د. باسم ماجد سليمان
bassems.sol@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 July 2011



Arab Times Blogs
ثقافتنا المجتمعية

عملت مجموعة من العوامل في تشكيل الثقافة المجتمعية الشرقية، التي كثيراً ما يتمّ التغنّي بطابعها الشرقي، وبما تختزنه من قيم وجدانية «دافئة» لدى مقارنتها مع نظيراتها، وقد وُصفت تلك المنظومة الثقافية المجتمعية على الدوام بكونها محافظة، والمحافظة هنا بمعنى الالتزام بالمنظومة القيمية المجتمعية الشرقية،

التي يُنسب أحياناً تردّي العلاقات المجتمعية في المجتمع، وإغراقها في المادية، إلى خروجها عن تلك المنظومة الثقافية الشرقية، وقد يوافق البعض هذا المفهوم، ولو أنّ التوافق معه بات أقلّ هذه الأيام.

إنّ للثقافة المجتمعية دوراً في تشكيل المنظومة السلوكية لتلك المجتمعات، وفي هذا السياق يمكن التوقف عند تأثير الثقافة الشرقية على سلوك الإنسان الشرقي، وعلاقته مع الآخر، ونظرته إلى البيئة المحيطة به، وكيفية تفاعله معها، وطبيعة استجابته للمواقف التي يواجهها وشكل ردّات فعله إزاءها، وهنا تبرز مكامن الاختلاف بين المجتمعات، وفقاً لمشاربهم الثقافية، فالإنسان الشرقي عموماً، وفي تلك المنطقة خصوصاً يتّسم بسمات تَسِمُ شرقيته وتندرج تحت مسميات عدة؛ منها «الحياء والخجل والقبول والتسليم والرضا والقناعة ...»، وبعضها يتظاهر سلوكياً بمظاهر سلبية لايبدو فيها تفاعل الإنسان مع مجتمعه تفاعلاً إيجابياً حُرّاً يرضي احتياجاته الفيزيولوجية، فيغدو «التمرد»، وهو نقيض «التسليم»، صفة غير حميدة مجتمعياً، مع أنّ صفة التمرّد «العقلاني» من الصفات الدالّة على التميز، وهي أحد سبل الابداع، فالإبداع بالمحصلة خروج عن المألوف وكسر لنسقية التفكير، كما تبدو «الجرأة»، وهي نقيض «الحياء» سِمَة غير محببة أحياناً، مع أنه قد لا تخلو الذاكرة من مشهد أثار الإعجاب، اتسم به شخص ما بالجرأة في عرض ما يعتمل في مخيلته بشفافية، أحجم عنها آخرون قسراً، مع تسليمهم بصوابية ما قام به، ورغبتهم في تقمّص دوره

 فالجرأة ميزة تتيح لمن يمتلكها اقتحام مساحات قد تبدو محرّمة على الآخرين بسبب الإرث الثقافي، واقتحام المساحات تلك يتيح لمقتحميها فرصة استكشاف مجاهيل يمكن أن تبقى عصيّة على المعرفة والإدراك، وهنا ثمّة تناقض بين سلوك مُتّبع وآخر مرغوب فيه، يعود إلى استحكام المنظومة المعتقدّية الذهنية بسلوك الإنسان، إلى درجة قد يغدو معها الإنسان ممتثلاً لمنظومة سلوكية يستبطن خلافها، ما قد يفضي إلى صراع داخلي لدى الإنسان بين إرادته، لتمثّل سلوكاً ما، وعدم إمكانية تحقيقه.  سلوك الفرد يأتي وفقاً لمعتقداته التي هي نتاج ثقافي مجتمعي تراكمي، والثقافة المجتمعية، في تلك المنطقة من العالم، استقت مصادرها من عوامل عدّة تاريخية وجغرافية وتراثية، وأهمها الدينية، حيث تمثل علاقة الإنسان بالخالق، ليس بجانبها القطعي؛ بل المتغيّر الذي خضع للاجتهاد؛ أهمّ مصادر تشكيل ثقافتنا الشرقية الإسلامية، فصورة تلك العلاقة بما لحق بها من اجتهادات وتأويلات تقبل الخطأ والصواب، وأنتج مساحات كبيرة من التسليم على حساب التحليل والتداعي الفكري للوصول إلى الخلاصات، وتكوين القناعات، ومع اعتبار المتغيّرات الظرفية، فإنّ العلاقة، في أساسها، أكثر رحابة وأوسع آفاقاً، بالمقارنة مع ما انتهت إليه، حيث باتت مشهداً تعجُّ عناصره بالنهي والعقاب والترهيب والإثابة المشروطة، وذهبت بعيداً عن مساحاتها الروحانية الرحبة التي تحفل بالقيم الوجدانية والأخلاقية التي يجب التركيز عليها، والتي تغري الإنسان بالولوج إلى عالم تلك العلاقة، رغبةً في خوض تجربة تمثل سبيلاً للارتقاء الروحي، وليس رهبةً من عقاب أو رغبة في ثواب.

 وفي السياق ذاته تأتي الإجابة عن سؤال العقل منذ بداية تكوينه لمنظومته المعتقدية عن شكل الله ومكانه وعلاقته بالإنسان، وفقاً للمخزون الثقافي لتذهب بالعقل إلى مساحات مظلمة مغرقة بالشروحات المادية الناهية عن الفعل السلبي والمفرطة في الترهيب من عواقبه، في حين أنه يجب التركيز على الفعل الإيجابي، وألا يكون الرقيب هو الآخر؛ بل هو ذات الإنسان، بما أنّ الروح في الانسان هي نفخٌ من روح الله، وطبيعتها من طبيعة الله؛ إذ يقول الله تعالى عن الجنين ،حين تدبّ في جسده الروح، « ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه». إنّ صورة العلاقة بين الله والإنسان هي أحد مصادر الثقافة المجتمعية التي لحقت بها اجتهادات وتأويلات أبعدتها عن غاياتها الأساسية، وقد كان لها أثر في صياغة شخصية الإنسان في تلك المنطقة، عبر تمثّل الإنسان لكثير من عناصر تلك العلاقة التي خرجت في بعض مناحيها عن سياقاتها وغاياتها الأساسية .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز