حميد بنيحيى
hamid.benyahya@gmail.com
Blog Contributor since:
30 December 2009



Arab Times Blogs
لن اصوت على الدستور
كغيري من المغاربة وضعت يدي على قلبي وأنا أستمع الى الخطاب الملكي وهو يعلن عن الدستور الجديد للمملكة الثانية ليس خوفا من أن يعلن الملك أنه سيلاحق شعبه بيت بيت زنقة زنقة أو أنه سيتفضل عليهم بالعفو العام مرتين خلال شهر واحد بعد أن يذبح ويكسر العظام ولكن وضعت يدي خوفا من أن يُسلم مغربنا الحبيب لشرذمة من الفاسدين و المجرمين والمرتزقة وتجار المخدرات ممن جادت علينا بهم أحزاب الرداءة والانتهازية وحركات العدم والتخاريف، عندما تكون مغربيا وقريبا من الواقع المغربي سيكون خوفك مبررا ولن تعني لك كثيرا سفسطات وتوصيفات الواقع الافتراضي المثالي لخطاب الأحزاب المنافقة وحركات التغيير العدمية.

عندما تكون مغربيا تعلم أن هاته الأحزاب والحركات لا تهمها فكرة الاصلاح و الذهاب بالمغرب الى ما هو أفضل بقدر ما يهمها شغل حيز المنفعة أو كما نقول نحن المغاربة " بغات حقها فالجامع" ولكم أن تتذكروا كيف كانت أحزاب المعارضة بالأمس ترعد وتزبد في وجه الحسن الثاني ولكن عندما وصلها حقها فالجامع بلعت لسانها ولم تتجرأ حتى على الحولقة -وهي أضعف الايمان- عندما آختار الملك محمد السادس التقنوقراطي ادريس جطو وزيرا أولا خارقا العرف الدستوري الذي بدأ يترسخ مع حكومة التناوب الأولى والثانية.

هذه المرة هذه الأحزاب جلست رابضة كالضباع الانتهازية وهي تنتظر ما سيجود به عليها الحراك السياسي الأخير وكعادة الضباع عادة الانتظار والقناعة بالجيف من الطرائد و دون أن يكون لها فضل الركض وشرف الاصطياد فقد مارست حرب المزايدات فيما بينها و لم نعد نفرق بين اشتراكي تقدمي وبين اسلامي في مزايداتهم على حب الملك والتمرغ تحت الأعتاب الشريفة للملكية.

أما حركات التغيير خارج الأحزاب وعلى رأسها 20 فبراير والتي يمكن تصنيفها أعضائها الى ثلاثة مكونات الأول والثاني لا يهمنا الوقوف عندهما كثيرا بقدر أهمية المكون الثالت :

-1- يسار راديكالي لم يجد له سابقا موقع قدم داخل المشهد السياسي المغربي ولا حق فالجامع وليست له قدرة على التعبئة فنزلت عليه 20 فبراير كفرصة لاشباع عادته الفطرية في الصراخ والرفض والاعتراض و "حرامت القاعة".

-2- حركة العدل والاحسان التي لا تختلف كثيرا عن اليسار الراديكالي الا في نوع الآلهة المسجود لها و في استبدال "بيرية تشيغيفارا" بطاقية دراويش بدأت تنفض عنهم الجموع فكان الانخراط في حركة 20 فبراير لشد عصب الجماعة و شد الوجه المترهل الذي بدأت تجاعيد التيه والانتظارية تطاله.

-3- المكون الثالت والمهم في حركة 20 فبراير هي تلك المجموعة من الشباب المغاربة والذين لن أحكم الا بوطنيتهم وغيرتهم على مغرب متعب عجوز نخر الفساد هياكله طوال 50 سنة وتسلقت الطفيليات الانتهازية جسده لتمتص دمه وتقتات على جسده و لم تنفع معه رحلات الشتاء والصيف التي يقوم بها الملك في ربوعه لترميم ما هدم، لكن عندما أحس الشباب أن العطار لن يصلح ما أفسده الدهر طالبوا باسقاط الفساد على آعتبار أن المفسدين وليس الملك هو سبب العلة فكانت المظاهرة الأولى حيث حملت شعارات "نحبك ايها الملك لكن آنظر حولك" و "الشعب يريد اسقاط الفساد" و صور أصدقاء الملك وغيرها من الشعارات التي حاولت أن تضع خطا وفاصلا فارقا بين الملك ولوبيات الفساد والافساد بالنظام.

فكان الجواب ولا أقول الاستجابة، وأتى خطاب 9 مارس وتم انشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي كخطوة استباقية لمأسسة حكومة الظل القادمة بعد ان تقرر منح هياكل الدولة العظمية للضباع الحزبية التي سترضى كعادتها بالجيف من الطرائد. وهنا تحضرني صورة تلك الحشرات العالقة بشباك العنكبوت والتي يخيل اليك لأول وهلة أنها جثث كاملة لكن سرعان ما تكتشف أنها مجرد قشرة يابسة لجثت امتص العنكبوت محتوياتها ولم يبقى منها سوى هيكل يوهم بوجود اللاموجود. ربما يكون هذا أبلغ توصيف لحقيقة التعديلات الدستورية الأخيرة والتي أعطى فيها الملك كل شيء دون أن يتنازل عن أي شيء، نعم لقد أعطى فيها الملك أشكال وهياكل السلطة وآحتفظ لنفسه بمضمونها و جاز بالمغرب من السقوط في العدمية والغوغائية و الغباء القاتل البريء. نعم تنازل الملك عن وزارات السيادة كالداخلية والخارجية والعدل ولكنه احتفظ بالسلطة على الخارجية من خلال السفراء والتخطيط الاستراتيجي بالمجلس الأعلى للأمن كما آحتفظ بالسلطة على الداخلية عبر عماله و ولاته والضبط الأمني من خلال المجلس الأعلى للأمن كما أحتفظ بالسلطة على العدل من خلال المجلس الأعلى للقضاء.

وعليه فشكلا لم يعد للملك سلطات ظاهرة ولن يجد الآن رئيس الوزراء مبررا للرد على منتقديه أنه لا يملك من الأمر شيئا كما أن آحترام الناس للملك لم يعد متبطا لهم للخروج في وجه الحكومة مادام الاعتقاد أصبح أن غضبهم لن يفهم انه موجه ضد الملك ولكن ضد الحكومة صاحبة الصلاحيات الكاملة وسيتعاطف الكثيرون مع حملة الشواهد والمتظاهرين أمام البرلمان ويطالبوهم بالضغط واحراج الحكومات الحزبية التي ستكون مضطرة للاحتماء بالملك ويصبح الملك هو التجسيد العملي وليس الورقي للفصل 19 كحامي الحمى وضامن الاستقرار والمؤتمن على كل شيء بالمغرب شعبا وحكومة.

وفي كل هذا أين ذهب مطلب اسقاط الفساد؟ ألم يستبدل الذي هو سيء بالذي هو أسوء؟ عندما طالب الشعب المغربي باسقاط الفساد و الاصلاح فانه قصد تسريع وتيرة اصلاحات الملك وتخلصه من محيطه الفاسد ومحاربته الفساد من خلال هياكل النظام وبآليات النظام الحالية التي لها القدرة والامكانيات على التغيير الجذري بحكم سلطاتها المطلقة أي بصيغة أخرى أراد الشعب من الملك أن يكون مستبدا عادلا لتقثهم به وعدم تقثهم بالطبقة السياسية المشكلة للأحزاب الانتهازية ولخوفهم من المجهول الذي تنعب به حركات العدم والخرافة، لكن الجواب لم يكن اسقاط الفساد أو وضع آليات محاربته وانما تم تحويل وجع الرأس الى رأس آخر غير محدد الهوية بداعي الديمقراطية والاستجابة لمطالب التغيير فجاء التعديل الدستوري كأننا شعب نبحث عن الحرية وليس على التنمية.

شخصيا لن اصوت على الدستور لا بنعم ولا بلا لأن مطلب الشعب الذي كان ولا يزال هو "اسقاط الفساد" وليس اسقاط الدستور، اسقاط الفساد الذي يؤدي الى عدالة اجتماعية وعدالة حقوقية ومحاسبة ومراقبة وبالنتيجة نمو وازدهار اقتصادي يقضي على الفقر والبأس والحكرة بمغرب الأحرار.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز