زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
الإسلام دين ودولة مدنية ديمقراطية

   الباحث عن شكل الحكم الإسلامي للدولة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لن يجد شكلاً محدداً وقاطعاً لنوع الحكم ( ديمقراطي ، دكتاتوري ، ملكي، جمهوري ، خلافة ، إمارة ... الخ ) ، لن تجد من هذا شيئاً لا في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة ، ولكنك تجد أمراً من الله تعالى لرسوله الكريم في عدة آيات مثل :

-         وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين . المائدة 42

-         فاحكم بينهم بما أنزل الله . المائدة 48

-         وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم . المائدة 49

-         ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . المائدة 44

-         وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . النساء 58

   وهذا الأمر ينسحب على القاضي الذي يحكم في قضية وعلى الحاكم الذي يحكم شعباً ودولة . ونستطيع أن نفهم منه أن الحكم الإسلامي هو الحكم بما أنزل الله تعالى ، فماذا أنزل الله تعالى في شأن الحكم؟

   لقد أنزل الله تعالى قواعد عامة وأحكاماً خاصة محددة ، فأما القواعد العامة فتتعلق بالقيم الإنسانية السامية والأخلاق مثل العدل والقسط والصدق والأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( أي محاربة الفساد ) والعفة وطهارة القلب واليد واللسان . وأما الأحكام الخاصة فتتعلق بالمحرمات ( الربا ، الخمر ، المخدرات ، أكل لحم الخنزير ..الخ ) وبالحدود ( كقطع يد السارق وجلد الزاني ) . وأما شكل الحكم ونوعه فقد تركه لاختيار الناس في قوله تعالى ( وأمرهم شورى بينهم ) الشورى 38 . وفي قوله ( وشاورهم في الأمر ) آل عمران 159 .

   وقد وقع منظروا الفكر الإسلامي المعاصرون في خطأ فادح حين ظنوا أن أمر الأمة في عصرنا لا يصلح إلا بما صلح به أمر السلف الصالح ، وظنهم هذا يكون صحيحاً إذا أخذنا ( ما أنزل الله تعالى ) بما يوافق عصرنا ، ولكنهم أرادوا أن يقيسوا الأمور بالقلم والمسطرة على ما كانت عليه أيام السلف الصالح ، ففي عصر الرسول عليه السلام والخلفاء من بعده لم يكن في العالم كله دولة يتم الحكم فيها عن طريق التداول بالانتخابات ، بل كانت الملوك تحكم مملكاتها طيلة حياتها ثم تورث الحكم لأبنائها من بعدها ، ولعل صدر الإسلام فقط كان هو المدة الزمنية القصيرة التي حكم فيها أربعة خلفاء عن طريق الشورى ثم سرعان ما انقلبت الى ملكيات وأسر منذ معاوية . مع أن الإسلام لم يمنع أبداً أن يتم انتخاب الحاكم بالطريقة التي يراها الناس بما يناسب عصرهم من الانتخابات الديمقراطية الحرة وتحديد مدة الحكم بعدد من السنوات لأن نظام الحكم هو بيعة من الشعب للحاكم والبيعة عقد بين طرفين لهما كامل الحق في وضع شروطه لأن ( أمرهم شورى بينهم ) . بل إن بعض هؤلاء المنظرين لا يجد من الحكم الإسلامي إلا قطع يد السارق وجلد الزاني فيحكمون على إسلامية الدولة أو كفرها بمدى تطبيقهما ، مع أن الآية الكريمة ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله ..) المائدة 38 لم تعرّف لنا السارق بل تركت تعريفه للناس يختلف باختلاف الأزمنة ، ومن العجيب أنهم يحددون مبلغ السرقة بربع دينار! وقد كان هذا المبلغ أيام السلف الصالح ، أما الآن فلم يعد للدينار قيمة محددة في عصرنا لأنه لم يعد عملة متداولة لا هو ولا الدرهم ، فالآية الكريمة ذكرت السارق وتركت لنا تحديد باقي الملابسات كلها وإلا فهل يتساوى سارق ربع الدينار بسارق مليارات الدولارات حتى يكون الحكم فيهما واحداً وهو قطع اليد؟ ثم هل حددت الدولة خطاً للفقر يضمن للناس حياة كريمة ولو في حدها الأدنى لكي تستطيع أن تعرّف السارق وتحاسبه ؟ ونحن هنا لا نعترض على حكم الله في السرقة ، ولكننا نريد أن نوضح أن تعريف السرقة يختلف باختلاف المجتمعات على مر العصور من حيث ظروفها الاقتصادية بحيث أن الحد الأدنى للمبلغ المسروق يمكن أن يتغير بتغير تلك الظروف .

   إن الآيات القرآنية التي حددت الحدود ووضعت لها العقوبات لا يتعدى عددها عدد أصابع اليد الواحدة ، بينما الآيات التي أمرت باتباع المعروف ( العُرف ) تزيد على ثلاثين آية ، والمعروف هو ما تعارف عليه المجتمع المسلم من عادات وتقاليد تتسم ( بما  أنزل الله ) من ( ثوابت ) من القيم الإنسانية السامية والأخلاق الحسنة ، ومن ( متغيرات ) بحسب العصور كشكل نظام الدولة . ( فالمعروف ) في عصرنا هذا أن صندوق الانتخابات هو المظنة الأرجح لمجيء حاكم كفؤ عادل ومؤسسات حكم تضع القوانين التي تراعي سقف الحرية العالي التي أعطانا الله تعالى .

   من هنا نستطيع أن نفهم مقولة ( الإسلام دين ودولة ) بمفهومها الصحيح .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز