أبوبكر الصديق سالم
aalsedik@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 October 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الربيع العاصف للثورة المصرية

قد يمل المرء من استعادة أحداث قد جرت يعرفها الجميع , ويعتبر تكرارها على المسامع والأذان حرثا فى البحر , ولكن من الضرورى أحيانا إستعادة ماجرى من احداث وربطها ببعضها لاستخلاص الحقائق المجردة التى أخفيت فى ثنايا مجهولة أو مبهمة أو شابها الغموض وقد إقحمت بفعل فاعل على هذه الأحداث لجرها إلى الهدف المخطط لنتائجها لصالح جهة معينة , وبدون التلميح إلى نظرية المؤامرة فى هذه الأحداث فإننا قد نتغافل ركنا أساسيا يجب أن يوضع فى الحسبان لمواقف وردود أفعال الكاسب والخاسر فى هذه الأحداث التى جرت بعد 25 يناير 2011                          

البداية : 11 فبراير 2011

الحدث : إعلان تخلى مبارك عن الرئاسة

البيان : بصوت نائب الرئيس عمر سليمان

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها المواطنون ... فى هذه الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد  قرر الرئيس محمد حسنى مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية  وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شؤون البلاد                                                                        

                                                                     والله الموفق والمستعان .                                                              

                                                                               

كانت فرحة عارمة هفت إليها نفوس الشعب المصرى الثائر مساء  يوم 11 فبراير 2011  لحظة إعلان تخلى الرئيس محمد حسنى مبارك عن منصب رئيس الجمهورية على لسان نائبه عمر سليمان  , لقد طغت الفرحة والابتهاج على مشاعر الملايين فى كل مكان على أرض مصر وخارجها فقد انزاح الكابوس الذى غطت كآبته سماء البلاد وأرضها لثلاث عقود متوالية , فامتلات النفوس تفاؤلا  وأملا فى غد أفضل  بلا وصاية من أحد على مقدراتها ومصيرها , وفى غمرة هذه اللحظة التى أخذت بالعقول إلى مرام الخلاص من حكم طاغ , سقط سهوا  من وعى الجماهير لبرهة من الزمن الجملة الثانية من بيان نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان ( بتكليف الرئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شؤون البلاد) .                                                           

وليس مستغربا أن من وضع كلمات هذا البيان قد راعى الإيهام النفسى للجملة الأولى من البيان وتأثيرها القوى على مشاعر الجماهير , وأعد هوة عميقة فى الجملة الثانية لا تلبث أن تتسع يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر حتى تميد الأرض من تحت أقدام هذه الجماهير فتسقط بلا وعى فى غور سحيق فلا تجد من ينقذها بشروطه  إلا من ألقاها فى هذه الهوة السحيقة.                                                                            

تقبل الشعب حكم العسكر المؤقت لمدة ستة أشهر على وعد اشترطه المجلس العسكرى على نفسه , حتى تستقيم الأمور وتعود إلى نصابها بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية ,  وإجراء الانتخابات البرلمانية ووضع دستور جديد للدولة , ثم انتخابات الرئاسة, وتم إجراء الإستفتاء الشعبى العام  على التعديلات الدستورية , ولأول مرة يجد الشعب فيها نفسه أمام أول تجربة ديمقراطية فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذى أجرى  دون تدخل من أجهزة الأمن وأعضاء مجلسى الشعب والشورى بالتزوير أو التزييف لإرادة الناخبين , ولكن برزت أياد أخرى تعبث فى عقول البسطاء واحتياجاتهم اليومية متمثلة فى الجماعات الدينية ورموزها لتوجيه دفة الاستفتاء شطر الموافقة على التعديلات الدستورية الذى جاءت نتيجته بموافقة الغالبية على هوى المجلس العسكرى للقوات المسلحة , فأصدر المجلس العسكرى بعد ذلك الإعلان الدستورى ليكتسب شرعية أقوى من تكليف رئيس الجمهورية له بإدارة البلاد , حيث أن الحديث سرى بين الفقهاء الدستوريين بأن تكليف الرئيس للمجلس العسكرى لإدارة البلاد يخالف ما جاء فى الدستور لنقل السلطة بعد وفاة الرئيس أو استقالته لأى سبب , ومن هنا تعلق المجلس بأهداب الشرعية الثورية مؤقتا  ليكون الإعلان الدستورى هو السند الشرعى للمجلس العسكرى فى إدارة البلاد , مما يعنى أن الإعلان الدستورى قد ألغى أمر التكليف السابق من الرئيس مبارك , وقد لا أجد فى توصيف الرئيس مبارك بصفات الرئيس السابق , أو الرئيس المخلوع ما يؤكد هذه المسميات التى تخلو من التأكيد عليها من الناحية الرسمية أو العملية فقد تجاوزت الأحداث كل ما يستبعد الشبهات فى أن النظام السابق مازال متعافيا ومهيمنا على مجريات كثير من الأمور فى إدارة شؤون الدولة متمثلة فى كثير من أعضاء وزارة الدكتور عصام شرف الموالين للنظام السابق , وكثير من قيادات وضباط وزارة الداخلية القابعين فى وظائفهم مع أنهم مطلوبين للعدالة فى جرائم قتل المتطاهرين  ,  وكذلك بعض القيادات الإعلامية والسلك الجامعى الذين نصبهم النظام السابق ,  علاوة على التباطؤ المتعمد فى تقديم رموز النظام السابق المتهمين فى جرائم فساد عديدة قبل الثورة وبعدها لإعطائهم فسحة من الوقت لتسوية أوضاعهم المالية والقانونية  بكل الوسائل التى أتيحت لهم لسرقة المستندات التى تدينهم  من مختلف الجهات الرسمية للدولة , وحدث تباطؤ أكبر من سابقه فى القبض عليهم وفى إجراءات التحقيقات والمحاكمات وفى أوضاعهم كمسجونين بما لا يتفق مع المساواة والعدالة  مع كل المواطنين فى المثول أما القضاء والعدالة كأنهم مخلوقات جاءت من كوكب آخر  لا يسرى عليهم قوانين الدولة .                                                                      

ولقد تعثرت محاكمة الرئيس مبارك فى مماحكات صحية وبيئية قلقا وخوفا على حياته حتى تأجلت إلى ما قبل ميعاد انتهاء ولايته السادسة ببضع أيام  فى سبتمبر القادم , وسوف يزعم محاميه حينها أنه لا يوجد سند قانونى ولا دستورى لمحاكمة رئيس الجمهورية الذى أفصح عن تخليه عن منصبه مؤقتا للمجلس العسكرى ولم يقدم استقالته  من منصبه , ويعزو ذلك إلى أن فترة الستة أشهر تعتبر بدل أجازة عن مدة خدمته السابقة ليستجم من عناء الحكم , وهذه المدة أقل من المدة القانونية لغياب الرئيس عن منصبه التى تعفيه من منصبه , وعليه فإن الرئيس سوف يتقدم لانتخابات الرئاسة القادمة . وإن لم يتم قبول دفاعه فإن له الحق فى رفع قضية دولية لإعادته إلى منصبة .                                                                                           

قد يظن البعض أن هذه الاحتمالات التى أسردها عن محاكمة مبارك ضربا من الخيال أو الهلوسة , فهل ما يحدث فى مصر بعد 25 يناير يمت إلى المنطق والعقل بصلة أم أنها سلسلة من المؤامرات المحبوكة التى تضع الثورة فى المربع الأول لها قبل 25 يناير , فها هو قد أتى يوم 8 يوليو وقد انتفض شعب مصر  يجمعه هدف واحد وشعار واحد يطالب بالقصاص والتطهير  تاركا وراء ظهره كل الخيارات التى سيق إليها لتلتف حول عنقه فى خلق  النزاع والفتنة  بين المطالبين بالدستور أولا, والمطالبين بالبرلمان أولا  .                                                                                       

لذلك فإنه يجب التنبه إلى ان عملية التطهير ضرورة ثورية لحماية الثورة من اعداءها فإن تراخت أو تأجلت تحت أى مسمى وأى ظرف فإن ذلك يهدر من رصيدها ويعرضها للخطر , فالثورة هى عملية هدم لنظام فاسد وبناء لنظام إصلاحى , ولا تتم بلورة الثورة إلى حقيقة واقعة وأمرا مسلما به إلا بالبناء بدماء ثورية  طاهرة لا يختلط معها دماء رجعية فاسدة من النظام البائد .                                                            

لذلك فإن الحسم هو من أهم مقومات الثورة ولا تعتمد الثورات على القبول بأنصاف الحلول حتى لا تتحول إلى موجات هوجاء تتقاذفها ريح الثورة المضادة  فتدمرها .  






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز