زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
الديموقراطية في نظام الحكم الإسلامي

 

ورد في الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يضع حداً أعلى لمهور النساء ينتهي عند أربعمائة درهم ، فقام خطيباً ونهى الناس عن الزيادة على أربعمائة درهم ، فتصدت له امرأة وذكرته بقول الله تعالى ( وآتيتم إحداهن قنطاراً..) ، والقنطار هو الكمية الكثيرة التي لا حد لها ، فتراجع عن موقفه فوراً وقال : أصابت امرأة وأخطأ عمر .

   هذه الحادثة البسيطة هي صورة طبق الأصل لما يحدث في النظام الديمقراطي ، حيث تتقدم السلطة التنفيذية بمشروع قانون ليعرض على البرلمان للمناقشة ثم لإقراره أو رفضه ، فإذا وجد البرلمان أن في القانون عيباً أو مخالفة للدستور فإنه يرفضه ولا يقره . ولما كان دستور الدولة الإسلامية مستنبطاً من القرآن والسنة فإن أي قانون يخالف نصاً شرعياً أو روحاً مما هو معلوم من الدين بالضرورة فإن البرلمان الإسلامي لن يقر مثل هذا القانون . لقد مثل عمر السلطة التنفيذية ومثلت المرأة السلطة التشريعية في تلك القصة . ولو كان العالم آنذاك قد عرف نظام الحكم الديمقراطي لكانت تلك المرأة عضواً في برلمان عمر .

   نحن نعلم أن النظام الديمقراطي هو نظام حديث لم يعمل به إلا منذ استقلال الولايات المتحدة وإن كان قبل ذلك فكراً مجرداً في عقول الفلاسفة إلا أنه لم يطبق على أرض الواقع إلا عند استقلال الولايات المتحدة الأمريكية . ونعلم كذلك أن الإسلام كدولة لم يعمل بنظام الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم ، ولكننا لا نرى اختلافاً بين نظام الشورى الإسلامي وبين الديمقراطية إلا في كون الديمقراطية الغربية تعتمد سقفاً مفتوحاً عند سن أي قانون بما في ذلك تلك القوانين التي تخالف الفطرة الإنسانية مثل قانون حق المثليين الجنسيين وغيره . ولكنهم في الغرب يسنون مثل هذه القوانين لأنها لا تخالف دساتيرهم ، ولو كان هناك نص دستوري يحظرها لما استطاع البرلمان إقرار تلك القوانين بشأنها . أما الإسلام فإن دستور دولته مستنبط من القرآن والسنة ومما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فلو كان هناك برلمان إسلامي يعرض عليه مشروع قانون لزواج المثليين لتصدت له الآيتان (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلا ، واللذان ياتيانها منكم فآذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما )النساء 15 ،16 . ذلك أن الآية الأولى تنسحب على السحاق ، والثانية تنسحب على اللواط .

   نحن نعلم أن كثيراً من الإسلاميين يرفضون فكرة الديمقراطية لأنها أولاً فكرة غربية ولأنها ثانياً مطلقة الصلاحية في سن القوانين التي لا تراعي شريعة معينة . ولكننا نقول إنه لا يوجد مانع شرعي من تطبيقها في دولة الإسلام ما دام الدستور الذي يحكم سن القوانين – وهو أبو القوانين كما يقولون – دستوراً مستنبطاً مما أنزل الله تعالى في القرآن الكريم ومما شرعه الرسول عليه السلام في سنته المطهرة ، بخاصة وأن القرآن الكريم لم يحدد لنا آلية معينة للحكم بل أمرنا بالعدل والقسط والأمانة وإعطاء المرأة حقوقها الاقتصادية والاجتماعية التي كانت محرومة منها قبل الإسلام وعدم أكل مال اليتيم بل رده إليه فور بلوغه الرشد .. وهكذا . أما تحديد آلية انتخاب الرئيس أو الخليفة فلم ترد لا في نص قرآني ولا في حديث شريف ، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطع في هذا الأمر بكلام صريح بل ترك الأمر لاجتماع رأي المسلمين على من يرضونه ، حتى إنهم لما انتخبوا أبا بكر رضي الله عنه انتخبوه بحجة أن الرسول عليه السلام قد انتدبه للصلاة بالمسلمين بدلاً منه لمرضه عليه السلام فقالوا ألا نرضى لدنيانا من ارتضاه النبي لديننا؟ فأين إذاً الآلية الشرعية المزعومة لانتخاب الحاكم؟ إن كلمة ( خليفة ) نفسها لم ترد في نص شرعي ولكن أوجدتها الضرورة العملية في زمن أبي بكر حيث أصبح الناس ينادونه ( خليفة رسول الله ) ثم إن أبا بكر هو الذي ولى عمر على المسلمين قبيل وفاته ، ولما نادى الناس عمر بـ ( خليفة خليفة رسول الله ) وجدوا أن هذه التسمية لن تكون عملية فيما بعد فنادوه بـ ( أمير المؤمنين ) وهو أول من أطلق عليه هذا اللقب ، ثم لما أصيب رضي الله عنه ، قال في شأن الاستخلاف ( إن تركت الاستخلاف فقد تركه من هو خير مني " يقصد النبي عليه السلام " وإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني " يقصد أبا بكر" ) ، واختار طريقة مختلفة عن طريقة أبي بكر في استخلاف الحاكم الذي سيحل محله فاختار ستة من خيرة الصحابة وأمرهم بانتخاب واحد منهم على ألا يكون عبد الله ابنه ، وأن تكون مهمة عبد الله ترجيح كفة الخليفة المنتخب فقط . وعندما قتل عثمان رضي الله عنه في بداية الفتنة الكبرى اتبع الناس طريقة أخرى في انتخاب الخليفة حيث قام أهل الحل والعقد من الصحابة باختيار علي كرم الله وجهه ، ثم لما زادت الفتنة وآل الأمر الى معاوية اتخذ هذا الأخير طريقة مختلفة في اختيار خليفته حتى إنه أخذ البيعة لابنه يزيد بالترغيب والترهيب وسن سنة التوريث !! إذاً فكل حاكم إنما جاء الى الحكم بآلية مختلفة عن سابقه ، ولو كانت هناك آلية شرعية واضحة ومعلومة من الدين ومحددة لتم اتباعها دون غيرها .

   لقد أعطى الله تعالى للمسلمين حرية واسعة جداً ومجالاً رحباً للاجتهاد في كل أمر ما خلا الأمور التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وفي ذلك حكمة عظيمة واحترام للعقل الإنساني لا نجده في أية شريعة وضعية . لقد جعل الإسلام الإباحة هي الأصل والتقييد هو الفرع ، فمثلاً جعل المطعومات كلها مباحة ما عدا الذي تم تحديده في نصوص صريحة وواضحة ، حتى الضب الذي كانت العرب تأكله وعافته نفس النبي عليه السلام ، فحين سئل عنه أحرام هو؟ قال لا ولكن نفسي تعافه . ونستطيع أن نقول بإيجاز لقد وضح لنا الإسلام الأمور التي لن يصل العقل الإنساني الى معرفة خيرها من شرها إلا بعد أجيال طويلة من ارتقائه ، فأعطانا حكمه فيها مبكراً ، بينما ترك الكثير من أمور نظامنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتقدير عقولنا . فمثلاً ، لم يكن العقل الإنساني قد توصل الى معرفة الضرر الحاصل من أكل لحم الخنزير وربما لا يزال يجهله حتى يومنا هذا ولهذا فقد سبق الدين جميع علماء الأرض فحرمه ، ومثل ذلك يقال عن الربا الذي لم يكن العقل ليعلم فداحة خطره على الإنتاج إلا بعد حقب طويلة فقام بتحريمه مبكراً وقال ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة 275 . ولعل اقتصاديي الغرب قد بدأوا مؤخراً بإدراك خطر الربا فأصبحت الحكومات تتدخل في نسبة فوائد البنوك بالتخفيض لتشجيع رؤوس الأموال على الاستثمار في مجالات الإنتاج ، وكلنا يعلم كيف أوشك الربا وبيع المال بالمال على القضاء على نظام الرأسمالية مؤخراً . ومثل ذلك يقال عن الحجر الصحي الذي لم يتنبه العالم الى ضرورته إلا متأخراً جداً بينما الإسلام وضحه في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ( إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ) . أو كما قال عليه السلام .

   إذاً فقد تم البت في أمر الضرورات مبكراً وأما ما عداها فقد ترك للعقل الإنساني اختيار الأنسب منه . ورب قائل يقول : فما بال الآية الكريمة (... ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمه لقوم يوءمنون ) يوسف 111 . والآية (وما من دابه فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ما فرطنا فى الكتاب من شىء ثم الى ربهم يحشرون ) الأنعام 38 . فنرد عليه بأن القرآن الكريم قد ذكر ما كان وما سيكون ولم يترك شيئاً على الإطلاق ولكنه وضع ذلك في الآيات المتشابهات فلا يستطيع أن يستنبط منها إلا الراسخون في العلم ، وأما الضرورات التي أرادنا الله تعالى أن نعلمها فجعلها في الآيات المحكمات التي تفهمها العامة ، وهذا الكلام ليس من عندنا بل هو من القرآن الكريم نفسه ، ففي الآية 7 من سورة آل عمران نقرأ (هو الذى انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشبهات فاما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب ) .

   والخلاصة أن الإسلام هو نظام حياة عظيم ومتجدد وفيه متسع للعقل لأن يستنبط منه ما يشاء لما يشاء ، وهو اليوم في أمس الحاجة الى مجددين يرفعون عنه الظلم الذي وقع عليه من أبنائه ومن أعدائه ، ويضعون عنه الأغلال ، تلك الأغلال التي قيده بها فقهاء قتل النفس البريئة أمام كاميرات التصوير ، وفقهاء السلطان الذين يلوون أعناق الآيات والأحاديث ويشترون بها ثمناً دنيوياً رخيصاً ، وفقهاء الحيض والنفاس والقبل والدبر ، حتى صارت هذه الأمور التي هي فروع الفروع كأنها هي الإسلام ، بينما الإسلام السياسي والاقتصادي حبيس ومغيّب عن الواقع المعاش ، هؤلاء الفقهاء الذين أدخلوا الى المصطلحات الإسلامية تعبير ( رجال الدين ) بلبسهم ( يونيفورم ) خاصاً يميزهم عن باقي عباد الله من المسلمين فأشبهوا بذلك من سبقهم من الأمم السابقة من الأحبار والرهبان ، علماً بأن الرسول عليه السلام والصحابة جميعاً لم يكن أحدهم ( رجل دين ) ولم يتميز بلبس عمامة خاصة ذات لون خاص يعرف منها أنه فقيه .

 أخرج البخاري في صحيحه (  حدثنا محمد بن عبد العزيز حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم . قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟!!) صدق رسول الله .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز