سليمان محمدي
soulaymanm@facebook.com
Blog Contributor since:
28 June 2011



Arab Times Blogs
كما تكونوا يُولَى عليكم... فكرة خاطئة

كما تكونوا يولى عليكم... فكرة خاطئة حينما يفشو الظلم ويتحكم الاستبداد وتعجز الهمم في الضرب على يده ورده إلى الرشد، تتفتق حينها أذهان اليائسين، ومخيلات الجاهلين عما يشبه المبررات، ليخدروا بها ضمائرهم حتى لاتعي واقعها، ولا تدرك ما يحاط بها من مكر الليل والنهار، من تلك المبررات التي التي استمرأتها الألسنة، وسلمت بها العقول، وقررها الفقهاء على المنابر مقولة: كما تكونوا يُولىَ عليكم، والصواب هو عكسها فيقال: كما يُوَلَى عليكم تكونوا، وهو الذي يشهد عليه الدليل العقلي والدليل الشرعي والشواهد التاريخية،،، ومما ساعد على انتشار هذه المقولة، الإرادة الاستبدادية المتحكمة على طول تاريخنا الحافل بالنماذج المستبدة، التي لا يصعب سرد العشرات بل المئات منها على مَن ألمَ بأطراف من التاريخ الإسلامي، ابتداء من بني أمية إلى آخر سلاطين بني عثمان ثم منهم إلى قرننا هذا الواحد والعشرين، وذلك لتخدير الشعوب حتى تعجز عن مقاومتهم، وإيهامها أن الذنب ليس ذنب الحكام، بل هو ذنب الشعوب التي جاءوا منها إلى كراسي الحكم، فالحاكم مستبد لأن الشعوب مستبدة، والحاكم عميل لأن الشعب عميل، والحاكم متطوح في أحضان أعداء شعبه، لأن شعبه يحب العدو ويكره الصديق، وهو مرتشٍ لأن شعبه مدمن رشاوى، وهو خائن لأن شعبه خوان،، وهكذا يفرض عليك هذا الفكر السمج والمنطق المنحرف

 أن كل رذيلة في الحاكم هي مستمدة من شعبه، حتى لو كان هذا الرئيس من هواة التزلج على قمم الألب عاريا فلاحرج، لأن شعبه يهوى ذلك ويبغيه..وبالتالي فلا لوم على حاكم فيما اقترف من الخيانات، أو أتى من العظائم والموبقات. مفهوم كما تكونوا يول عليكم: قد تكون هذه العبارة صحيحة منطبقة على واقعها، حينما تتوفر حرية الاختيار وتُضمن نتائجه، فإذا كان الشعب حرا في من يختار لسياسته والقيام بأمره فلا شك أن الأغلبية ستختار منها من يمثلها، وسيكون الحاكم شخصا من جملة الشعب وقع عليه اختيار الأغلبية، فإذا كانت الأغلبية مسلمة سيكون حاكمها مسلما وإذا كان الشعب نصرانيا سيختار حاكما نصرانيا على دين تلك الأغلبية وعلى هواها في السياسة ونظام الحكم، فقد تصلح هذه المقولة في بريطانيا وأمريكا وفي العالم الحر حيث الديمقراطية هي سيدة الموقف والجميع يحترم نتائجها مهما كانت ويقر بها ويخضع لها،،،

ولكن الأمــــر في بلادنا الإسلامية حيث الحكومات المستبد الغاشمة، حيث لا دين ولاحرية ولاديمقراطية، حيث لااحترام لشعب ولاوعد ولا لصندوق انتخاب، حيث الحكام يُفرضون على الشعوب بقوة الغلبة والقهر، فلا يجرؤ متجرئ على جر تلك المقولة على هذا الواقع المخزي والنظام المزري، فالله يشهد وكل عاقل أن لا حكامنا منا ولا نحن منهم، فما هم إلا فيروسات غريبة مندسة جاست خلال المجتمع فأصابتنا بأوبئة وأوجاع لم تكن في أسلافنا، فهم داؤنا ومن واجبنا مداواة أنفسنا من العلل والأدواء، فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله،،، وما هذه المقولة إلا مخدرة لِهِمَم الشعوب في نهضتها لتغيير أوضاعها والإطاحة بأصنامها أوزعمائها حيث توحي إليهم أنهم هم السبب والأصل في استعلاء الحاكم المستبد عليهم، وأنهم حتى لو سعوا في تغييره وزعزعة عرشه سوف لامحالة يخلفه من هو مثله أوأسوأ منه، وبالتالي يتبلد العقل وترتخي الهمم ويقنعون أنْ ليس في الإمكان أبدع مما كان، ومن مضار هذه المقولة أنها تلغي سنة المدافعة بين الخير والشر في هذا الكون، وتمرن النفس على الاستسلام للواقع مهما كان مريرا ومجحفا، وهو أمر تأنفه الديانة وتأباه الشهامة وأخلاق الكرام،،،

 • الدليل العقلي، فالعقل والتجربة يحكمان أن الفساد يسري من الكبير إلى الصغير، ومن الحاكم إلى المحكوم، ومن القوي إلى الضعيف، ومن العالم إلى المتعلم، فالحاكم هو الذي يملك القدرة على الإفساد والقدرة على الإصلاح، بما حباه الله من قدرة التحكم في الخلق والإلزام بالقوانين والعوائد، فدائرة تأثيره أوسع ومجال قدرته عليه أعظم، والعقل يقتضي أن الناس حينما يختارون الحاكم إنما يختارونه لإصـلاح شأنهم وتنظيم سيرهم وتدبير أمورهم ، فهم يختارونه ليصلحوا به لاليصلح بهم، ولو كان الأمر على عكس هذا لكان أقرب إلى العبثية منه إلى الحكمة. • الدليل الشرعي، ومن الشرع نذكر حديث عبد الله بن المبارك: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء، وقول عثمان: إن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن، فلقد كان إجماع سلف الأمة على أن الحاكم الصالح تصلح به الأمة، والحاكم الفاسد يضلها ويصدها عن سبيل الحق، ويطيح بها في مهاوي الغواية والردى، فالعالم والحاكم كالملح، ذرة قليلة منه يصلح بها الطعام ، ولكن من يُصلح الملح إذا الملح فسد !

• الدليل التاريخي، والتاريخ يشهد على ماأقول، فلقد سطر مؤرخونا من قديم، أن الناس على عهد الوليد بن عبد الملك كان همهم وجل حديثهم في أسواقهم ومجالسهم عن البناء وكثرة القصور والبساتبن وتعمير الدور لأن ذلك كان هو ما يغلب على اهتمام ملكهم وحاشيته، ومن جملة اهتمامه بالبناء والتشييدد أنه عمر المسجد الأقصى وشيد جامع بني أمية الكبير في دمشق،،، وهذا ما يثبت المقولة الأخرى الصحيحة التي تقول: الناس على دين ملوكهم وفي عهد سليمان بن عبد الملك، انصبت همم الناس في معدتهم وأكلهم وشرابهم فكان ذلك ما يغلب على حديث الناس في زمانهم لتأثرهم بما يغلب على هوى مليكهم وحاشيته وعشيرته، بينما في زمن عمربن عبد العزيز الخليفة الراشد المبارك الذي حاول أن يُصلح في سنتين ما أفسده ملوك بني أمية في خمسين سنة، وقد أصلح الله به البلاد والعباد، فنزلت البركات وعمت الخيرات، هذا مع أن الفساد كان قدانتشر في الأمة وكاد يستفحل، وعمر كان فردا من ذلك المجتمع ومن تلك الأمة، ولو كانت مقولة كما تكونوا يول عليكم صحيحة، لكان من جاء بعد سليمان بن عبد الملك ملكا مثله أو أسوأ منه، ولكن عمر عرض نفسه على الناس فاختاروه بملء إرادتهم وموفور حرياتهم، فكانت العاقبة أنْ أصلحهم الله به، فكان الناس على عهده يلقى الرجل منهم أخاه فيسأله عن صنائع المعروف وأيادي الخير، فيسأله كم جزءا من القرآن تلى، وكم عبدا أعتق، وكم أعد من فرس في سبيل الله، فغلب على اهتمام الرعية ما سيطــر على اهتمام الراعي، وهكذا الناس على دين ملوكهم.

 الجزائر قبل الاستقلال وبعده: ولنا في تاريخ الجزائر عبرة لمن يعتبر، فلقد مر على الجزائر من الاستعمارات ما يقرب من ستتة قرون، من أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، حيث بدأت بوادر الهجمات الإسبانية على السواحل الجزائرية، إلى العثمانيين فيما يزيد على ثلاثمئة سنة، ثم الفرنسيين الى بداية الستينات من القرن العشرين، أجيال وأجيال مرت بها كل صنوف العذاب وأنواع البلاء، تربوا عليه صغارا وعاشوا عليه كبارا وماتوا وهم في الضنك والقهرثابتين، غير أن أخلاقهم بقيت سليمة غير ذميمة، وآدابهم موفورة، وهويتهم لا مجال للخلط فيها والمساس بها، لأنها قد خالطت منهم الدم والروح، فلا مجال للمسها أوخدشها إلا إذا سال منهم الدم وأزهقت منهم الأرواح، وما ذلك إلا لأن الشعب أيام الاستعماركان منكفئا على نفسه، متبرئا من كل دخيل، فأبقاه ذلك على فطرته ونقائه وطيبة معدنه، ولما وثق الشعب في ولاة أمره بعدما نالوا الاستقلال سلم لهم القياد فألقوه في الهاوية، هاوية الجهالة وهاوية الفقر وهاوية العنف والخوف، ثم هاوية الفوضى المؤدية إلى الخراب. فمُني شعب الجزائرالأبي بشرذمة من الحكام ليس للشعب في اختيارهم حظ ولانصيب، فأهلكوا الحرث والنسل، ودمروا البلاد وأفقروا العباد، فأفسدوا من أخلاق الشعب ومبادئه وهويته في خمسين سنة مالم تستطعه الاستعمارات الماضية في أكثر من ستتة قرون، ولله الأمر من قبل ومن بعد.. ألا يظهر جليا بعد هذا أن الناس على دين ملوكهم، وليس كما يكونوا يولى عليهم!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز