الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
سيكولوجية القيم

تمثل القيم ما نؤثره ونفضله ونختاره من موضوعات تتجه اليها رغباتنا وتمليها علينا حاجاتنا، والقيم لذلك من المحددات الهامة للسلوك لانها اشمل من كل رغبة وحاجة واتجاه ودافع وهي جزء من نسق الدوافع ولكنها هي نفسها ليست دوافع وليست هي معايير للسلوك لانها عامة ولا ترتبط بمواقف. والقيمة يمكن ان تكون مصدرا للكثير من المعايير، فمثلا عندما وصل نبينا محمد الى يثرب في العام الاول للهجرة، امر الانصار الذين عندهم اكثر من ثوب ان يعطوا الى المهاجر الذي ليس لهم ثوب، فبهذه البادرة يكون الرسول عليه السلام قد غرس بذرة الاشتراكية الاولى في الاسلام، اي انه قد وضع الصرح المبين للقيمة السامية عن طريق ترسيخه لمفهوم المساواة بين البشر

 

ومن نسق القيم يتكون مفهوم الذات وتقدير الشخص لنفسه واحترامه لها وما يجعل نسق القيم يستمر عند الشخص هو مفهومه عن ذاته. وبقدر ما تعكس صورة الشخص عن نفسه تكون ردود فعله العاطفية. ومفهوم القيمة من المفاهيم الكبرى سواء في علم الفلسفة او في الاجتماع او في العلوم السياسية والاقتصادية. والتعبير عن القيم هو المصدر الرئيسي لتحقيق الذات.

 

وتؤثر القيم في الادراك، فما نضفي عليه قيمة اكثر من غيره هو ما ندركه ونتعرف عليه بسهولة وما نسعى اليه ويهدي به سلوكنا. ويتعلم الطفل منذ لحظة الولادة  ان يطعم من ثدي امه،  ان لفمه قيمة نفعية وقيمة لذة. وخلال عملية النمو ينتقل الطفل من انماط السلوك المفروضة عليه الى نوع من ضبط النفس تتحكم فيه قيمه الشخصية. وتشكل الاسرة والجماعات المرجعية الوحيدة لقيم الطفل. وحتى عندما يتمرد المراهق على قيم الوالدين فان المشاهد ان كل الاولاد ينتهون الى ان تكون لهم قيم الابوين.

 

وقد يبدو ان تنكر المراهقين لقيم الابوين هو لاثبات استقلاليتهم، غير ان ما يحدث ان هذا التنكر يؤكد هذه القيم ولا يلغيها، الاّ انه يصنع بالمراهقين كما لو ان ما اخذوا به انفسهم من قيم هو من ابداعهم هم انفسهم وليس نقلا او تقليدا للوالدين.

ويختلف عالم اليوم عن عالم الامس الذي كان ينبض بالقيم والمثل والامثال والحكم، ويضطرب تمثل الاولاد للقيم نتيجة المفارقة بين التربية ومقتضيات العصر. ورغم ان اطفالنا يتمثلون القيم التي تهيؤها لهم الثقافة الاّ انهم يصيبهم الاضطراب والدهشة نتيجة اكتشافهم الفارق بين ما تذهب اليه القيم السماوية والممارسات السلوكية في مجتمعهم.

 

وهناك اختلاف بين الذكور والاناث فيما يتعلق بتمثل القيم والالتزام بها. وينحو البنات في المراهقة الى عدم الاذعان لقيم الوالدين ولكنهن ينتهين بقبولها والتعين بها. ويظهر الاولاد عنفا اكبر تجاه القيم العائلية والاجتماعية. وقيل ان مرحلة التمرد على القيم عند البنات هي التي تقع بين سن الثانية عشرة والرابعة عشرة وتسمى بالطور السلبي، ويتوجه معظم الرفض للأم خاصة.

 

 والأولى بالاثابة ان تؤخذ القيم الايجابية على محمل الجد بينما القيم السلبية تعرض الفرد  الى العقاب. ومن القيم الايجابية التي يتمثلها المراهقون الصدق والامانة وادب السلوك والتعاطف والتعاون والصداقة. ويلام الاولاد على خيانة الامانة او التنكر للصداقة او الاهمال. وفي عصرنا الراهن تسود القيم المادية الا انه في المراهقة والفتوة قد يكون الاتجاه رغم ذلك يميل الى القيم الدينية بخاصة، وهو ما يظهر جليا لدى شبابنا هذه الايام كرد فعل لسيادة القيم المادية بعامة.

 

وتصنف القيم الى عقلية واجتماعية وبيولوجية،

فالقيم العقلية هي التي يكون بها اقبالنا على التحصيل العقلي ومن ثم نحقق به النجاح ونتجنب الفشل والاحباط. واما القيم الاجتماعية يعبر عنها اهتمام الفرد وميله الى غيره من الناس، والقيم البيولوجية هي ما يكون به التعبير عن الاهتمام باوجه الاعاشة والاعالة الاقتصادية بما فيها من منافع للفرد وتدخل هذه القيم وغيرها في كل السياقات التي يندرج تحتها الانسان. فهي جزء من نسقه ككائن حي ومن نسقه كشخصية. وتتاثر القيم على ذلك بكل خبراته وتتعرض للتأثير من قبل اية تغيرات تطرأ على بنية السكان او التكنولوجيا او الانتاج الاقتصادي او التنظيم السياسي، فاذا ثبتت واستقرت فانها تفعل فعلها مستقلة كموجّة للسلوك. 

 

وللقيم الخلقية تاثيرها في تشكيل الفرد وتنشئته وفي ضبط سلوكه ويكشف التحليل النفسي عن صراعات تقوم بالنفس بين القيم فهناك القيم الاجتماعية التي نتمثلها ونذعن لها ونعمل بايحائها، وهناك القيم الشخصية اي ما نفضله ونختاره ونهتم به او له. وقد نكبته، الاّ انه يظل يعمل داخلنا لا شعوريا ويهدف العلاج النفسي الى تقوية نسق القيم ودعم بعض القيم واضعاف غيرها.

 

والقيم تتلاحم مع بعضها وتتأثر ببعضها البعض بالتغيرات التي تطرا على الانسان والمجتمع. وتتميز المجتمعات المتغيرة بتصارع القيم، ومن النادر ان تسيطر قيمة واحدة ولمدة طويلة على سلوك الشخص، فمثل هذه القيمة تكون تفضيلا مطلقا والعكس هو الذي يحدث غالبا. فالقيم تعمل معا في شكل حزمة قيم او نسق قيم او نظام قيم، وهي مجموع القيم التي تسود مجتمعا بحيث تتسق بها استجابات افراده للمواقف المتشابهة. وقد يغلب على هذا النسق ان يكون دينيا كما في مجتمعاتنا الاسلامية او ماديا كما في اوربا وامريكا. ومن الممكن ان نستلخص هذا النسق من اقوال الناس وما يفضلونه

ويؤثرونه ويرغبون فيه ويحتاجون اليه. وما يدفع سلوكهم ويوجهه وما يثابون عليه ويعاقبون بفعله.      

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز