تيسير سليمان العفيشات
tssf19@gmail.com
Blog Contributor since:
11 December 2009

كاتب عربي من الاردن مقيم في نيوزلاندا

 More articles 


Arab Times Blogs
ليس الأردن... هو عبد الله النجس

منذ البداية حلمتُ أن أكتب تاريخ الأردن ، ربما منذ الطفولة التي كنت أجرجرها في قدميّ المغلولتين متثل رقبة الماعز المأخوذ للذبح.. منذ الليالي تلك التي غفت الى جانبي.. وتلك الأحلام التي لم تتوقف عن هديرها الجنوني في رأسي لشدة السهر.. في تلك الطفولة التي كانت تركض أمامي في وديان ناعور وعلى ذرى جبالها وسفوح هضابها، كلما فتحت كتابا يؤرخ لهذا البلد رأيت هذه العائلة الغريبة عن الأردن، هذه العائلة التي شمخت بمكرها، وحقدها، وعهرها، وجنونها ،وعمالتها ،وخيانتها فوق أساطيرنا، وفوق أجدادنا منذ آدون وعمون وابنته ربة وميشع، وقبلهم رابو وابنه شيثو الى أحفادة الأنباط ومعن أو معينو .. هؤلاء هم بعض تاريخ الأردن ..

 الى أن جاءت هذه العائلة تحمل في قلبها البؤس والرمل لتغتال ذاكرتنا وتقطع رأس التاريخ هذه المخلوقات الصغيرة ويحهم ما الذي فعلوه !!؟ صار الأردن، أردن الهاشميين منذ عبد الله الأول الى عبد الله الثاني .. ذبح تاريخ الأردن وأريق دمه الطاهر الزكي تحت أقدام هؤلاء الغزاة النجس .. كانت طفولتي المجرورة الى حتفها مثال وهم وحلم، لم تكن أمي تدري وهي تروي لي قصص أجدادي أنني أحلم بكتابة تاريخهم .. كانت أمي بحجم الأردن في مخيلة طفلها .. وقررت أن أعثر على كل تلك الأسماء التي ضاعت .. منذ طفولتي التي صارت بعيدة الآن شاغلتني موهبة التاريخ أريد أن أكتب تاريخ الأردن بعد أن أقطع رؤوس الخرافة، التي طالما بعثرتها بمذراتي الصغيرة تلك في مواكب ريح الأصيل .

 لم يدر بخلدي ان هذه الحشرات الصغيرة، الأصغرُ من القمل ستتسرب في حركة زئبقية فاتحة لها طرقا مسامية لتنهش تاريخ الأردن المسترخي ببسالة على أكتاف القمر. قالت أمي لا تصغي للناي يا ولدي طويلا .. سوف يجرحك وينال منك ..وكلما كان حزنك عميقا طاب للناي أن يتوغل بشفرته نحو شغاف قلبك .. هي غزالة الدم يا أمي شيء من ليل الأعماق من بهجة الجمر وهي تتصاعد في ريح الجناح الهائم البعيد .. حفيف شفيف خفيف يمتد بين الصوت والصدى يسوق كوكبة من الغزلان تطفر من شهقة القلب ودنان الغرائز ...

 لكن لن أسمح لهذا المارق أن يسوق تاريخنا بعصاه العرجاء ولسانه الألثغ ووجهه المغولي القبيح .. قالت يا ولدي أخاف عليك .. بوح ناي التاريخ أثيره لا يلامس جسدك .. وبفطرة طفل طاهرة أتيتها بقصبة يابسة منسية في طرف الحقل ما أن تصادفها ريح شريدة ذات مساء موحش لعين، حتى ينساب نحيبها شجنا، فيخال لك أن كبد أردني تبدأ في الإعلان عن تكسرها .. الناي رسول الكبد المفلوق يا أمي ، والله ماعرفت ذلك إلا أخيرا .. يا أمي قطعة الناي المهملة من أين لها كل هذا الشجن؟ نحن الأردنيين البدو الطيبين سلنا كقطرات النسيم من ناي آدون.. قبل أن نعرف هؤلاء الأوباش الين انتسبوا زورا وبهتنانا لتاريخنا المذبوح.. كان حقلنا بريئا لما ترك تلك القصبة في هامش المشهد، والريح الشريدة ليست سوى زفرة.. زفرة المكتوم يشهق مثل تشبث الغريق بالخشبة .. القصبة هي خشبة النجاة المنذورة للكبد الجريح خشبة هي الصليب في الوقت.. لا تفرح يا عبد الله ولا ترقصي على اشلاءنا.. يا رانيا .. ففي تدفق الناي كل آن.. يصحو الجسد وتدب فيه الحياة وتستيقظ الروح .. وتتفجرُ أعماقها ناهضة نحو الأقاصي .. روحا تستردُ جسدها الذي يشف عن نيران حقدك الأعمى وتلصص عيناك الحاخمية يا ابن اليهودية العاهرة ..

 مالي يا أمي وحديث الناي والحنجرة وهذه الغصة في حلقي واهلي هناك وهنا يذيحون ..؟ لمن أصغي لأي صوت أصغي ...؟ الصوت جرح يتكئ على النصل يا أمي .. لا تغفري لي بعد كل هذه السنين .. كيف تسنى لأمهات الأردنيين أن ينسلن أحفادا على هذه الدرجة من الحزن ..؟ عندما يأتي النهار سنكسر ناي الحزن ، ولن يعود في نهارنا ذلك فسحة للناي لينام ملء أوداجه في حلوقنا .. لن تطاله سوى الحناجر التي بها حُبسة .. سنكسرة يا عبد هواك.. ويا قاطع رأس تاريخنا بمنجلك المسموم لن نرضى أن نكون رأس يحيا ولن نرضى أن نكون تقدمة الى خؤلتك بني صهيون.. قالت أمي أخيرا: يا ولدي اياك إياك أن تأمن القصب المحزون سيفتك بك ويفينك ولن تقوى على كتابة تاريخك .. إياك إياك أن تأمن القصب وهو يشحذ كبده على شغافك قلبك كمن يمنح النصل فرصته الوحيدة أمام جرح وحيد نازف ... يا أمي أنا الشهيد والشاهد مذ كنت في رحم الغيب وعاش الأردن عزيزا عزيزا كريما ...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز