الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
حياة العشق عند فيكتور هيغو

الأدباء صنفان، احدهما يرمي الى غاية فلسفية، او الى مثل عليا، يتحرى في اكثر ما يكتب ان يبلغهما، ويحث غيره على بلوغهما. فهو يعد نفسه مركزا للكون، قد تمركزت فيه مقاصده السامية.  فيرى من ذلك ان واجبه ان يحقق هذه المقاصد.  لأنها ليست مقاصده فحسب بل هي مقاصد كل البشر، فهذا هو رجل الفن. 

 اما الصنف الاخر فليس له مثل هذه المقاصد ولا غايات فلسفية، بل انما تعنيه الصيغة، فلا يبالي بالغاية، هدفه ان يترنم ويشدو، فإذا كتب ذهب جهده في رصف الالفاظ وتنسيقها وتنميق عباراته وتزيينها، فهذا هو رجل الصنعة ادبه ادب الفسيفساء. وكان فيكتور هيغو من الصنف الثاني. 

 والناس في كل مكان، وبخاصة اذا كانت عواطفهم تسود عقولهم تفتنهم الصنعة في الكلمة لانها نوع من انواع الشدو والترنم.  فللأ سلوب الحسن المحبوك المزين ايقاعات تشبه ايقاعات الموسيقى، تبعث في النفس السرور.  فكان فيكتور هيغو محبوبا لهذا السبب عند العامة، مشهورا بينهم. وقد عاش مدة طويلة، واشتغل بالسياسة، وفي الوقت الذي كانت فرنسا ملكية في زمانه، انضم فيكتور هيغو الى الحزب الجمهوري،  فصارت حياته ومؤلفاته رمزا ودليلا لفترة من الزمن في تاريخ فرنسا. وهذا وحده هو ما سيضمن بقاء مؤلفاته وكتاباته، واعتبارها سندا من اسانيد تاريخ عصره.

 ولد عام 1802 ومنذ صباه شغف في الشعر و الادب، ونال عدة جوائز عليه. ولما بلغ العشرين، وقع في عشق فتاة تدعى اديل فوشيه كان بها حياء يغري ورشاقة تفتن وحركات تسحر. فتعرف فيكتور الى ابويها وصار يكثر من زيارتهما حتى ادركت ام الفتاة انه عالق بأبنتها.  ولم يكن للأديب دخل ثابت يعتمد عليه في معيشته، فلما اقترح على الابوين ان يتزوج ابنتهما رفضا.  لكن عندما صدر ديوانه في تلك السنة، وحدث ان الملك لويس الثامن عشر قرأ منه بعض قصائده واعجب بها، رتّب له معاشا سنويا قدره 40 جنيها.ففرح بذلك وذهب الى والدي اديل واخذ يلح في زواجه الفتاة حتى وافقا.

 وتزوج من اديل وعاشا طويلا ورزقا اولاد فكان بيتهم مثال البيت السعيد ونجح فيكتور هيغو كما توقع وذاع صيته وكبر دخله.

وكان في بيته صالون اشبه بالمضيف عند العرب، والمعروف عن الفرنسيين انهم من اقرب الامم الاوربية شبها بعادات الشرق، يتردد عليه ادباء زمانه بأستمرار، يتحدثون في امور الفكر والمعرفة.

 وكان من سوء حظ عائلة هيغو ان يظهر بين هؤلاء الادباء واحد معروف يدعى (سانت بوف) الذي كان يكثر في مدح مؤلفات الاديب وسط الحاضرين.  فأحبه الشاعر وصار صديقا له. فتح له صدره وبسط له مائدته، فكان يقصد الى داره كل يوم.  وقد لا يجد صديقه الاديب، صاحب الدار موجودا،  فيجالس زوجته ويأخذان في اطراف الاحاديث وشجونها.

 هذا هو الواقع الذي كان يعرفه كل انسان يتردد على دار فيكتور هيغو. ولكن سانت بوف كان سافلا، بل في غاية السفالة، فقد نشر كتابا قال فيه انه اثناء زياراته المتكررة نشأت علاقة حب وغرام بينه وبين زوجة الاديب فيكتورهيغو. فلو صح هذا، لكان احرى به ان يخفيه عن الناس حفاظا على كرامة وسمعة هذه المرأة، وبخاصة اذا كان يحبها.

 ومن المؤسف ان المجتمع الفرنسي يتقبل الاشاعة بعكس المجتمع الانكليزي الذي لو كان هذا الوغد قد اصدر كتابه في لندن مثلا لما لقي من الجمهور سوى البصق في وجهه ومن محاكم  انكلترا سوى الحبس السريع.

 فلما تلطخت مدام هيغو بهذا العار سقطت من عين زوجها ولم يكن هناك ما يدل على ان القصة التي سردها هذا النذل صادقة.  ولكن الجمهور صدقها، وكان هذا كافيا لان يقرح صدر فيكتور هيغو، والحقيقة ان اعتداده بنفسه منعه من ان يعترف بوقوع هذه الاهانة امام الناس.

 وحدث ان زار الاديب في احد الايام فتاة من المشتغلات بالتمثيل تدعى

(مدام دوريه) وطلبت اليه ان يخصها بتمثيل احد اشخاص دراماته. هذه الفتاة عاشت مع نبيل روسي دهرا ثم دخلت التمثيل وعرفت عن سبيله فيكتور هيغو. الذي استغل الاشاعة التي ظهرت حول زوجته لكي يسوغ لنفسه خيانة الامانة الزوجية وعشقه مع المدام دوريه، فقد

تمادى العشق بينهما حتى اهملت هي صناعتها في التمثيل، وعندما نُفي هيغو الى جزيرة جرنزي لمعارضته النظام الملكي. تبعته الى هناك.

 كانت مدام هيغو تزورها وتدعوها الى بيتها وتتجاهل امام الناس كل ما بينها وبين زوجها، ولا بد انها كانت تعاني عذابات روحية جسيمة من جراء هذه الاحساسات المحتشدة في صدرها: عشقها لزوجها وغيرتها من هذه المرأة ، ثم هوان النفس، امام ما اشيع عنها.

 بهذه الحالة المزرية عاشت مدام هيغو 33 سنة، وهي تعرف ان المكان الاول ليس لها في قلب زوجها، وكانت دوما مكسورة الخاطر مقهورة العواطف.  فلو كان ما ذكره هذا الحقير عن حبها له حقيقيا، لنالت هي جزاء خيانتها، وان كان ما ذكره كذبا، فهو جدير باللعنة في كل زمان، وهي جديرة بالشفقة من كل انسان.

 اما العشيقة الطارئة مدام دروبه فقد عاشت حتى بلغت الثمانين وماتت قبيل وفاة فيكتور هيغو بمدة قصيرة ودفنت في باريس بعد ان حملت جنازتها في مشهد فخم لا يدري الانسان اية لطائف كان يتفاكه بها المشيعون لجنازتها وهم يسيرون وراء هيغو وكلهم يعرف قصة عشقهما.  

هذا هو المزاج اللاتيني، يتغاضى عن مثل هذه الخطيئات، بل يذكرها وكأنها شيء مألوف لا غبار عليه.

من كتاب تاريخ الحب لسلامه موسى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز