د. خليل الفائزي
drfaez2002@gmail.com
Blog Contributor since:
29 March 2011

اعلامي وصحفي مقيم في السويد

 More articles 


Arab Times Blogs
إيران: ثورات جماهيرية و انتفاضات تآمرية

مع اندلاع و استمرار الانتفاضات الجماهيرية في العديد من الدول العربية، استبشر المسئولون الإيرانيون سقوط و تفكك قدرة العديد من الأنظمة العربية وزعم بعضهم ان هذه الانتفاضات اندلعت بفعل أمواج الثورة الإيرانية التي وصلت الى سواحل تلك الدول بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود،حسب تصور و ادعاء هؤلاء.

 و مع انه ليس هناك اي أدلة تثبت تأثير الثورة الإيرانية على ما جرى و ما يجري من انتفاضات و نهضات و اعتراضات في دول عربية الا ان زعماء في جماعات دينية من الذين لهم ارتباطات وثيقة مع النظام الإيراني (ومن هذه الجماعات الأخوان المسلمين في مصر) ادعوا في حوارات مع أجهزة إعلام إيرانية تأثير هذه الثورة على ما سميت بالانتفاضة الشعبية التي اجتاحت مصر و أجبرت حسني مبارك التخلي من السلطة. ويقول الدكتور كمال الهلباوي أحد قادة الأخوان المسلمين في مصر ان الكلمة العربية التي ألقاها المرشد الإيراني السيد خامنئي في خطبة صلاة الجمعة في طهران حول الانتفاضة في مصر، كانت عظيمة ولا مثيل لها و ساهمت في إنجاح و تسريع هذه الانتفاضة!

 مما لا شك فيه ان تطبيع العلاقات بين إيران و مصر من الناحية الجماهيرية هو مطلب يؤيده الشعبان الإيراني و المصري بعيداً عن المواقف السياسية الضيقة و النعرات الطائفية المتطرفة وهو يخدم مصالح الشعبين و يبغضه أعداء الأمتين العربية و الإسلامية ، و لكن يجب الاعتراف هنا ان الدبلوماسية الإيرانية لم تتمكن حتى الان من إقناع أصحاب القرار السياسي في القاهرة من الدخول في مفاوضات جدية لتطبيع العلاقات الثنائية و ان أصحاب القرار السياسي في القاهرة اثبتوا بدورهم انهم ليسوا أصحاب القرار اساساً و ان مصير قراراتهم يتم تعيينها وفرضها عليهم من خارج مصر، على الأقل هذا ما لمسناه حتى الان من تعامل هؤلاء مع أمريكا و إسرائيل و سائر الدول العربية و الإسلامية بعد نجاح الانتفاضة الأخيرة والرحيل الشكلي لمبارك عن سدة الحكم.

ربيع الانتفاضات
          لم يكترث المسئولون في إيران كثيراً بانتفاضة الشعب التونسي منذ اندلاعها مع إنها كانت شعلة و حافز الانتفاضات العربية والدافع الأساسي وراء حقن شعوب المنطقة بإكسير كسر الخوف من الأنظمة المستبدة او المحتكرة للسلطة، وربما لم يكن لإيران و حتى الان اي علاقات سياسية او اقتصادية هامة مع تونس لكن الوضع يختلف كثيراً بالتعامل مع انتفاضة الشعب المصري و نظرة طهران لسقوط نظام مبارك خاصة وان هذا النظام ظل ينافس إيران ويتصدى لها اعلامياً و سياسياً وكان يصور النظام الإيراني بانه العدو الرئيسي للدول العربية بدلا من إسرائيل و قد تحالف نظام مبارك و كل الأنظمة المشابهة التي حكمت مصر مع أنظمة عربية ضد إيران في العقود الماضية و حتى ان الأنظمة التي حكمت مصر نافست إيران حتى في منطقة الخليج و تحالفت مع مجلس التعاون الخليجي و أسست ما كان يطلق عليه اسم مجلس التعاون العربي و ساندت هذه الأنظمة النظام العراقي السابق في الحرب ضد إيران بصورة مباشرة وغير مباشرة.

 بالمقابل احتضنت إيران الكثير من الجماعات المصرية المعارضة و أطلقت اسم قاتل أنور السادات على شارع رئيسي في طهران و ظلت تندد باتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل و تدعو لزعزعة و إضعاف ما كانت توصف بزعامة مصر للقرارات العربية.

 شباب مصر و من خلال انتفاضتهم الكبيرة قدموا لإيران و للعديد من أنظمة المنطقة بشكل غير مباشر خدمة عظيمة من خلال إسقاط نظام مبارك ربما تضاهي الخدمة التي قدمتها أمريكا لإيران ربما دون قصد و تدبير! من خلال إزاحة عدوين لدوديين لها في العراق و أفغانستان (نظام صدام وجماعة طالبان)، وعلى هذا الأساس كان التصور لدى بعض المسئولين الإيرانيين من ان الانتفاضات العربية صارت تحصد رؤوس زعماء أنظمة كانت تكن العداء للنظام الإيراني او على الأقل تهيئ الطريق لزعامة المنطقة و ترسيخ و إشاعة الادعاء القائل بتأثير الثورة الإيرانية مباشرة على هذه الانتفاضات ، لكن العقبة الرئيسية ظلت تحول دون تحقق طموحات النظام الإيراني في هذا المجال، هي عدم انتقال عدوى (وألاحق نصفه بنسيم) الانتفاضات العربية الى دول مجلس التعاون ـ باستثناء البحرين الأفقر نسبياً بين هذه الدول ـ ، و كان من المفترض ان تلعب الحكومة السعودية بعد غياب نظام مبارك عن زعامة العالم العربي وانشغال نظام بشار الأسد في الأوضاع الأمنية و السياسية الداخلية ، دوراً رئيسياً لصالحها في ساحة العالم العربي ارتأت (السعودية) او ربما رجحت الأفضل لتركيز قدرتها و نشاطها على محور الجزيرة العربية للحيلولة دون سقوط حكومة آل خليفة في البحرين و دعم نظام علي عبد الله صالح في اليمن لانها (السعودية) ترى ان سقوط اي من هاتين الحكومتين سيؤثر سلباً على كافة دول مجلس التعاون و قطعاً سينقل عدوى (نسيم) الانتفاضات و المطالبة بإسقاط أنظمة المنطقة خاصة العضو في المجلس الذي سمح فقط عن قصد او سهو ودون تنسيق مسبق لدولة قطر التمدد نحو العديد من دول المنطقة و شمال أفريقيا لتغيير الأوضاع السياسية فيها بالرغم إدراك قادة مجلس التعاون من ان حجم و قدرة دولة قطر قطعاً لا يضاهي دور مصر او إيران او السعودية حتى و ان كانت تملك سلاحا نوويا إعلاميا باسم قناة الجزيرة ، ناهيك ان لقطر علاقات وطيدة جداً و غير معروفة الأسباب! مع زعماء إيران ربما هي اكثر متانة حتى من علاقاتها مع دول مجلس التعاون نفسها وهذا ما يجعل دولة قطر تقلص دورها او قد تساوم إيران في بعض المناطق الساخنة التي تشهد اعتراضات مثل سوريا و ربما لبنان لاحقا و قطعا السعودية بدورها لا تسمح لقطر ان تظهر دوما بأكبر من حجم السعودية في مجال زعامة العالم العربي و التمدد و التغلغل في تغيير سياسة و قيادات بعض الأنظمة العربية دون إرادة أو موافقة من الرياض.

 أسباب الفشل
          يعتقد مراقبون ان تعدد وتشعب مراكز القوى و القرارات في إيران هو السبب الأساسي وراء فشل الجهاز الدبلوماسي في تحقيق الأهداف المرجوة لإيجاد تلاحم جماهيرية بين شعوب المنطقة او حتى استغلال الانتفاضات العربية لصالح إيران، فمثلاً تنظر بعض هذه المراكز الى هذه الانتفاضات على انها حركات دينية بحتة وان الجماعات الإسلامية كانت و لازالت وراء اندلاع و استمرار هذه الانتفاضات و هو تصور قطعاً خاطئ لان الانتفاضات على الأقل في تونس و ليبيا و اليمن و دول أخرى لم تكن على خلفيات دينية و لهم تساهم الجماعات الدينية و لم تشارك في هذه الانتفاضات الا بعد نزول معظم الجماهير الى الشوارع و مواجهة الأنظمة بالتضحية بالدماء والأنفس و ان بعض الأنظمة و الأطراف لا تزال تستغل الدين لمصالحها السياسية و الفئوية في خضم الاعتراضات و الانتفاضات في المنطقة، و مما يؤكد صحة ادعائنا هذا هو ان كلا الطرفين المتنازعين في ليبيا (كتائب القذافي و ثوار ليبيا) وعندما يطلقون المدافع و يفتحون النار على بعضهم البعض بهدف القتل العشوائي و الدمار الذاتي يهتفون معا بشعار "الله اكبر" و يقولون لأجهزة الإعلام: اللهم انصرنا على أعدائنا الكافرين!.

 و اعتمدت الدبلوماسية الإيرانية بالتعامل مع الانتفاضة الجماهيرية في مصر على إنها حركة دينية قام بها "الأخوان المسلمون" و حتى ان طهران استضافت على مدى الأشهر الماضية الكثير من وفود (الأخوان) الذين صوروا لأجهزة الإعلام الإيرانية انهم وراء اندلاع انتفاضة مصر و إزاحة مبارك من سدة الرئاسة و انهم الكل بالكل في ما جرى و يجري في مصر، و هو ادعاء قطعاً لا صحة له و اكبر من حجمه و ربما انخدع الجهاز الدبلوماسي الإيراني بمثل هذا الزعم و الرؤية السياسية الضيقة وركز جهوده على التنسيق مع (الأخوان في مصر) لتطبيع العلاقات الثنائية مما أدى الى فشل هذا الجهاز و عدم نجاحه حتى الآن بإقناع الشارع الرسمي و الجماهيري في مصر بتطبيع العلاقات او حتى رفع مستواها الى تبادل السفراء و إنهاء حقبة القطيعة السابقة التي استمرت على مدى اكثر من ثلاثة عقود.

 و من المفارقات السياسية الطريفة هنا ان مراكز القرار في إيران التي تعتبر (الأخوان) بأنهم أساس الانتفاضة في مصر تتهم هذه المراكز بشكل غير مباشر (الأخوان) في سوريا بأنهم وراء ما يسميها الإعلام الرسمي الإيراني المؤامرة الأمريكية و الصهيونية التي تنفذها الجماعات المعترضة على نظام بشار الأسد و تطالب بإسقاطه و حتى ان هذا الإعلام يصور الجماعات المعارضة في سوريا و منهم (الأخوان) بأنهم ينوون إسقاط نظام الأسد تنفيذاً لمخطط إسرائيلي لإضعاف المقاومة في لبنان و فلسطين المحتلة .

 سيف ذو حدين
          الانتفاضات العربية ليست لإيران فحسب بل لجميع الأنظمة العربية المحصنة حاليا من الاعتراضات و الانتفاضات تعتبر بمثابة سيف ذي حدين، حدّ قد يطيح بأنظمة منافسة و يساهم في تلاحم و وحدة شعوب المنطقة على حساب إسقاط أنظمة عربية وغير عربية بشكل تدريجي و متسلسل قد يصيغ خارطة جديدة للعالمين العربي و الإسلامي خلال الأعوام القادمة، و حد سيف الانتفاضات الآخر يكمن بشمولية و اجتياح هذه الانتفاضات الدولة تلو الأخرى و تخطيها كافة الحدود و إجبار أنظمة المنطقة الرضوخ للتغييرات القسرية و الإصلاحات المصحوبة بالنار والدم و ربما بالانقلابات و الثورات، إضافة الى ذلك فان الكثير من هذه الانتفاضات و حركات الشعوب صارت تستغل لصالح جهات أجنبية (الدول الغربية) و تصب في مصالح دول لها أقوى و أوثق العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع إسرائيل مثل أمريكا و تركيا خاصة و ان الأخيرة (تركيا) المفلسة سياسيا وصلت إلى حد التخمة الاقتصادية والرخاء المالي من خلال النفاق السياسي و التلاعب بالأدوار واستغلال الأحداث التي جرت و تجري في العراق و سوريا و ليبيا ودول أخرى لصالحها الفئوي بشكل كبير، و عليه لابد من التريث وعدم الانجرار وراء انتفاضات مزعومة و حركات مشبوهة تخدم أعداء الأمتين العربية و الإسلامية و التقيد بإجراء إصلاحات و تغييرات تؤدي الى عدم إحداث فوضى او إسقاط أنظمة قد تكون قابلة للإصلاح و التغيير ، و لابد من تنسيق جدي و اتخاذ خطوات عملية للتصدي لمؤامرات الغرب والدول الأجنبية الزاعمة بالدفاع عن حقوق شعوب المنطقة ، و مثل هذه الخطوة لا تتحقق الا من خلال إقامة مؤتمر إقليمي (عربي و إسلامي) شامل تشارك فيه الأنظمة الحالية و مندوبو الأحزاب و الشعوب و الأطياف و الطوائف المختلفة للتوافق على صيغة واقعية لحل الخلافات او تجميدها في الوقت الراهن و الحيلولة دون تحقق نوايا و خبائث أعداء الأمتين العربية و الإسلامية و إعطاء اقتراحات واقعية و تقديم العون لتصالح الأنظمة مع شعوبها و قبول الأنظمة بمطالب الجماهير القانونية من خلال حل المعضلات الاقتصادية و إنهاء الاحتكار السياسي للسلطة و التقسيم العادل للثروات و العائدات و إطلاق الحريات السياسية و القبول بانتخابات نزيهة و عدم تدخل الأنظمة في شئون الدول والشعوب و التسابق نحو الخير لخدمة مصالح الأمة الواحدة و ليس التنافس من اجل زعامة المنطقة من قبل دولة او فئة خاصة ، وهذه الأهداف المرجوة قطعاً لا تتحقق الا بالتضحية و الحكمة و الشجاعة و الحوار السلمي و إنهاء حقبة الحقد و التآمر و ترجيح مصالح الأمة و الجماهير على المصالح الفئوية و الحكومات المستبدة و غير قابلة للإصلاح التي ترى بقاؤها باستمرار الخلافات و تناحر الشعوب والأنظمة والتآمر دوماً على الآخرين وعدم الاستماع لأصوات ومطالب جماهيرها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز