نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الكونترا العرب، أو..... ثوار أمريكا

كما نعلم، وتعلمون، كيف انهار حلف عرب أمريكا، أو ما عرف بمعسكر الاعتدال العربي، على نحو مريع ومزر، وهوى في قاع صفصفاً، بعد خروج مصر من البوابة الأمريكية لتعود من نافذتها العسكرية عن ظريق المجلس المصري العسكري الحالك الذي تخرج ضباطه جميعاً من المعاهد الحربية الأمريكية، ونهاية اعتماد ذلك الحلف رسمياً، بشكله المعروف، وذلك بعد أن قررت أمريكا، أن تتخلى عنه وترميه في سلال قمامات التاريخ، فابتدعت لهم الولايات المتحدة الأمريكية همروجة الربيع أو الثورات العربية.

 ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت على عاتقها قضية التدخل شخصياً، وعلى نحو مباشر، في قضايا وشؤون الإقليم، بعد أن كانت تديرها بالوكالة عن طريق من سمـّوا بعرب أمريكا، الذين أخفقوا على ما يبدو في تنفيذ الرؤية والأجندة الأمريكية لمستقبل المنطقة وفشلوا على الأرض في أن يكونوا القوة البديلة في حال غياب الأمريكي وانشغاله عن قضايا الإقليم. فلا هم استطاعوا بناء قوة ذاتية قادرة على إحداث توازن في الخلل الاستراتيجي الذي بات مائلاً على نحو صارخ لصالح إيران، ولا هم استطاعوا إطباق وإحكام السيطرة على بعض نظم الإقليم التي خرجت عن الطاعة والتحكم وباتت تشكل مصدر قلق ورعب لواشنطن وتل أبيب.

 وهنا لا يمكننا إلا أن نتساءل أين هو الربيع العربي في مجتمعات وعقول ما زالت تعيش التصحر والقحط واليباس والمحل والظمأ الفكري والثقافي والحضاري والإنساني وتحلم بالعودة لعصور الظلام والقهر والسيف والاستبداد؟ لا بل، يلاحظ بأن هناك انبعاثاً لهمجيات فكرية لم تكن موجودة في أحط وأردأ مراحل التاريخ سواداً وانحطاطا، وما نراه ونسمعه من ثوار أمريكا والناطقين باسمهم، وأبواقهم الأخرى ينبئ بما لا يدع مجالاً للشك بأننا أمام ردة حضارية وتصحر وتجمد فكري ورعوي بعيري وعودة إلى المربعات الأولى التي انطلقت منها هذه الأمم المنكوبة.

 من يخطط ويروج ويتبنى ويدعم هذه الثورات، اليوم، وعلناً، هي الولايات المتحدة، وهي التي تنسق، مباشرة وعلى الأرض، مع الثوار في كيفية الإطاحة والتخلص من بعض هذه الأنظمة التي تجاوزتها حركة التاريخ، فعلاً، وصارت، عملياً، خارج الزمان وخارج دائرة الحياة نفسها. لا يذكرك مشه الثوار الليبيين إلا بثوار الكونترا المتمردين في أمريكا اللاتينية. وبهذا الصدد، تقول مصادر مطلعة ووثيقة الصلة، بزيارة روبرت فورد إلى مدينة حماه التي تسيطر عليها اليوم فلول ظلامية على النمط الطالباني، ما حدا بعضهم لإطلاق اسم قندهار سوريا على هذه المدينة الوادعة الجميلة، أنه قام بتزويد تلك الفلول الظلامية بمعدات وأجهزة مراقبة وتصوير وبث مباشر للقنوات الفضائية، إياها، وتقديم شتى أنواع الدعم الأخرى والمساندة والتحريض والتأجيج والتهييج، لتحقيق أي إنجاز لثورات أمريكا العربية التي يبدو أنها تعثرت كثيراً في ليبيا وسوريا.

فحتى ثوراتهم، وبكل أسف وحسرة، باتوا يستوردونها، وكل الحمد والشكر لله، من بلاد العم سام كما يستوردون السيارات والمكيفات والخدم والرقيق الأبيض والآسيوي والفياغرا والعقال والغترة الإنجليزية الفاخرة المسماة شماغ البسام. وأمريكا هي من تقرر لناهم متى يثورون، وهي التي تقرر لهم من منهم فقد شرعيته، ومن منهم من لا زال يحتفظ بها، وتحت السيطرة والرضا، ومن منهم "قضى نحبه"، ومن منهم لا زال ينتظر كي تقرر له مصيره، وما بدلوا تبديلاً، ويا سبحان الله، الذي لا يحمد على ثورة سواه؟ ومن هنا قد لا يكون عجباً بأن نرى ذاك الشيخ النفطي الأمي الجاهل الحاكم بأمره وأمر الله معاً، وصاحب قطيع الإماء والجواري والمليارات المسفوحة على أفخاذ العاهرات والغلمان في ليالي لندن الملاح، قد بات وجهاً ثورياً وأيقونة مثله مثل غيفارا تماماً، وهو بالكاد يفرّق بين الألف وعمود الكهرباء، ويتفاوض مع أوباما على كيفية دعم ما يسمى بنكتة الثورات العربية وربيعها الثوري. لا بل إن صحف إبي جهل، وملحقاتها مع صبيانها المعروفين، وعلى كثرتهم، باتت تنافس كتاب رأس المال لكارل ماركس Das Capital، ومؤلفات لينين، وتروتسكي وأشعار بابلو نيرودا ولوركا، في عشق هؤلاء الثوري للشعوب وانتفاضاتهم الثورية، وتؤلب على الثورات والانتفاضات الشعبية، وتحرض عليها، وتعطيها من وقتها الثمين، فقط في البلدان، والمناطق التي تحددها لهم "ماما" أمريكا.

 رموز الثورات العربية اليوم هم أوباما، كلينتون، وفريق المحافظين الجدد من نمط إليوت إبرامزونيوت غينغريتش، وريتشارد بيرل، وويليام كريستول ول ولفويتز وجون بولتون ودوجلاس فايث ودانيال بايبس وغيرهم من صقور اليمين المتطرف، وعلى الضفة الشرقية من المحيط الأطلسي يقف الصهيوني الليكودي المتطرف برنارد هنري ليفي أو كما يعرف اختصاراً بـ BHL، كما بالنسبة إلى اليهودي الهنغاري المهاجر نيكولاي ساركوزي، وديفيد بروان وهدهده هايغ، وهؤلاء، مع أعراب وبيادق الصحراء وجحافل طويلة عريضة من عملاء وغلمان وصبيان وأدوات أمريكية معروفة للجميع وهي لا تخفي ولاءها وعبوديتها وتبعيتها للأمريكي، ينامون جميعاً في الحضن الأمريكي، وكل البيانات والمانيفستات الثورية تخرج اليوم من أمريكا، وليس من موسكو وهافانا وبكين "الحمراء"، ما يمكننا، ومن دون تحفظ، وخجل أو وجل، وبكثير من الثقة، أن نبشركم بولادة ثوار أمريكا، أو ما كانوا يعرفون به من اسم في أمريكا الجنوبية، بالكونترا ألــ Contras ، والتي كانت تستخدمهم أمريكا للقضاء على أو الإطاحة بالأنظمة الأمريكية اللاتينية التي لا تروق لواشنطن وتقف عقبة في طريق سياساتها الإجرامية الاستعمارية العمياء، وإحداث قلائل و"بليلات" واضطرابات تسمح لها بالتدخل في شؤون تلك النظم والبلدان. بعد عرب أمريكا ها نحن أمام ثوار أمريكا.

 والسؤال هل يمكن لعطاري الثورات الأمريكية الجدد ومن لف لفهم، أن يصلحوا ما أفسده عرب أمريكا بعد دهر من الخيبات والإحباط الفشل والهوان والخذلان؟ لننتظر ونرى ما تحمله لنا القادمات من الأيام.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز