مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا-تركيا / سوريا-إيران، والعلاقات غير الطبيعية
منذ قيام جمهورية إيران الإسلامية، وخاصة منذ اندلاع الحرب بين إيران والعراق، أقامت سوريا تحالفاً مع إيران الإسلامية ضد العراق البعثية العربية الاشتراكية، وكم أذهلنا وقتذاك هذا التحالف "غير الطبيعي" ؟
أذكر وقتها أن طلابي في الجامعة ناشدوني بإلقاء الضوء على هذا الاقتتال بين بلديْن "عربييْن" العراق وإيران، في ذلك الحين لم تكن ثقافة الأوربي، تسمح له بالتمييز بين المسلم والعربي. ترددت كثيراً وتألمت أكثر حين اضطررت لذكر ما أؤمن به وما آمنت به، ليس لسبب طائفي ! أبداً... فالعرب دعموا مصدّق الشيعي في إيران وعادوا الشاه الشيعي في نفس البلد غير العربي، فمعاييرنا كانت العروبة، ليس إلاّ. استمرت هذه العلاقة السورية - الإيرانية غير الطبيعية ليومنا هذا، برغم كل الأحداث التي كان عليها إسقاط هذا التحالف غير الطبيعي.
 
منذ أقل من عقد، وبعد عداء كبير بين سوريا وتركيا، ظهر تحالف جديد بين البلدين، لم يعارضه السوريون عموماً لأنه كان تحالفاً مصدره رفض تركيا إقلاع طائرات حلف الناتو من بلادها وعدم استعمال أراضيها لقصف العراق في العام 2003، وقتها كانت سوريا من أكبر المعادين والمواجهين للحرب ضد العراق. هل كان هذا التحالف طبيعياً ؟ لا، برأيي لم يكن كذلك، كان على النظام السوري عدم نسيان أن تركيا الجديدة إسلامية بحجاب علماني وستار ديمقراطي، لكنها مازالت عثمانية المطامح الاستعمارية في منطقتنا.
 
بكل أسف وصدق أجزم، أن علاقات سوريا مع إيران لم تكن طبيعية وليست طبيعية، فكل شيء بين النظاميْن مختلف :
إيران فارسية وسوريا قومية عربية - إيران دولة دينية وسوريا دولة شبه علمانية - إيران دولة بدون فكر إقتصادي بينما سوريا تدّعي الاشتراكية - إيران تكره حزب البعث وتلاحق أعضاءه وسوريا دولة يحكمها "دستورياً" حزب البعث - إيران تعتبر أن الجزر الإماراتية وعربستان أقاليم إيرانية وسوريا تعتبرها عربية. لم يُفهَم إطلاقاً مدى مصداقية هذه العلاقة سوى لقاء الدولتيْن على أحقية تحرير فلسطين ودعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية، خاصة حينما تحدّت سوريا دول الخليج العربي وإيران بوقوفها ضد الحرب على العراق 2003.
جزم لي أحد الزملاء أن ما يجمعهما هو العقيدة (الإثنى عشرية) التي تجمع الشيعة والعلويين، وأن هدفهما هو تحقيق هلال شيعي يجمع إيران وجزء من العراق وسوريا وجنوب لبنان. كم سخرت من هكذا تحليل، ومازلت أسخر، لعدم إيماني بالطائفية المقيتة، وربما لسذاجة تفكيري بأننا في عصر لا يسمح للفرد أن يتعصّب عرقياً أو دينياً أو طائفياً أو فكرياً، بل أن يحصر ثقته بالإنسانية دولياً وبالمواطنة الكبرى وطنياً وقومياً، مواطنة لا يعلو فيها مكون على آخر.

بكل حزن أؤكـّـد، أن العلاقات بين سوريا وتركيا ما كانت طبيعية، ليست ولن تكون في أي لحظة كذلك ، تركيا بلد يعتبر نفسه أوربياً، وسوريا تعتبر نفسها قومية عربية بل (قلب العروبة النابض). كما أن شيئاً من الكراهية ساكن في أعماق كل سوري بسبب التاريخ العثماني البغيض وبسبب سلب لواء اسكندرون من سوريا ومنحه من قبل المستعمرة فرنسا كهدية لتركيا. كانت العلاقات دائماً متأزمة بين تركيا وسوريا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكم عانت سورية من خوف اجتياحها من تركيا بسبب شؤون عربية، كمناسبة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وأثناء أزمة المناضل الكوردي أوجلان، ولأسباب متعلقة بالعدو الصهيوني المتحالف حتى اليوم مع تركيا ؟ نعم، لتركيا علاقات متينة وعميقة وتاريخية مع العدو الجرثومي، بينما سوريا دولة عربية تحتضن المقاومتيْن اللبنانية والفلسطينية ضد المحتل الغاصب لفلسطين الغالية.

تقربت تركيا من المشرق العربي واتخذت نظاماً إسلامياً "وسطياً" وأخذت تعشش في بلادنا العربية منذ 2003 بعد أن رُفض نهائياً طلب انضمامها إلى الاتحاد الأوربي، أقامت علاقات طيبة مع سوريا وقامت بتطويرها بخبث عثماني كبير، بينما سوريا تعاملت مع تركيا بعاطفة عربية بلا مصلحة. اندهش العرب إيجابياً وعاطفياً من موقف أردوغان في دافوس الذي لم يكن سوى تصريحاتي، وحيّوا مواقفه ضد العدو بمناسبة أسطول الحرية التي نظمها أجانب وأتراك-أمريكان وعرب لدعم غزة، فقامت قيامة العرب العفوية السطحية التلقائية، وبدأوا بشبه تأليه أردوغان العثماني. تطورت الأمور في سوريا عام 2010 ففتحت تركيا حدودها وألغت تأشيرات الدخول، وعمّ الفرح عند الطرفين : تركيا شعرت بأن لا مطالبة ممكنة للواء اسكندرون، وسوريا انتهت من مشكلة اللواء، وكأنها استعادته بفضل إمكانية التبادل بين أبناء اللواء والوطن الأم.

عاطفة بشار الأسد العربية غلبت على مصالحه السورية والعربية. لم يأبه بشار  لكون أردوغان ذا عقيدة إسلامية قوية، وبالتحديد من المذهب السني كما كان الحال في عصور الخلافات وخاصة الخلافة العثمانية. لقلة خبرته في الشؤون السياسية الدولية الكبرى، كبقية حكام العرب، لم يول بشار اهتماماً لكون اردوغان له مطامح بوضع سوريا بجعبته، تخوفاً من أكراد سوريا والعراق، وتخطيطاً لدعم حكم إسلامي على طراز الزمن العثماني البالي. لم يعط بشار  أهمية لكون تركيا مازالت عضواً فعّالاً في الحلف الأطلسي وحين امتنعت عن السماح بضرب العراق انطلاقاً من أراضيها، كان ذلك (لغاية في نفس جاكوب)، كون علاقاتها مع إسرائيل مازالت قائمة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. غاب عن تفكير بشار أن تحالفه مع تركيا لن يصل لمستوى قوة تحالف تركيا مع العدو الصهيوني. باختصار انتصرت العاطفة العربية المعهودة عند بشار الأسد على المصالح الاقتصادية والسياسية والمالية والاستراتيجية التي تسكن أعماق نفس أردوغان وحزبه الإسلامي. 

في العام 2008/2009، بعد اجتياح غزة وموقف بشار المشرف بعقد مؤتمر قمة لدعم قطاع غزة المُجتاح في الدوحة، بدأ أردوغان يلعب دوره في سوريا، وبدأت نصائحه لبشار وللإخوان المسلمين تتوالد، ليقرّب وجهات نظر الطرفين، طامحاً قبل كل شيء بإعادة أهمية الإخوان المسلمين "السنـّـة" إلى سوريا وإلى المنطقة. بادر الإخوان بانفصالهم عن عبد الحليم خدام وأعلنوا بنوايا خفية عن  دعمهم لمواقف بشار الأسد، مطالبين بعودتهم إلى سوريا بشروط. قام أردوغان بإقناع بشار بالسماح للإخوان بالعودة إلى سوريا مقابل ألاّ يتدخلوا بالسياسة، لم يرفض بشار الأسد طلب أردوغان، لكنه كعادته تماطل بالرد.

جاءت أحداث تونس ومصر ووصلت عدواها إلى دمشق ثم إلى درعا ثم إلى مدن أخرى كـ (حماة وجسر الشغور) وحمص وبانياس ومناطق الأكراد خصوصاً، اعتقد أردوغان أن النظام قد اهتز، فأوحى للإخوان المسلمين بدخول "المعمعة" وكانت مجازر جسر الشغور التي عانت من رفعت الأسد ما عانته حماة من مجازر وبطش وفتك بالبشر والحجر. كون جسر الشغور هذه كانت معقلاً صغيراً لجماعة الإخوان، ولقربها من الحدود التركية، قامت تركيا بدعم الإخوان تحديداً. حصل ما حصل خلال حوالي أسبوعين من تشريد أهالي جسر الشغور، ومن نزوح أهالي المقاتلين إلى تركيا. قمعت فرقة ماهر الرابعة ما قمعت، وقمع المتمردون ما تمكنوا من عناصر جيش وشرطة وأمن، وتمّ الحديث عن مجازر في هذه المدينة الريفية.

لم يفلح أردوغان لا بانعقاد مؤتمري أنطاليا وإنطاكية، ولا بدعم جماعة الإخوان، لهذا لوحظ تردّد في مواقفه، من مشاورات مع "صديقه بشار"، لنصائح بالإسراع بالإصلاح، لمطالب وصلت لحد التهديد بمؤازرة التدخل الخارجي. ولم يفلح بشار أو من يحكم سوريا فعلياً من فرض رؤاهم على أردوغان برغم زيارة مبعوث "الرئيس" بشار الأسد مؤخراً، ورفض تركيا عودة اللاجئين غير الراغبين بالعودة.

في نفس الوقت، لم ولن يتحرك الحليف الاستراتيجي إيران الذي أعلن عن أحقية المطلب الوحيد، وهو (إلغاء المادة 8 من الدستور) وانهيار حزب البعث. لم يفهم نظام سوريا أنه في السياسة الدولية العليا لا يوجد صديق أبدي، وحتى اعتماده على روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا ليس مُبرراً. ثم ما هو وزن إيرن ليتمّ التعويل عليها ؟

لم ولن تتحرك الدول العربية لحماية الشعب السوري من التدخل التركي، ولا من إرسال وفد تفاوض بين قادة المحتجين والنظام، وتـُرك رئيس سوريا وحيداً يُواجه متظاهرين شرفاء بريئين عُزّل يطالبون بالحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية، برقابة مقربين أقوياء في الجيش والأمن والمخابرات، لا يُطبقون مراسيم الرئيس الشاب المنفتح المتحرر. متحرّر عقل بشار، لكن هل هو حرّ في منصبه ؟

يـُواجه سوريا إخوان مسلمين في منتهى التعصب برغم تصريحاتهم، (وما تسمية مظاهرة الأمس بـ إبراهيم العلي، سوى اعتراف مقنع بطائفية من يحرض على التظاهر). الإخوان المسلمون خطر كبير على مستقبل سوريا، لا يقلّ عن خطر رفعت الأسد وعبد الحليم خدام. من واجب كل مثقف أن يعلن ذلك دون كلل ولا ملل. الحرص والحذر والعاطفة دفعت إعلام سوريا، احتراماً لمشاعر حزب العدالة التركي، لتسمية عصابة الإخوان المسلمين في جسر الشغور، بـ العصابات المسلحة . تواجه سوريا مجتمعاً دولياً بكل العقوبات التي أنزلها على شركات وشخصيات سورية، بما فيها الرئيس بشار الأسد، وتواجه أخيراً هذا المدّ العثماني الممثل بأردوغان الذي ألـّهَهُ العرب من مشرقهم لمغربهم.

كان الله مع شعب سوريا، وحمى شبابها وكهولها ونسائها ورجالها، من كل الأعراق والأديان والطوائف والمشارب الفكرية... حماك الله يا سوريا من تدخل الناتو عن طريق تركيا العثمانية العضو في حلف الأطلسي، وحماك من تهوّر القامعين الفاسدين المقربين من الرئيس الشاب الذي يُشـَـكّ بإمكانيته على التحكم بالوضع الأمني حالياً، خاصة وأن الدول الأوربية أعلنت أنها لا تمانع من حدوث انقلاب عسكري دون تحديد لصالح من سيكون.

خبثٌ من كل مكان يهدف لإسقاط النظام القامع برئيس منفتح مغلوب على أمره... غيابُ بحثٍ عن بديلٍ يحكم سوريا بحنكة مُعاوِياتِيّة، إن سقط النظام، اللهم إلاّ إن كان هذا البديل هي جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من النظام التركي، والتي تهدد كل الأقليات الدينية والطائفية في سوريا الغالية.

لننتظر... لنراقب بحذر... لنرى إن كانت مطالبنا بعودة لاجئي سوريا من تركيا ستتحقق، إن كان الأمن سيعمّ سوريا بكل مكوناتها دونما استثناء، إن كانت طموحاتنا بالحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية التنافسية ستحقق. إن تحقق هذا، فلابدّ من قبول التغيير، وإلاّ فالندم سيكون كبيراً. 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز