الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
القابلية للاستبداد

     الدستور الشكلي الجديد ليس بإمكانه أن يـرفع عن المغرب ما يعرفه من انحطاط اخلاقي و تهميش اقتصادي و تفاوت اجتماعي و فساد إداري و أمية مستشرية ، ليش بإمكانه و رجال البلد يدركون تماما أن الدولة ماضية في تخدير الشعب و تبنيج النخب و تدجين الفقهاء و تعليف الزوايا ، يدركون لأنهم صنعوا بالبلد الفساد و رعـوهُ على أياديهم الملطخة بالفساد ، يدركون لأن حجم التخلف الذي انتهى به المطاف أكبر من أن تعالجه أياد تحيا بنهب المال العام و اعتقال الشرفاء و تكميم أصوات حرة , فــيا من تصوت بنعم : هـل تدرك أنكَ طعم تمدد به أمـد الفساد ؟ هــل تحكمت فيكَ النية الساذجة و الوطنية المزعومة فنسيتَ أنكَ أمام جهاز مخابراتي وقح لا يبالي لا بصوتك و لا بغيرتك ؟ ألا تقف قليلا لتسأل : يا ترى كان الناس في الدساتير السابقة يرددون نفس الأماني و بنفس الأنغام التي يثيرها الإعلام الرسمي الخادع ، كانوا يتمنوا أن يكون دستور 96 منعطفا تاريخيا يقطع مع عهود التسلط ، كانوا يحلمون بغد أفضل ، و جُــنِّــدت في سبيل ذلك ما نراه الآن من جنون إعلامي تافه و نخب إدارية خُلقت أصلا لِتصفق , كأنّ الزمن يقدم العِبر و لا اعتبار .

         تمضي الأيام و السنون و تنفضح الأوهام و تُخيب الآمال و تُسفه الأصوات من دون أن يفكر الإنسان بمسؤوليته أمام هذا التدليس الممنهج و التزوير المنظم ,

        قف قليلا لتتأمــل الواقع البئيس و لتتصفح صفحات الحصاد الفسادي و حجم التفاوت الاجتماعي ، قف لتنظر عن قرب في جنود البطاليين الذين زحفوا و العاطلين الذين انتفضوا و الفقراء الذي أُحرموا و العقلاء الذين أُعتُقِلوا و الأحزاب الذين أُشبعوا و الزوايا التي عُلفت ...

       و أخيرا جاء الدستور ليواصل مسيرة الإلحاق و التبنيج، سفاسطة جدد احترفوا حجب الواقع النتن بالكلمات ، تخصصوا في إلحاق أميين كانوا ضحايا الدولة في التعليم فجندتهم الآن في معركتها القذرة . هــي إذن أحد مزايا تخريب التعليم التي طالما انتظرت اللحظة ، هــي تحصيل حاصل لأياد خططت لاحتواء الأمي و المتحزب و النقابي أحيانا و الصوفي و السلفي و هلم جرا.

        دستور لا يستحق أكثر من وصفه ثورة كلام وزوبعة في فنجان ينهل كل طرف من ديباجته ، أشبه بقفة عطار تجمع كل شيء , إستمعوا للمجاهد الخطابي : " إن المغاربة لا يحتاجون إلى دستور منمق بجمل وتعابير، تحمل بين طياتها القيود والأغلال.. إنهم يريدون تطبيق دستورهم السماوي الذي يقول: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) " ، و للأسف لازال حال العديد منا ضحية الكلام المنمق ، كــان في القديم يُعتمد على البلاغة لكسب المعركة و قال المصطفى عليه السلام : ( إن من البيان لسحرا ) ، و ها هي الآن البلاغة السياسية تسحـر حتى أوربا التي أثنت على الدستور و قدمت لها صفة " الشريك في الديموقراطية " بعد ما كانت منحتها صفة " متقدم " التي ضجوا آذاننا بها . تسحر الجمعية البرلمانية الأوريبية لأنهم ألِفوا أن ينظروا إلى الدستاتير كمعيار فحسبوا أن المغرب بهذا الدستور المسرحي سيكون فيصلا في المنازعات و حلا ديموقراطيا يقطع مع سنوات العض و الجبر.

       لتسمح لي روح المفكر الإسلامي مالك بن نبي لأستعير قانونه المسمى " القابلية للاستعمار " و أعوضهُ بالقابلية للاستبداد ، فقد أنتج المفهوم إبان تحليله لشروط النهضة و في وقت كان " التخلف الآخر " باديا على المجتمع المُستعمَـر ، أمـا الآن فأصبحنا نلاحـظ قابلية أخرى تتحكم في ثقافة البعض و تدفعه لهلاك أسس مجتمعه و الانخراط في سلك الخط الرسمي المدفوع بسلطة الإعلام و البهرجة الكلامية . ثمة من يعيش حياة البؤس و الشقاء و لا يبالي بما يفعلهُ تجاه نفسه و بلده ، ثمة من يجهـل مضامين الدستور السياسية و لا يبالي بما يصوت عليه ، ثمة شخصيات فخمة مربوط العنق تنخرط في اللعبة و تتحدث عن الفتنة و الإصلاح و تجهـل ما الفتنة و ما الإصلاح ، و ينحشـر في قوافل هؤلاء جوقة من الانتهازيين البلاطجة لا همّ لهم إلا خدمة البوق المخزني و الاستفادة من تكريمات أسيادهم .. هي عيوب داخلية  و قابليات لا زالت تتحكم ، عقول تشتكــي من واقع البؤس و لا تمارس حقها في دفع أسبابه ، عقول تتحدث عن الكرامة و تقبل- من خلال المشاركة في التزوير المنظم – أن تُهان كرامتها بشكل يومي في كل المؤسسات الرسمية ، عقول تتحدث عن آلية المحاسبة و متابعة الجلادين و أصحاب نهب المال العام ثــم تلوي عنقها إلى صناديق الزور لتسهـم في مزيد من تكريس ثقافة الافلات من العقاب ، عقول رعوية تنقاد لمنطق التهييج الإعلامي الرسمي فترقص على أنغام سمفونية " قولو العام زين " ، عقول ساخطة على مسار انحطاط الدولة و انسداد آفاقها و ضنك عيش أهلها ثم تتحول فجأة إلى عقول مُجمَّــدة ومستقيلة حينما تزحفُ مواسم الانتخابات و عوائد الموائد و ليالي التطبيل و النفخ في الهياكل .

      التصويت في رأينا التزام و ميثاق مُؤسسي ينبثق عن وعي و انفعال حقيقي ، تعاقد و تشارك يدلي به الشخص قناعته الحرة دونما إكراه أو تدليس ، بموجب تصرفه السياسي المسؤول يُعـبٍّـرُ عن رضاهُ بما يفعل ،  فنحن نحترم كل من يصوت بإرادته الحرة و يستعمل في سبيل ذلك عقله الناقد يقينا منا أن لا وجود من سسيقتنع باللعبة البائسة إلا القليل ، يقينا منا أن التاريخ يكشف لنا مكـر السياسة المغربية و يؤكد عبثية المسلسل المسرحي الهازل بعقول الأحرار ، يقينا منا أن وقفة تأمـل في مدخلات و مخرجات الدستور سيفضي إلى وقف  النزيف ، لكن ما العمل حينما يُحــشَـر المواطنون قسرا لصناديق الاقتراع فتُستَعمل الإغراءات  ؟ ما العمل و قد اشتغلت الآلة المخزنية بكل أصنافهم لثني الفقراء المحرومين من قوت يومهم على التصويت بنعم ؟ مــا بُنِيَ على باطل فهو باطل عند جمهرة المناطقة .

   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز