د. باسم ماجد سليمان
bassems.sol@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 July 2011



Arab Times Blogs
الحوار أم المناخ الملائم

الحوار هو السبيل الذي اهتدت إليه البشرية منذ فجر التاريخ من أجل الانتقال من واقع كانت فيه على شكل تجمعات بشرية فوضوية إلى مجتمعات منظمة يتحقق فيها مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، كما أن الحوار كان السبيل المعتمد على مر العصورإلى حل الخلافات في المجتمعات وفي ما بينها، وإذا كانت المجتمعات منذ فجر التاريخ قد اعتمدت الحوار كوسيلة للارتقاء بواقعها، فإنه من الحري بالمجتمعات الراهنة أن تتبنى الحوار منهجاً في جميع تفاصيل حركتها نحو المستقبل، ولم تعتمد بعض مجتمعات الألفية الثالثة النقاش والحوار آلية متبعة لخدمة حركتها التطورية المطّردة فحسب، بل عملت على تطوير التقنيات المتبعة في النقاشات الحوارية من أجل استخلاص أكبر قدر متاح من الطاقات الإبداعية البشرية وتوظيف مخرجاتها في خدمة الإنسان والحضارة .

لاشك في أن المجتمع السوري يعبر مرحلة تاريخية مفصلية وصلت معها وتيرة عمل النظام السياسي على الإعداد لمشروع تفعيل الحراك المجتمعي والسياسي درجة غير مسبوقة بلغت مدىً تجاوز المدى الذي كان يطرحه متطرفون في معارضتهم للواقع السياسي الذي كان قائماً لعقود خلت، وقد أثمر هذا الحراك الدعوة إلى لقاء تشاوري من أجل الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني الذي يزمع النظام السياسي عقده وفقاً لآليات وبرامج تعتمد التدرج والحرص وتتوخى الدقة في الإنجاز من أجل الوصول الى خلاصات صحيحة ينحسر فيها هامش الخطأ وتتسع معه رقعة المشاركة المجتمعية، وبهذا المعنى تصبح المشاركة، في التمهيد والإعداد لمؤتمر الحوار الوطني من قبل كل من تتوافر لديهم إمكانية المساهمة في عملية رسم ملامح المستقبل، مهمة وواجباً وطنياً مقدساً يصبح النكوص فيه وعدم الالتزام به بمثابة التخلي عن الوطن، إذ إن رفض بعضهم للحوار تحت أية ذريعة يكشف عن شخصيتهم الأنانية المتمحورة حول ذاتها واحتياجاتها ومتطلباتها متجاوزة ضرورات واحتياجات الآخرين

 ومن أسف أننا نرى أن رفض الحوار الوطني بذريعة ضرورة توفير المناخ الملائم قبل الشروع في الحوار يأتي من جهة بعض محترفي الفكر والثقافة ممن أطنبوا الآذان سابقاً بضرورة الدعوة الى الحوار الوطني كوسيلة وحيدة لتجاوز العقبات التي تعترض الانتقال إلى سورية المستقبل، ليتجاوزأصحاب تلك الذريعة حقيقة أن توفير المناخ المناسب للحوارلا يمكن أن يأتي أصلاَ إلا عبر الحوار والنقاش المستفيض بين جميع أطياف المجتمع وشرائحه الوطنية المعنية بسلامة الوطن وسلامة أبنائه، والغريب في الأمر أن الدعوة إلى الحوار التي كان من الطبيعي أن يبادر إليها من نراهم يتمنعون عن قبولها، في الوقت الذي يدعو فيه النظام السياسي إلى الحوار ودون شروط وبسقوف سياسية عالية لا يتمكن معها هؤلاء المتمنعون حتى من التعليق عليها أو انتقادها لذاتها، بل تراهم يلوذون بذرائع لا يوجد ثمة وسيلة لمقاربتها سوى الحوار ذاته

 ومن أسف مرة أخرى، يقدم هؤلاء المتمنعون المتطرفون نموذجاً ثقافياً ينبغي ألا يحتذيه المجتمع، وخاصة الجيل الناشئ، كمنهج ثقافي وأخلاقي في مقاربة الأزمات والمشكلات على المستويين الفردي والمجتمعي، وباعتبار أن الحوار والنقاش ينبغي أساساً أن يكون القاعدة والمنطلق لطرح كل المشكلات القائمة وخلق المناخ المناسب لحل جميع الخلافات ، فإن التمنع عن الحوار ورفضه يصبح على المستوى السلوكي والأخلاقي مساوياً بمفهومه للسلوك الإقصائي والإلغائي، ويتناسى هؤلاء أن من أهم سمات القبول المجتمعي للأفكار تحلي أصحابها بسماحة روح الحوار وآداب المتحاورين، والجدير بالذكر أن ثمة حالات سلبية غير فاعلة من المشاركة في الحوارتساوي في المحصلة التمنع عن الحوار، ومنها ما يمكن تسميته بالحوار العدمي والتعجيزي الذي لايرى فيه أحد أطراف الحوار سوى سلبيات وأخطاء الطرف الآخر ليصبح الحوار عدمياً غير ذي جدوى، وكذلك الحوار الإلغائي أوالإقصائي الذي لايرى فيه أحد أطراف الحوار رأياً صائباً غير رأيه مستنكراً جميع الآراء الأخرى، متجاوزاً حقيقة أن الحوار وسيلة لتعرف الإنسان إلى آراء جديدة قد تكون خافية عليه، ما يوسع دائرة إدراكه للظروف والمعطيات التي تحيط بالمشكلة موضوع الاختلاف وتعزز لديه القدرة والإمكانية على الوصول إلى نتائج أكثر إيجابية وأكثر صوابية من جراء النقاش المثمر والحوار البناء

 إن أصحاب الموقف المتطرف المتمنع عن الحوار أو من هم في حكمهم ممن يتبنون المشاركة السلبية، يذكروننا بمواقفهم تلك بالحوار السلطوي الذي كانت تتبناه السلطة في الحقبة التي خلت والذي يلغي فيه طرف الطرف الآخر ويعتبره أدنى منزلة وينبغي عليه الانصياع إلى أوامره الفوقية والاستجابة لإرادته ، وللمفارقة أن المتمنعين عن الحوار باتوا يتبنون بمواقفهم المنهج السلطوي السابق الذي كانوا من أشد المنتقدين له، وقد بنى هؤلاء نهجهم السياسي برمته على مواجهته .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز