الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
حياة العشق عند برنارد شو، فيلسوف انكلترا

توفي برناد شو وله من العمر ستة وتسعون سنة ، وهذا الامتداد المسرف في عمره، يجيز لنا ان نعالج ناحية العشق في حياته كما لو كان قد مات ودفن قبل سبعين سنة.  لأن القسم الاكبر من حياته قد اصبح جزءا من التاريخ. 

 

وبرنارد شو هو فيلسوف هذا العصر، وسوف يخلد الكثير من مؤلفاته التي انتفع بها معاصروه، ولكن حياته نفسها هي خير مؤلفاته.  فانه اختط لنفسه خطة في هذه الدنيا واتخذ اسلوبا للعيش وانفرد بميزات اخلاقية جمعت حوله الكثيرين وجعلته موضع اعجاب الالاف الذين يتسقطون اخباره ونوادره.

 

انه كان مديد القامة، اشهبن اشهل، ولحيته حمراء، وقد اقتصر على الطعام النباتي ومشتقات اللبن وهو في الثلاثين من عمره، وهو ايرلندي الاصل، احترف الادب وعاش في لندن معدما الى قبل ان يشتهر، حين انفتحت له ابواب الحظ عندما بدأت دراماته تمثل على المسرح الانكليزي والمسارح الاوربية والامريكية. 

 

وقد عرف كثيرا من النساء، او بالاحرى عرفته نساء كثيرات، ولا يستطيع من ينظر الى صورة برنارد شو في شبابه ان يقول انه كان وسيما.  ولكنه كان غريبا، يغري النساء بغرابته، ويجذبهن بشذوذه، يتجنب اللحوم والخمور والشاي والقهوة والدخان.

اذا تحدث، امتلأ حديثه بفقاقيع النكات المفرحة او المحزنة واحيانا باللاذعة، وفوق كل ذلك اشتراكي النزعة، يقف في صف المعارضة الاجتماعية للدولة والمجتمع والاخلاق، وقد ذاع صيته بأنه ذكي جدا، ينطق بالحكمة التي تروي وتغذي. 

 

ومما يروى عنه، ان الراقصة الانكليزية الشهيرة ايزادورا  عرضت عليه عرضا ماجنا ومغريا قولها: انها اجمل نساء انكلترا وانه اذكى رجال انكلترا، وانها لفرصة ذهبية لو انجبت منه طفلا، لجمع بين جمالها وذكائه.  فرفض برنارد شو العرض وقال: انه يخشى ان يخرج الولد وقد جمع بين عقلها هي و جسمه هو !

 

فحياة الفيلسوف حافلة بالادب الكفاحي الذي ينأى عن البرج العاجي، عاش محايدا يتجنب الاحزاب ويكره الانغماس في المشكلات، لذا كانت جميع دراماته مواضيع اجتماعية تخلوا احيانا من الحب الذي هو الموضوع الرئيسي للدرامة، لكن برنارد شو كان يضع الحب في المقام الثاني.  اما المقام الاول في اعماله فكان يخص المشكلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية. 

 

ويجب ان نستنتج من هذا ان حياة برنارد شو كانت مليئة بالكفاح في سبيل تغيير المجتمع البشري. وان التفاته الى حياة العشق كان عابرا يطفو على السطح ولا يتعمق فيه، انه كان ينشد بالحب السرور لا السعادة، وقد افلتت منه كلمة في احدى دراماته دلت على موقفه من الحب، حين قال: (الناس يتملقون الى الحب، وحينما ينالوه، يسلكون سلوك الحمير في ممارسته).

 

ويذكر عن برنارد شو انه بقي الى الثلاثين وهو بكر كالفتاة العذراء.

الى ان تعرف الى ارملة او تعرفت هي اليه فكان بينهما علاقة حب بقي لبعض السنين، لم تشبه سوى علاقته بأمرأة اخرى. وواضح انه في هذا (العشق) كان يسلك سلوك الحمير كما ذكره. فلم تنطوي علاقته الجنسية على  تأجيج الشهوة، وقد يعزى البعض ان ذلك حدث بسبب النظام النباتي. لكن الاديب الكبير في صراحته المألوفة انكر ذلك. 

 

وقد عرف برنارد شو ثلاثا من النساء، ارتفع بينه بينهن العشق الى درجة سامية. اذ كان ينطوي على كثير من المواضيع الانسانية المصطبغة بالطابع الروحاني. كان بينهن الانسة ماي مورس، وكان لأبوها نزعة اشتراكية يجد فيها الرحمة للفقراء، وكان برنارد شو يزور بيتهم ويستمتع بالحديث اليهم. وكانت ماي تجهل ما يكن نحوها من حب غامر يلجم لسانه عندما يلتقي بها. وكان انذاك فقيرا بينما كان موريس غنيا، فلم يجرأ ان يطلب يد بنته، رغم انه هام بها هياما عظيما ولكن هيامه كان مكتوما في نفسه. لكن ماي، هي الاخرى كانت تحس تجاهه بمشاعر الهوى و الشوق تغرسها في طيات كلمات التوديع عند خروجه من منزلهم بكل رقة وحنان.  مما تجعل برنارد شو يحس ان ماي ميالة اليه وان الخطبة اتية لا ريب فيها.  

 

وذات يوم عرف انها خطبت الى اديب ثم تزوجته. فأستكان الى حظه وتقبل هذا الحرمان من حبيبته. لكن حدث بعد ذلك ان هذين العروسين اللذين سكنا في دار نائية دعوا برنارد شو الى زيارتهما، فزارهما عن براءة وامانة وبقى معهما اسابيع والجميع هانئون من دون ادنى دليل على مخالفة التقاليد، لكن ماي وجدت في برنارد شو من روعة العبقرية والعظمة ما جعلها تفكر وتقارن بينه وبين هذا الزوج الأليف. لأنه ما كاد برنارد شو يتركهما حتى وجد الزوج ان زوجته قد استحالت الى حجرلا يتحرك.  كأن كل عواطفها قد تجمدت، وعم البيت جو من المرارة.  يتذوقها كل من الزوجين، حتى لم يجدا مندوحة عن الفراق! ولم يتهم الزوج برنارد شو بأغراء زوجته ولكنه اكد ان زيارته لهما، قد سببت هذا الجفاء.  فقد بقيت ماي مورس تعيش لوحدها حتى ماتت. 

 

اما المرأة الثانية التي احبها برنارد شو فهي الين تري الممثلة الانكليزية وكانت رائعة الجمال، احب كل منهما الاخر عن بعد ولم يلتقيان وانما كانا يتراسلان،  والرسائل كشفت عن اسلوب فريد في الحب لا يطاق. وقولنا انهما لا يلتقيان يعني انهما يتقابلان بالعين.

فقد كانت الين تظهر على المسرح كل مساء وكان برنارد شو يواظب على الحضور، وكانت العين تلتقي بالعين لقاء صامتا حتى بلغ الاديب  برنارد شو منزله كتب اليها رسالته، باثا فيها شوقه و لوعته، فاذا جاء الصباح ردت هي عليه في رسالة اخرى. 

 

هذا النوع من الحب الذي لا يعرف لقاء، جدير بأن يحتدم ويدوم احتدامه، وقد بقي الاثنان على هذا النحو يستمتعان ويعانيان لذة الفراق الأليمة.  وكانت الين تمثل حياة هذا الحبيب النائي على المسرح، ومع ذلك لم يكن برنارد شو يختلس النظرة من وراء الستار كما هو المألوف بين المؤلفين. وبقيت على هذا الحال حتى اخر عمرها.

 

يمكن ان يقال ان برنارد شو لم يكن يعجب بما نسميه الجمال في جسم الممثلة وانما كان اعجابه ينصب على شخصيتها الرائعة التي كانت تتلألأ على المسرح، ولعل هذا هو السبب في انه استطاع ان يحب على بعد وان يحجم عن اللقاء لان جمال الجسم يثير الشهوة بينما جمال الشخصية يثير الاعجاب والعبادة ... وستبقى الرسائل المتبادلة بين برنارد شو والين تري ادبا خالدا وتجربة سامية للبشرية جمعاء بين نفسين معذبتين ارتفعتا الى مستوى راق من الخيال الخصب والعقل المنير.

 

اما المرأة الثالثة التي احبها برنارد شو فكانت شارلوت تونسهد التي يبدو ان عشقه لها كان من النوع الذي لا يلتهب ولا يسمر ولا يغني وهو النوع الشائع في مجتمعاتنا ---  كانت هذه المرأة فتاة ثرية، اشتراكية النزعة، حاولت ربط برنارد شو  مع اديبة اخرى تدعى بياتريس بالزواج بهدف التخفيف من حياة الفاقة التي كان الفيلسوف يعيشها واستخدام هذا الثراء لترويج المذهب الاشتراكي ولكن برنارد شو كان كما هو شأن الاديب المخلص لرسالته يتوجس خيفة هذا الزواج، اذ لا يستطيع ان يخدم سيدين في آن واحد: الفن والزوجة. 

 

وفي احد الايام مرض برنارد شو ولزم الفراش. وكانت شارلوت تصطاف في ايطاليا وعرفت بالخبر فأسرعت الى اقرب قطار متوجه الى لندن. فلما وصلت وجدته في حال يرثى لها.

وهنا يقول برنارد شو في صراحته البشعة: ان النفس وقت المرض تضعف فترق، يغمرها الحنان ولذلك يسهل غزوها بعروض الحب والزواج.  وقد قبل الزواج، وما هو الا ان سرت في عروقه بوادر العافية حتى قصد مع شارلوت الى الكنيسة. ويذكر ان احد اصدقائه الذي رافقه كان يمتاز بقوام وصحة واشراق مزينا صدره بوردة كبيرة حمراء وقد وقف بجانب برنارد شو الضعيف في جسمه والهزيل في حجمه، فظن  القسيس، ان الصديق هو العريس وبدأ يخاطبه، فتنحى برنارد شو جابنا بكل صمت و هدوء، لكن عندما نطق الحاضرون اسم العريس الحقيقي، اعتذر القسيس الى برنارد شو وطلب منه ان يتقدم واكمل مراسيم الزواج الكنسية.                   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز