صابر الغلبان
saber_alghalban@hotmail.co.uk
Blog Contributor since:
15 July 2008

 More articles 


Arab Times Blogs
من يحمل مفاتيح معبر رفح

 

عبد الله طالب من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، ويدرس الطب في ألمانيا منذ العام 2006. منذ أن سافر لألمانيا لم يستطع المجيء لغزة لزيارة أهله خوفاً من ألا يستطيع العودة بسبب إغلاق معبر رفح، المنفذ الوحيد للسجن الكبير. بعد خمس سنوات من الغربة، وبسبب مرض والده لم يستطع عبد الله الصبر أكثر مما حدا به لاتخاذ قرار السفر لغز في شهر أبريل الماضي. بعد رحلة مضنية مكللة بالعذاب من مطار القاهرة والحجز فيه ثم الوصول لمعبر رفح تمكن عبد الله من رؤية أهله أخيراً. إلا أن عبد الله لم يستطع السفر منذ ذلك الوقت بسبب الإغلاق المتكرر، والازدحام الشديد على المعبر. تارة تقول وزارة الداخلية بأنه يتعين على المسافرين التسجيل في الوزارة، وتارة على المعبر، وقد حاول مراراً السفر إلا أنه لم يستطع، ويخشى عبد الله أن تضيع السنة الدراسية دون أن يتمكن من السفر.

 

فاطمة تسكن في غزة حيث تدرس في الجامعة الإسلامية، بينما يعيش أهلها في السعودية حيث يعمل أباها هناك. يتوجب على فاطمة أن تسافر للسعودية كل فترة وأخرى لتجديد إقامتها هناك وتعود لغزة لدراستها. إقامة فاطمة انتهت قبل أن تتمكن من السفر للسعودية بسبب المعبر، وهي لن تستطيع الحصول على تأشيرة جديدة للسعودية

 

مثل حالة عبد الله وفاطمة هناك الآلاف المؤلفة من سكان غزة سواء داخل القطاع أم خارجه لم يتمكنوا من السفر أو التنقل بحرية من وإلى القطاع خلال الخمس سنوات الماضية. وفي الأوقات التي يعمل فيها المعبر فهو يفتح لفترات قصيرة جداً ومتباعدة، ويجب أن يكون المسافر – أو المغامر- على استعداد لأن يتأخر في العودة لفترات قد تمتد شهور طويلة قبل أن يتمكن من العبور. وإن كان المسافر من ذوي الحظوة لدى المصريين ولديه واسطة قوية فقد يستطيع السفر بسهولة أكبر نسبياً من غيره. السلطات المصرية من ناحيتها تسمح بدخول الفلسطينيين بالقطارة وتدخل من تشاء وتعيد من تشاء وفي كثير من الأحيان بشكل مزاجي ليس له علاقة بالأمن أو غيره، ومعدل من يدخل في أيام فتح المعبر لا يزيد عن ثلاثمائة مسافر، في حين كان العدد يصل لعدة آلاف في الأيام العادية قبل العام 2000

 ولكن ما الذي أوصل معبر رفح لهذه الحالة ومن الذي يتحكم ويتخذ القرار بفتح المعبر أو إغلاقه.؟ ومن يمر ومن لا يمر؟

معبر رفح تم افتتاحه بعد انسحاب الاحتلال الصهيوني من سيناء في بداية الثمانينيات وبعيد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل. وتنص الاتفاقية على عمل معبر رفح –كما معبر طابا- على العمل على مدار الساعة ولا تغلق المعابر إلا يومين في السنة هما أول أيام عيد الأضحى المبارك ويوم كيبور عند اليهود. بقى الحال على ذلك على الرغم أن من أراد السفر في غزة في الفترة ما قبل العام 1994 كان يتوجب عليه الحصول على تصريح من الحاكم العسكري الإسرائيلي، وكان من الصعب الحصول عليه. بعد مجىء السلطة الفلسطينية إلى غزة في العام 1994 تم إعفاء الفلسطينيين من الحصول على التصريح من الحاكم الإسرائيلي ولكن بقيت إسرائيل هي المتحكم في معبر رفح فعلياً وكانت السلطات الصهيونية على المعبر تتحكم في خروج ودخول الفلسطينيين وتعتقل من تريد على المعبر، على الرغم من وجود موظفي السلطة الفلسطينية الذين اقتصر دورهم على جباية الضرائب ووجود رمزي فقط لا يشكل أي نوع من أنواع السيادة.

بعيد تفكيك المستوطنات الصهيونية من قطاع غزة في العام 2005 استمرت إسرائيل بالسيطرة الغير مباشرة على المعبر من خلال إتفاقية المعابر التي وقعها الإحتلال مع سيء الذكر محمد دحلان ممثلاً عن السلطة الفلسطينيية. من خلال تلك الإتفاقية أحكمت إسرائيل سيطرتها الغير مباشرة على حركة الدخول والخروج من وإلى غزة، حيث تم تركيب كاميرات مراقبة في كافة أرجاء صالات المسافرين وكانت تبث بشكل مباشر للصهاينة في منطقة كرم أبو سالم، كما تم ابتداع فكرة المراقبين الأوروبيين الذين كانوا وكلاء للاحتلال، حيث كان الإحتلال يتحكم في حركة المعبر من خلال الضغط على المراقبين كي لا يأتوا للمعبر وبالتالي لا يتم فتحه في ظل غياب المراقبين الذين كانوا يبيتون في إسرائيل. بالإضافة لما سبق فقد كانت إسرائيل تتحكم في من يمر أو لا من خلال ربط أجهزة الكمبيوتر في المعبر مع غرفة المراقبة الصهيونية. الموظف الفلسطيني كان يمسك بجواز سفر المسافر ويضعه على سكانر لتظهر صورة الجواز لدى المراقب الصهيوني فوراً الذي كان يقرر دخول أو منع المسافر أو حتى اعتقاله.

بعيد أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليط على حدود قطاع غزة قبل حوالي خمس سنوات قامت إسرائيل بإغلاق المعبر لفترة استمرت حوالي الشهرين كعقاب جماعي للفلسطينيين. وبعيد سيطرة حماس على مقاليد الحكم في غزة في العام 2007 قامت بطرد المراقبين الأوروبين من المعبر، وإزالة كاميرات المراقبة وبالتالي أزالت ما تبقى من السيطرة الصهيونية على المعبر حسب اتفاقية 2005 المهينة، علماً أن تلك الإتفاقية كانت تنص على أنها تسري لمدة عام فقط ثم ينظر في تعديلها أو تغييرها، ولكن كل شيء مؤقت يصبح دائم لدى اليهود إن كان في صالحهم.

منذ ذلك الوقت اتخذت إسرائيل المعبر والإغلاق كنوع من العقاب الجماعي والحصار على قطاع غزة بعد فشلها في إعادة الجندي الأسير. من ناحية الفلسطينيين فقد أصبحوا لأول مرة يتحكمون في المعبر من الجانب الفلسطيني، وبالتالي لم تستطع إسرائيل السيطرة على المعبر من الجانب الفلسطيني لأن ذلك يتطلب إعادة إحتلال الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر، الأمر الذي ترفضه المحافل الأمنية الصهيونية. ولكن إسرائيل استطاعت الإستمرار في إغلاق قطاع غزة عن طريق التعاون مع نظام مبارك البائد، حيث أصيح الجانب المصري يعمل كوكيل للاحتلال ويغلق المعبر من الناحية المصرية وبالتالي لا يستطيع الفلسطينيون السفر وإن كان باستطاعتهم المرور عبر الجانب الفلسطيني. في تلك الفترة إزدهرت صناعة الأنفاق التي تم استخدامها كممرات أرضية بديلة تستخدم لدخول التجارة والبشر وكل شيء. حماس استفادت من الوضع عن طريق جبي الضرائب من أصحاب الأنفاق، بالإضافة لامتلاك حماس لأنفاق خاصة بها وبرزت طبقة من الأثرياء الجدد أصحاب الأنفاق على حساب أصحاب رؤوس الأموال والتجار الحقيقيين الذين خسروا أعمالهم نتيجة الحصار.

بعد زوال نظام مبارك استبشر الفلسطينييون خيراً بالنسبة لانهاء الحصار وخصوصاً مع تصريحات حكام القاهرة الجدد، وقبل أسبوعين تم فتح معبر رفح من الجانب المصري وهلل الإعلام لتلك الخطوة كما ابتهج الفلسطينييون في غزة وخرجوا في مظاهرات تأييداً لمصر. تلك النشوة لم تدم طويلاً حيث في اليوم التالي عادت ريما لعادتها القديمة وتم إغلاق المعبر والتحجج بأعذار واهية مثل وضع أخشاب قرب بوابة المعبر من الناحية المصرية بحجة ترميمه والطلب من المسافرين الذين في مجملهم كبار في السن أو مرضي المشي على الأقدام مسافة طويلة مع ما يحملونه من أمتعة وغير ذلك من المعيقات التي جعلت حركة المعبر في ظل نظام الثورة أسوأ من النظام السابق!
ماذا حدث ولماذا تبدل الوضع للأسوأ بين ليلة وضحاها؟

ماحدث أن إسرائيل لم يعجبها أن تقوم مصر بفتح حدودها من معبر رفح، رغم أن ذلك غير مخالف لأي قانون دولي بل العكس هو الصحيح، كما أن الأمر غير مخالف لاتفاقيات كامب ديفيد التي تنص على فتح المعبر 24 ساعة في اليوم على مدار السنة ، ولكن لأن إسرائيل لا تستطيع إغلاق المعبر من ناحية الفلسطينيين دون تدخل عسكري فهي اختارت إغلاق الباب الخلفي وهو جهة مصر من المعبر، والعذر أن فتح المعبر سيسمح بدخول الأسلحة والإرهابين لغزة – على حد تعبير المصادر الصهيونية- وكأن من يريد إدخال قذيفة أو سلاح سيحمله بيده ويذهب للمعبر للمرور به!

طبعاً إسرائيل اتجهت لأمريكا فقام الكلب المطيع أوباما بالضغط على الحاكم المصري الذي أمر بإعادة إغلاق المعبر بحجج واهية

من هنا يتضح جلياً أن إسرائيل هي المسيطر فعلياً على المعبر وأن النظام المصري الجديد لا يختلف عن القديم إلا في الشكل والإسم فقط، لأنه أحنى ظهره لأمريكا في أول منعطف.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز