نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا يكون الإنترنت مجانياً في سوريا؟

لم تسفر سياسة الحجب والتشفير لمواقع الإنترنت في سوريا، ولم تنجح في منع الناس في معرفة ما يدور من حولهم، لا بل تمخضت عن اختراق الحجب والتشفير بشتى السبل المتاحة، ولجوء البعض إلى استخدام الإنترنت الفضائي والتحايل بشتى السبل للوصول إلى الشبكة العنكبوتية.

 ومبدأ كل ممنوع مرغوب يزيد من فضول المرء لمعرفة ماهية وطبيعة وكنه هذا الممنوع، وبالتالي المجازفة للوصول إليه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يوجد اليوم في سوريا، بيت، من دون لاقط فضائي، يقدم له أحداث العالم قاطبة، هذا الفضاء لم يترك مستوراً إلا وكشفه، ولا صورة إلا ونقلها، ولا كلمة إلا وقالها. ولم تسفر سياسة الحجب إلا في تخلف الإعلام وعجزه عن اللحاق بغيره ومواكبة المتغيرات، وفي جعل المتلقي السوري فريسة سهلة أمام أي خبر، أو لعبة أو تكتيك إعلامي، يبهره ما هو قادم من وراء الحدود الإعلامية المحصنة طالما أن تلك الحصون لا تقدم له شيئاً، وهذه فطرة طبيعية وغريزية وخاصية نفسية في عمق العقل الباطن البشري.

 فحين تمنع الماء والغذاء والنور عن الإنسان، فإن أي قبس من نور سيبهره، وسيقبل بأي غذاء وسائل قد يقدم له حتى لو كان فيه السم الزعاف، والجوع يرضي الأسود بالجيف، نتيجة التقحيط والتجويع والتصحير الإعلامي وتفسيد الذائقة الإعلامية وتشويهها لدى المتلقي السوري، وما نراه اليوم من "جيف" إعلامية وتلفيقية ترمى هنا وهنا، ويتقبلها البعض بنهم وجوع غريبين، ما هو إلا نتاج ومحصلة طبيعية لتلك المجزرة الإعلامية التي ارتكبت عبر عقود وسنوات.

وهذا بكل أسف ما يحصل اليوم في المشهد الإعلامي السوري، وفي حدثه الذي يبدو الجانب الأكبر منه محض لعبة إعلامية مركزة هدفها، تطويع، وتدجين، واللعب بالرأي العام السوري وأخذه إلى الوجهة التي يريدها أصحاب اللعبة الإعلامية إياها. واحدة أخرى، قامت الحكومة السورية، ومع اندلاع الأحداث الأخيرة في سوريا، بفتح شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك، والتويتر، واليوتيوب، التي كانت مشفرة قبل الأحداث، وهذا تحد كبير، وتعبير عن قوة وثقة بالنفس تحسب للسلطات في سوريا لا عليها.

 وكما نعلم فإن هذه المواقع لا تترك "ستراً ولا غطاء"، ولا شيئاً "مخبى" كما يقال، وتنقل "عصارة" ومخلص ما هو موجود في المواقع المشفرة ، فماذا يعني، بعدها، أن تبقى تلك المواقع مشفرة والحجب مستمراً عليها، بل ماذا ينفع والفيسبوك يضع العالم، بين يديك. فهل من جدوى بعد ذلك لعملية الحجب والتشفير، والمواطن بات يسمع اليوم، ومباشرة، ومن دون ولوج الشبكة العنكبوتية، ما لا يخطر على بال عتاة التشفير؟ ناهيك عن فشل هذا التشفير في التأثير على الشارع إلا سلباً وذلك لجهة منع المتلقي والقارئ السوري الوطني، من تقديم رؤيته وروايته بشكل حقيقي حول ما يجري في سوريا، وترك الساحة سداحاً مداحاً لوجهات النظر المغرضة تلك في فرض نفسها، ورؤيتها، وروايتها، عن الحدث، وهذا ما يبعث على الألم والإحباط ، والتساؤل، حقاً، عمن يقف وراء استمرار هذا ما دام الفيسبوك، الأخطر والأشمل تأثيراً قد فتح على مصراعيه؟

 وللتوضيح أكثر، تمتلئ اليوم مواقع الإنترنت، إياها، كما امتلأت بالأمس، بعشرات، وربما مئات المقالات التي تتناول الشأن السوري، وتنهال التعليقات عليها، تعليقات ذات لون، وطعم، واتجاه واحد ووحيد لا غير، وبالكاد ترى تعليقاً فيه شيء من الموضوعية أو يحمل بصمات وروح الداخل السوري الوطني المكبوت، والمهمـّش والمنفي إعلامياً، ناهيك عن عدم القدرة المادية لكثيرين من ولوج الشبكة العنكبوتية، وخاصة فئة الشباب الوطني الغيور على سوريا، واستقرارها وسيادتها وأمنها الوطني والإدلاء بدلوه وتقديم وجهة نظر غير تلك الوجهة المغرضة وهي الطاغية وبكل أسف في الفضاء العنكبوتي. وكم آلمني كلام ذلك الشاب الوطني الغيور الرائع الذي يفيض حماساً وعشقاً لسوريا، حين بعث لي شاكياً ومتألماً من أنه لا يستطيع التعليق والمشاركة، المتاحة للعموم، على أحد المقالات لأن لا رصيد كافياً لديه كي يدخل الشبكة ويساهم في معركة الوجود واللا وجود هذه التي تخوضها سوريا اليوم، ولذا بقي مع غيره، من الملايين، ربما، من شباب سوريا، خارج اللعبة الإعلامية اليوم والتأثير فيها.

 من المسؤول عن إبقاء كل هذه الجحافل خارج دائرة الحدث، والأثر والتأثير، ورفد الصوت الوطني، الرافض للمؤامرة، بأعداد هائلة ومهولة من هؤلاء؟ هل من يشفر تلك المواقع ويفرض "الأتاوات" الباهظة على النت يريد خيراً بالبلد، وبأهلها، وأيهما أهم، في هذه المرحلة، دفع فواتير النت، أم دفع فواتير البقاء والوجود؟

ونعود لطرح سؤال عنوان المقال: " لماذا لا يكون الإنترنت مجانياً، ومتاحاً للجميع، في هذه المرحلة على الأقل، وخاصة لشريحة الشباب الوطني المتحمس والمهمش في الأرياف البعيدة، يغلي حباً ووطنية وعشقاً لسوريا، ويمكن لمساهماته أن تغير من كثير من المعطيات، ويريد، وهذا من حقه، أن يعبر عن نفسه ويفرغ طاقاته ويشارك بوجدانية في معارك وطنية حاسمة، وحتى ينجلي غمام هذه العاصفة السوداء، وبعد ذلك لا ضير، ولا غرو، لو عادت "حليمة" السورية إلى عادتها القديمة، في سياساتها "الفاتورية والنتية".







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز