لونا وفكرا وإديولوجية ومذهبا دينيا ، فالدولة دولة سواء كان ذلك في الصين عند البوذيين أو عند الهندوس الهنود أو البلوش المسلمين ، وهي نفسها وإن اختلفت في شيء من تنظيمها عند المسلمين في تركيا أوالسعودية والجزائر غير أن هيئاتها الحاكمة هم الذين يميزونها ويحددون لها أدلجة وتوجها دينيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، فجهازالتلفاز هيكل بلا روح ، فمحطات الإرسال وقنوات التلفاز هي التي تحدد محتوى المعرفة الذي يُرغب إيصاله إلى المشاهد المتلقي ، فلولا حيادية الجهاز لحجب الكثير من البرامج التي لا تروقه ولا تساير منهجه الحياتي والديني ..... ولولا حياديته لما وجد السلفيون ضالتهم في نشدان المزيد من الأتباع مستغلين في ذلك تكنولوجيا ( الكفار) عبر ترسانة من القنوات السلفية من ( الناس إلى الرحمة إلى العفاسي .....) .
** هل للدولة دين ؟
تقديري أنه لا يمكن أن تكون للطائرة ديانة ، ولا للسفينة ولا للقطار ديانة والتي بإمكانها أن تكون مرجعا أو خلفية لها ، وبنفس القياس يمكن القول بأن الدولة في طبيعتها محايدة في أمور الدين ، فلا يعقل أن تكون دولة منعزلة خاصة بالمسلمين فقط دون غيرهم ، كما أنه لا يمكن أن تكون دولة مسيحية بالمطلق دون وجود عقائد منافسة لها ولو داخل حيز الدولة ، كل ما في الأمر أن هناك أغلبية قد تكون مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو ملحدة أو بو ذية أو هندوسية ، وفي كل الحالات يجب الحرص على حقوق الأقليات سواء أكانت عرقية أو ثقافية أو دينية أو مذهبية ، فلا يعقل أن نخصص طائرة لركوب المسلمين فقط دون غيرهم من بني البشر ! أو أننا نعزل السود عن البيض عند ركوب الحافلة ، أو مراقبة هوية ركاب القطار بحثا عن عقيدتهم الدينية .. ومن هنا يمكن القول بأن الدولة للجميع لا يمكن الإستحواذ عليها أو على مقدراتها لفائدة قوم دون آخر ولا لون دون الألوان المتواجدة بحيزها الجغرافي ، فالقول بأن الإسلام دين الدولة تعبير لا يستقيم وواقع الحال لأمرين أثنين هما : أن الدولة كهيكل مثلها مثل السيارة لا دين لها ولا عقل ولا توجه ، فالسائق ( القائد) هو الذي يوجهها الوجهة المطلوبة مثله مثل (ربابنة) السفن (وقادة) الطائرات .. الخ . وثانيها في أن القول بأن الإسلام دين الدولة هو إنكار للتنوع العقدي بين الناس ، ومحاولة لتغييب الآخرين المخالفين في الملة .
** التنوع سمة بشرية وهبة ربانية .
لا يمكن أن نكون جميعا مسلمين مؤمنين بنفس الدرجة ، كما لا يمكن أن نكون جميعا بمذهب ديني واحد ، فالاختلاف ظاهرة طبيعية بيولوجيا ولسانيا وعقديا وجغرافيا وثقافيا .... غير أن البعض يعترف بالتنوع نظريا وينكره فعليا تطبيقيا ، بصبغ الدولة بصباغ ديني أو إديولوجي قسري لا يعبر عن إرادة الجميع التواق للاختلاف ، لهذا كثيرا ما ترتفع أصوات ناقمة على الدولة الشمولية المستلهم من فكرر المدرسة اليعقوبية الفرنسية ذات التوجه الواحد من أجل تحقيق التوحد القسري المصطنع ، فكيف يعقل أن نقول بأن الإسلام دين الدولة المصرية أو السورية ؟ أين حقوق المسيحيين وغيرهم.... ؟ وبنفس الحدة لا يمكن تلوين الجميع بصباغ العروبة كالقول ( مصر العربية ) لأن هذا اللون فيه تطفيف في الكيل ، وفيه شنآن ، وفيه شوفينية وانكار الآخر ، وفيه بعث للفتنة والمعاملة بالمثل .
** الدولة المدنية هي الحل .... والعَلمانية ليست ضد الدين .
الدولة المدنية هي الأقدر على معاملة الجميع على قدر المساواة دون محاباة ، ففي ظلها تختفي النعرات العنصرية ، والإختلافات الدينية ، والنعرات المذهبية ... فالجميع يتساوى أمام القانون أمام دولة مدنية بلا لون اديولوجي ولا ديني .... وبالرغم من بعض المسلمين المتشددين الذين يرون في الدولة المدنية ( كفرا) لعوز فكري أصابهم ، إلا أن بعض المتنورين أدركوا بأن سبيل الإقناع والدعوة بالتي هي أحسن هي السبيل الأنجع لإقناع البشر ، ويعجبني صهيب بن الشيخ مفتي مرسيليا سابقا قوله : لولا العلمانية لما بقي للإسلام وجود في ديار الغرب ، ولما قدرنا على مجاراة الفرنسيين واقناعهم بقانونهم بتأسيس دور العبادة في عمقها الثقافي والديني ؟
** دول العرب شمولية تتبنى الإسلام شكلا لا مضمونا .
المطلع على الشأن السياسي العربي يدرك البون الشاسع الموجود بينها وبين الديموقراطية ، ويدرك عمق الهوة الموجودة بين التنظير والتطبيق ، ويكتشف بعدها أن ليس كل ما قيل قد قيل ، فقد مارست الأنظمة الأباطيلا ، فالإسلام فيها مغيبٌ ، والليبرالية بديموقراطيتها شعارات بلا معنى ، والعدو الإسرائيلي عدو مفترض تأتي منه عائدات وريوع ، فهي دول أقيمت لصالح طغم فاسدة مارقة رهنت البلاد والعباد لخدمة قضايا أقلية دون الأغلبية ...ومرت حقب زمنية بلا جدوى ... وكان لزاما على المجتمعات أن تتحرك وتُشعر الأنظمة وتهز كيانها لتشعرها بكل السبل المتاحة بأنها السر في الأنظمة والحكومات ، فلا يمكن أن تنفلت السيادة دائما من المجتمع لصالح الأنظمة ... فقد حان للشعوب أن تسترد شرعيتها وسيادتها وتشعر الحكام بأنها هي السيد وليس الحكام ! ولعل في نجاح المد الثوري في اليمن وليبيا وسوريا كفيل بإعادة الشرعية لأصحابها الطبيعيين .
خلاصة القول أن الدولة يجب أن تكون بعيدة عن تبني أو افتعال الصراع الطبقي والإثني واللساني والديني ، فهي مطالبة بأن تكون راعية للجميع باختلافاتهم وتنوعهم ، وفي رعاية ومسايرة هذا التنوع تبرز قدرة الحكام في الحفاظ على التوازن دون إفراط ولا تفريط ، وكل انحياز لها يعد انفصاما للروابط ، وإفسادا للعلائق ، و فسخا للعقد الاجتماعي القائم بينها وبين المجتمع، وكل عجز لها سيؤدي إلى بلقنة البلاد وتشتيت العباد .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز