الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
خــواطر حول الدستور المغربي

قبل أن يُــحال مشروع مسودة الدستور " الجديد " إلـى أمنــاء الأحزاب السياسية قُــلـتُ في نفسي : لعل الأحزاب ستكون لهـا كلمة في الصياغة النهاية للدستور و قــد تحاول الاحتجاج على بعض المطالب التي أدرجتــها في ديباجة تقديم المقترحات و لـو على سبيل إثبات قدرتها السياسية على المعارضة النسبية ، لكن كما أكدتها الأيام الطوال و التجربة السياسية المغربية لــم تُــخلف الأحزاب ميعادها في التسليم و الانحناء بنفس الطريقة التي عودتنا في التعاطي مع الملفات الفوقية ، في كل مـرة تقدم شهادة حسن السيرة لنيل الرضى فتثبت من جديد أن لا وظيفة للأحزاب غير التصفيق و التنميق ، بل و يتنافس الزعماء⁄ زعموا على تصدر التطبيل و التلفيق تماما كمـا كان حالهم إبان إصدار خلاصات حول ما سمي بخطة إدماج المرأة في التنمية فابتلع الجميع النتائج و راح كل حزب ينتصر لمطالبه التي تحققت حسب زعمهم ، لا أدر متـى ينتهي هـذا المسلسل السياسي الانبطاحي الذي حول الكيانات السياسية إلـى لقاحات ضد الشعوب ؟ مشكلة .

 أصبح الجميع يتحدث عن الدستور الجديد و حلم البعض بملكية برلمانية تعزز دور السلطة التشريعية و معارضة تراقب فعلا الحكومة و بقضاء مستقل نزيه و بقانون يُتابَع بموجبه الجلادون و المفسدون ... حُلم تصور البعض دستورا يضع حدا للهيمنة العمودية و يقطع مع منطق التمركز و تحكم السلطات ، فوجدوا تكريسا للصلاحيات المطلقة (رئيس المجلس الوزاري ،سلطة حل البرلمان، تعيين رئيس المحكمة الدستورية ونصف أعضائها، القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ورئيس المجلس العلمي الأعلى،رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إعفاء الوزراء ... )، ثــم جــالَ الفكر بعيدا ليرسم خريطة أخرى للمغرب ، مغرب العدالة و الكرامة و الحرية و العيش الكريم ، خريطة لا تعثر فيها على تضاريس البؤس و الحرمان و البطالة المستفحلة و الرشوة السائدة و الفساد الإداري و تسلط رجال الدولة و اختطافات بالجملة و اهانات يومية ... وهـم كنتُ دائما أتعجب من خطابات الرسميين بالبلد و أدهش من كثرة المفردات و نحت المصطلحات و تطنيب المعاني فتــزداد حيرتي و أتساءل من أين يصيغون الترسانة المفاهيمية ؟ و هــل أصبح لدينا غورغياس مغربي و بروتاغوراس مغربي و جماعة سفاسطة مغربية يتيهون بالقارئ في أوحال الاستغراق اللغوي و التنوع المصطلحي ؟ 

 حينمـا توجهتُ إلـى أدبيات منظومة التربية و التكوين ( الميثاق و الكتاب الأبيض و الدلائل البيداغوجية ... ) بدأتُ أُحوقِل مع نفسي و أدركُ أن الفيلسوف طه عبد الرحمان في ( سؤال الأخلاق ) أخطأ حينما وصف حضارة الغرب بأنها "حضارة قول" ! أخطأ لأن بجانبه حضارة لا تقل عن دبج الكلام , غريب لــكن دعونــا نصارح أنفسنـا و نحكي عـن الجد ، هــل يــا تــرى فَــهِــمَ المغاربة ( و لا أتهم ) ديباجة الدستور الجديد مع مــا فيه من كلام سياسي و قانون دستوري ؟ و أنـا أتحدث عن المغاربة بكل أطيافهم و تكويناتهم و تشكيلاتهم و طبقاتهم الاجتماعية و الاقتصادية ، هـل استطاعوا أن يستوعبوا المضامين و فلسفة الدستور مع سيادة الأمية الأبجدية في الأغلبية من جهة و الأمية السياسية من جهة أخـرى ؟ هـل يكفي أن نعرف أن المغرب تحول إلى " نظام ملكي دستوري، ديمقراطي برلماني واجتماعي" و أن " النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة و التشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة."

هــل يكفي ذلك ليكون المغرب قد قــطع مع الماضي السياسي و السلوك الاحتوائي و ركبَ قطار التنمية الحقيقة ؟ هــل فعلا نحن أمـام دستور تنزيلي أم تبريري ؟ ما الذي يضمن عدم عودة الانتهاكات الجسيمة و إفلات أباطرة المفسدين من المحاسبة و قضاء إلحاقي غير مستقل و تكميم الأصوات الحرة – و ما قضية رشيد نيني ببعيد – ما الذي يضمن ذلك ؟ و هل الجهات التي ستسهر علـى تنفيذ الدستور هي أصلا قادرة على تحقيق ذلك إذا مـا نظرنا إلى ارتباط السلطة السياسية بالمغرب بالمصالح و التوجيهات ؟ كيف لقـد تــحول مشروع الحديث في الأدبيات الرسمية إلـى حديث عن الدستور مفصول عن واقع التدافع الاقتصادي الهش و صار الحديث ينحصر في تعديلات دستورية يعرف الجميع أنـها ستأخذ مكانا في أرشيف المملكة ، و استطاعت الدولة بأسلوبها العريق في المناورة أن تُــوجــهَ الأنظار من مطالب آنية مرتبطة بتحسين الأوضاع الكارثية للمجتمع إلـى مطالب دستورية سيجري عليهـا ما جرى مع الدستور السالف ، و سخـّرت في سبيل تحقيق الغاية الترسانة الإعلامية الرسمية و استغلت إعلاميينا الشغوفين بالبحث في البنود لتحييدهم من ساحة التدافع الاقتصادي التي كانت تمثل الأسس الأولية لحركة الاحتجاجات بالمغرب ،

غابت إذن المطالب الاستعجالية ( البطالة ، الصحة ، الأمية ، الرشوة ، ...) في خطاب المسؤولين و عُــوِّضت بالمطالب الأمدية . دهاء سياسي لكن فلنقل أن الدستور الجديد سيكون له وزن من خلال تقوية صلاحيات البرلمان و رئيس الحكومة و تفعيل آلية الرقابة و المحاسبة و ضمان انتخابات نزيهة و احترام الحريات ... تُــرى هــل سيغير ذلك من طبيعة العقليات السائدة في المجتمع و ينمي فيهـا المسؤولية و احترام الآخرين و يفرض على الناس الالتزام بالأدب و بأخلاقيات العمل و يُــغيِّـر من أسلوب حياة الآخرين القائمة على الفوضى و الصراخ و نهب الآخر ... بمعنى آخر: هل لهذا الدستور مدخل للإصلاح غير المدخل التشريعي ؟ أم أنـه يراهن على بناء المجتمع من خلال جهاز الدولة التي انفصلت عنه و راحت لا تخاطبه إلا في مواسم الانتخابات و الأوقات الطارئة ؟ جفاف ... سيستمـر في رأيي كل شيئ من الاستئثار بالسلطة إلى التهميش الاقتصادي إلى الفساد الاجتماعي إلى التبذير المالي ، و بكلمة : تغيرت الأشكال و بقيت الأركان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز