عبد الحق خالد
K_maouna@yahoo.fr
Blog Contributor since:
16 February 2010

كاتب من الجزائر



Arab Times Blogs
ليـس دفاعــا عـن أردوغـان؟

«.. ولا ريـب أن هناك مواطنين يأخـذون بهذا التفسيـر عــن حسن نيّـة. ولكـن مـا
أكثر الذين يتعمّـدون تضليل الناس بتعليلهم حالة البلاد هـذا التعليل العجيب. وإنك لتجـد
 هـؤلاء الخبثاء المخادعين فـي الأوسـاط الحكومية وفـي البيئات التي تأكل على مائـدة
الحكومة..»  "كفاحي" أدولف هتلر، ص 134، ترجمة لويس الحاج، طبعة: دار صادر.1995.
    قبل سنتين تقريبا كتبت مقالا عن رئيس وزراء تركيا "رجب طيب أردوغان..أوالعثماني الجديد الذي أضحت شخصيته القوية ومواقفه الجريئة مثار جدل كبير في أوساط المراقبين والمحلليـن .. كان ذلك بمناسبة ما ألمّ بالمنطقة العربية آنذاك من أحداث جسام (الحرب علـى غزة وخروج أردوغان من ملتقى دايفوس الاقتصادي شامخ الرأس بعد هجومه الكاسـح على السفاح بيريز....الخ).                                                                                                 ومقالي اليوم، كما أشرت في العنوان، ليس دفاعا عن أردوغان، فأفعال أردوغان – عنـد المنصفين-  قبل أقواله كفيلة بتولي هذه المهمة على أكمل وجه؟.. وإنما هـو محاولة لتسمية الأشياء بمسمياتها وإعطـاء كل ذي حق حقه بعيدا عـن السطحية فـي التحليل والانفعالية والمكبوتات الدفينة التي عـادة ما تفضح الوجه الآخر لصاحبها وتكشف ضعفه أكثر من تعبيرها عن فكرة أو قناعة أو موقف؟.. وهـو للأسف شأن كثير من المحللين والمثقفين والكتّاب "المتنوّرين" خاصة مـن السوريين واللبنانيين ممّن تصدوا لهذا الموضوع..                                                                      
ففي الأيام الأخيرة، وبمناسبة الثورات التي شهدتها كثير من دولنا العربية - وليس آخرها سوريا- وبسبب موقف تركيا المنحاز بشكل واضح للشعوب في مواجهة أنظمتها القمعية الفاسدة.. الموقف الذي عبّر عنه رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان".. حيث تحلّى بروح مسئولية عالية وتعاطي بالشفافية التي يؤمن بها رجل نزيه في بلد ديمقراطي مع الأحداث الجارية في الجارة سوريا منذ ما يقارب الثلاثة أشهر، أين تقوم عصابات ما يسمى بالشبّيحة وقوات الأمن والجيش الذي اجتاح المدن.. بارتكاب مجازر حقيقية ناهيك عن التعذيب وحملات الاعتقال العشوائي، الأمر الذي تسبب في نزوح الآلاف ولجوئهم للأراضي التركية؟!.. أمام ما يجري على الأرض – بعيدا عن الوعود الكاذبة بالإصلاح - أبى الرجل إلا أن يكون منسجما مع نفسه وقناعاته والعالم، فصدرت عنه تصريحات تدعو النظام السوري لوقف استخدام العنف المفرط ضد مواطنيه المحتجّين ونصحه ببدء إصلاحات فورية تفاديا لانزلاقات وتداعيات قد تكون غير محمودة العواقب على سوريا والمنطقة؟ وهدّد بسحب الغطاء السياسي عنه في حالة تماديه وعدم الاستجابة لصوت العقل والسياسة.. وهي المواقف التي لم تعجب الكثيرين حتى أولائك (المحللين والسياسيين والمثقفين) الذين كانوا قبل هذه الأحداث يشكرون لأردوغان نيابة عن شعوبهم وقوفه في أحداث سابقة مثل حرب لبنان، والحرب على غزة، ووقوفه إلى جانب إيران في ملفها النووي.. الخ، ويحمدون له تلك المواقف، وبدورنا كنا نعجب بهؤلاء ونثني على وعيهم وفهمهم وانفتاحهم على دولة شقيقة لها دور إقليمي يستحيل تجاهله أو نكرانه ؟.. لكن فجأة انقلب أردوغان عند هؤلاء من بطل قومي وصديق وفيّ للعرب إلى عميل "أحمق/حقير" يخدم أجندة أمريكية في المنطقة...الخ، أي والله، بهذه البساطة بل الاستخفاف المتعمد بعقول الناس وربما السذاجة التي لا نجدها إلا في العقل العربي المتناقض مع نفسه ومع الواقع ؟.
وهكذا ظهرت عبر وسائل الإعلام المختلفة حملة منظّمة يقودها بعض من المحللين والسياسيين وممن يتسمّون بالكتّاب والمثقفين (وأغلبهم- أكرّر- من سوريا ولبنان) هي أقرب إلى التحامل والتشويه الممجوج والادّعاء الكاذب والتضليل المتعمد منها إلى النقد الموضوعي الذي يسعى إلى إجلاء الحقائق وتنوير الرأي العام بما يجري فعلا على الأرض، في محاولة يائسة للحـطّ من قيمة رجل- والرجال قليل- يصنع و حزبه التاريخ، ويعيد ترتيب أوراق المنطقة بما يخدم مصالح تركيا والعالم العربي الذي لم يمسك بعد اليد التي مُدّت له.. رجل يحقق حزبه للمرة الثالثة على التوالي نتائج باهرة في انتخابات ديمقراطية، لم تشبها شائبة.. في حين - ويا لسخرية القدر- لا يزال في "الجملوكية السورية" يرث  "الأسد بشار" الحكم عن أبيه؟!.. هي مفارقات " فقط في الجمهوريات العربية"؟.. 
وكان من ضعف هذه الحملة المسعورة أنها تجاهلت حقائق ساطعة لا يمكن القفز عليها لكل ذي عينين وعقل سليم.. وراحت تشفي غليلها بأن جرّدت الرجل من كل فضيلة وكالت له الشتم والسباب السّمج؟.. كل ذلك بسبب موقفه الأخير من النظام السوري الذي تجاوزت أجهزته القمعية ( ثلاثة عشر جهاز أمن في مقابل خمس جامعات) كل ما يتصوره العقل من قتل وتنكيل ورقص على أجساد المعتقلين وركل لوجوه مواطنين معصوبي الأعين إمعانا في الإهانة والإذلال، حتى أنستنا ما حدث في ثورات سابقة كمصر وتونس وما يحدث الآن في ليبيا واليمن.
ولأن بعض المنتفعين يحبون أن يكونوا "ملكييـن أكثر من الملك"، فقد جعلوا "تزييـف الوعي" وظيفتهم التي منها يسترزقون، لذا يصبح من الواجب تذكير هؤلاء "النخبة/الفاهمين" بالحقائق التالية:                                                                                                                                                                                                                                                             
أولا: أن أردوغان.. أوالعثماني الجديد وهو رجل دولة تحترم نفسها، ولها إرث أمبراطورية حكمت العالم ستة قرون، يقود أمة من (74) مليون تركي، جاء إلى الحكم عن طريق الصندوق وليس على ظهر دبابة، وهو عندما يصرح بالقول: "يجب على النظام السوري أن يوقف فظاعاته فورا.. وإننا نملك معلومات دقيقة موثقة تفيد أن ماهر الأسد (شقيق الرئيس) ضالع في حملة التطهير ضد المدنيين العزّل..."، فإنه لا يفتئت أو يتجنّى؟ لأنه ليس مراهقا تتجاذبه العواطف والأهواء ويستهويه التضخيم والتهويل واختلاق القصص؟.. وإنما عبّر بسلوك رجل الدولة المسئول الذي صُدم لهول ما يجري في دولة صديقة، وما يجري في سوريا ليس أقلّ من فظيع؟!.. فاتهامه إذن بالتهويل والتدخل في الشأن الداخلي السوري...الخ، هو كلام ينطوي على المغالطة والتزييف الممنهج، لأن لا أ حد من هؤلاء الحريصين على وحدة وسمعة سوريا وصورتها في الخارج قال لنا ما هي بالضبط مصلحة تركيا من وراء زعزعة الاستقرار داخل سوريا، وهي تعلم – علم اليقين- أن زعزعة الاستقرار هناك معناه ضرب استقرار تركيا - حزب العمال الكردستاني- والمنطقة بكاملها؟؟..
ثـانيا: أن أردوغان وهو صديق وفيّ لسورية وللرئيس الأسد شخصيا، لم يدّخر أي جهد في الدفاع عن سورية في المحافل الدولية أيام عزلها وحصارها من قبل الدول الغربية، فعمل كل ما بوسعه ولعب دورالوسيط في تخفيفه                                                    عنها، وجسّد هذا الدورَ الفعال انفتاحُ العواصم الغربية على سوريا بإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق.. وأن موقفه الأخير بالمحصلة يأتي بعد أن استنفد كل محاولات النصح وتحذير النظام من مغبّة المضي في نهجه المتجاهل لمطالب شعبه المشروعة في الإصلاح وإطلاق الحريات، وهي النصائح التي ضرب بها النظام السوري – الذي لا يريد أن يعترف بشعبه- عرض الحائط واعتبرها "عُبّـاد الرجل الواحد والحزب الواحد والفكر الأحادي" – كما هي العادة - مؤامرة لتركيع سورية المقاومة والممانعة و؟.. أسطوانة مشروخة لم تعد تقنع حتى من هم نافذون داخل النظام نفسه.. والمعزوفة الحزينة التي خرج بها "أمبراطور" المال "رامي مخلوف" – وهو المتهم بالفساد والنهب المنظم لمقدّرات السوريين- حيث أعلن تخليه عن عالم الأعمال وتفرغه "لأعمال الخير"؟؟؟.. هي فعلا مسرحية مبكية إن دلّت على شيء فإنما تدل على عمق الأزمة في عقل النظام وفهمه وكيفية تعامله مع مشكلات خطيرة بطريقة هزلية قد لا تضحك حتى الأطفال؟؟..                                        
 ثـالثا: لا يستطيع جاحد، ناهيك عن منصف، أن ينكر ما حقق أردوغان (وحزبه) لبلاده من الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي والرخاء الاقتصادي (المرتبة الخامسة عشرة عالميا)، وهو وضع لم تشهده تركيا زمن الانقلابات والديكتاتورية العسكرية، وتحلم شعوبنا ببلوغه قريبا؟.. وكان دفاعه عن القضية الفلسطينية – التي يتاجر بها البعض- أكثر فاعلية من دفاع بعض الفلسطينيين عنها وسعيه لفك الحصار عن غزة – أسطول الحرية -... ثم كان تحالفه مع إيران وسوريا ومحاولة التقرب من الدول العربية عملا آخر يُحسب له لا عليه؟.. لكـن وفجأة أصبح هذا "الأردوغان"                                                                                                                                                                                                                                                 حقيرا متواطئا لايستحق التقدير أو الاحترام؟.. لماذا؟.. لأنه كان أشجع من كل الحكام العرب، وفكّر بصوت مرتفع فأعلن غيرخائف أو وجل – إذ ليس لديه ما يخجل منه – موقفـه الصريح الذي لا لبس فيه بأن على النظام السوري أن يحتكم إلى العقل والحكمة بعد أن أثبت أسلوب الحل الأمني فشله الذريع، فينفتح على شعبه ويباشر بإصلاحات جدية من غير تأجيل؟.. هذا كل جُرم أردوغان؟!.                                                                                                                                                  
  وأختم مقالي هذا بالعودة إلى "كفاحي"، حيث يقول هتلر: "إن سلطة الدولة... تقوم على الثقة بالذين يمسكون بالدفة ويديرون الشؤون العامة. وهذه الثقة تكون وليدة الاقتناع بصدق وطنية السلطات وتجرّدها كما تكون وليدة الارتياح إلى نظام الحكم القائم وشرائعه وإلى المبادئ التي يسترشد بها..." ( كفاحي، ص:156).
  وهو ما لا نجده، لا في سوريا، ولا في أي دولة عربية أخرى؟.. ولكنه يبقى حلما نصبو إليه ونتطلّع لتحقيقه







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز