فالح المالح
diegomaradona_100@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 May 2011



Arab Times Blogs
انا عم احلم

بعد ان رنت ساعة المنبه عند السادسة صباحا اعلانا ليوم جديد , قمت من فراشي الدافئ الوثير ونظرت من شباك غرفتي الذي يطل على مزرعتي الخضراء المليئة بصنوف الفاكهة والخضار وبيت كلبي الذي يحرسها , مددت يدي اسفل صنبور الماء ليتدفق اليهما الماء واغسل وجهي فهي تعمل بالاستشعار ويملك جميع جيراني مثلها , لا اقلق كثيرا على ضياع المياه هدرا فبلادي فيها من الينابيع الجوفية ما يكفي لسقي مدينتي بأكملها , غسلت وجهي ونشفته بالهواء الساخن وفتحت ثلاجتي محتارا ماذا اكل؟

 

لدي صنوف كثيرة من الطعام مخزنة جميعها في اكياس بلاستيكية مفرغة من الهواء وصحية وثلاجتي تضبط الحرارة اوتوماتيكيا وتطلق انذارا ان فسد الطعام بداخلها , وضعت قليلا من الزبدة في شرائح الخبز التي اخذتها من حافظة الخبز , وهي مكان مخصص لحفظ الخبز طازجا , ونظرت الى ساعتي واذ موعد عملي يقترب , تناولت الطعام على عجل وقمت بغسل فمي واسناني وانا اهم بالخروج تفاجأت بأنني تركت باب  شقتي مفتوح منذ الامس لشدة تعبي لم استطع اغلاق الباب لكني اعلم ان الامن والامان يعمان في بلدي ولم يحدث قط ان اعتدى احد على احد او سرق احد احدا

 

 اخرجت سيارتي من المراب وتوجهت الى عملي , وفي طريقي الى العمل اتأمل منظر الطريق نظيفا مرتبا والاشجار تحيطه من الجانبين والاعشاب مقصوصة ومنسقة والطريق انسيابي لا يوجد به حفر ولا عوائق واكاد اشعر بأن سيارتي متوقفة من كثرة هدوئها على الطريق , احب التزام سكان المنطقة بالقوانين المرورية فهم دائما يتقيدون بالسرعة ولا يتجاوزون بعضهم البعض ويحترمون العلامات الارشادية للطرق , وانا في طريقي لمحت امرأة معها عربة فيها طفلها الرضيع تحاول ان تعبر الطريق فما كان مني الا ان توقفت واومأت لها بالعبور فتبسمت في وجهي وعبرت

 

تابعت المسير حتى دخلت المدينة حيث كل شيء منظم ومرتب كالساعة وقفت عند اول اشارة مرور سلمت على شرطي كان يقف عند الزاوية , فسلم علي وابتسامته تعلو وجهه وجميع من في الطريق يحترمه لانه يطبق القانون بحذافيره ولا يأخذ اية مقابل مادي او رشوة , وصلت الى عملي ف استقبلني الحارس عند الباب واخذ مفاتيح سيارتي وقام بركنها في مكانها المخصص كما في كل يوم , مررت بطاقتي الممغنطة عند الباب ووضعت بصمتي ففتح الباب ودخلت الى مكتبي وسلمت على جميع من فيه

 

 يشاركني المكتب اربعة موظفين اكفاء من اصحاب الشهادات واللائقين تماما لمناصبهم وكل منهم من طائفة فهذا سني وذاك علوي والاخر مسيحي والرابع علماني ولكنني لم اذكر ابدا اننا تكلمنا في هذا الموضوع او تناقشنا فيه , فكلنا نملك الاحترام لبعضنا البعض , حتى علمائنا ووجهائنا وكبارنا كانوا دائما ما يشجعوننا على التواصل والتحابب وعدم الخلط بين الديانات , نعمل جميعنا كفريق عمل واحد متكاتفين وكل يتمنى الخير لاخيه كما يتمناه لنفسه ولم نلمس يوما احدا يهمس في اذن اخر ولم نعهد احدا ينم على الاخر او يوبخه او يعاتبه , فالمصلحة المشتركة هي انجاز عملنا بروح الفريق دون اي تأخير او ابطاء

 

 نحترم رؤسائنا في العمل جدا ونقدرهم وننصت اليهم وناخذ بمشورتهم فهم قدوتنا وحتى وان وبوخونا فاننا نشعر بالندم ونحاول ان نتجاوز عن الخطأ لنكون افضل , يأتينا الزبون فنقوم بإنهاء معاملته دون ابطاء , وليس عليه ان يقلق كثيرا فكل شيء هنا مؤتمت ولا نقوم بالاعمال اليدوية الا نادرا , هي بضع لحظات وينتهي كل شيء ليخرج المواطن من عندنا سعيدا يملؤه السرور , لا يقوم الزبون بدفع اية رسوم فكلها يدفعها من بيته دون اية عناء وروتين , جميع فواتيره مؤتمته والموظفين كلهم متواجدون لخدمته والرد على تساؤلاته على مدار الساعة فهم يعملون باخلاص منقطع النظير

 

انا وزملائي نتقاضى اضافي وحافز عن كل ساعة عمل اضافية ناهيكم عن المكافات التشجيعية والبوانص وتذاكر السياحة والسفر ورحلات العمل والرفاهية ففي كل سنة وكمكافأة للعاملين في الشركة نذهب في رحلة الى دولة نختارها يتم الاقتراع عليها واختيارها الكترونيا من جميع العاملين وذلك لكي ننفض عناء عام منصرم تعبنا فيه , غدا هو يوم عيد الفصح , شركتنا اعطت جميع المسيحيين فيها اجازة مدفوعة الاجر وقمنا بتهنئة اخواننا المسيحيين بعيدهم وتمنينا لهم اعيادا مجيدة , فكم فرحوا لهذه المبادرة الرائعة وكم فرحنا نحن لفرحهم

 

 نخرج من عملنا لنجتمع في مقهى قريب ونقوم بالنقاش والحوار طويلا حول افكار جديدة لتطوير وتحسين بلدنا , ويشد انتباه الناس الينا فيطلبون مشاركتنا في النقاس ونسيت ان اخبركم ان محافظ المدينة يأتي اسبوعيا الى هذا المقهى رغم تواضعه فيجلس ويجتمع الى الناس ويسجل مطالبهم وياخذها على محمل الجد ويعدهم بتنفذها وامام منزله صندوق شكاوى يخصص ساعات من وقته لقرائتها والرد عليها , يقوم بجولات يومية نهارية يطلع فيها على ما تم تنفيذه من مشاريع مقرره حسب جدول اعماله المعد مسبقا

 

 ولديه مسؤول مالي يثق به يقوم بالتدقيق في كل ما انفق من مال في المشاريع ولديه كشوفات باسعار المواد حتى لا يحصل غش وسرقة لاموال الدولة , هذا المحافظ يحبه الناس لنزاهته وتفانيه في العمل , جاره قاض عادل نزيه لا يبت في قضية الا ويعدل فيها , لديه صلاحيات مطلقة يستطيع فيها استدعاء نجل رئيس الجمهورية نفسه للتحقيق معه ان ثبت عليه ما يشينه , هذا القاضي عضو في حزب في بلد متعدد الاحزاب , ولكن هدف هذه الاحزاب واحد , الا وهو الرقي والنهوض بالبلد والمصلحة المشتركة واخر ما يفكرون فيه هو الصراعات والمكاسب السياسية والشخصية والمالية

 

 ففي كل حزب منهم مقاعد متساوية مع الاخرين وفرصهم متساوية في صنع القرار في الدولة ولا يلغي احدهم الاخر بل يكملون بعضهم بعضا , بلدي كان محتلا ذات يوم من قبل الاعداء وكم ذاق اجدادي من ويلاته وحتى اليوم لا ينسى ابناؤه واحفاده صنيع العدو بهم فلا يمكن ليد اية مواطن ان تتلوث بيديهم , وهم لا يستطيعون اقتحام وحدتنا ابدا لاننا متكاتفين , لهذا لا نرضى التطبيع معهم ولا مع من عاونهم , قرارنا سيادي مستقل

 

 اعود الى منزلي لاخذ قسطا من الراحة وافتح التلفاز لارى الاخبار المحليه والعالمية , جميعها تتحدث عن مشاريع خيرية هنا ومشافي خيريه هناك , واموال للتطوير هنا , واخرى للتحديث هناك , ووعود بمزيد من الرقي والنماء والرخاء تترجم على ارض الواقع , وتكريم متفوقين في مدارسنا وجامعاتنا وهم بالالاف سنويا لان نظام التعليم لدينا صارم وطلابنا لا يهملون من قبل اهاليهم ويتركون للالعاب الالكترونية والبلاك بيري والشات

 

 بل علمهم اهاليهم كيف يستثمرون اوقاتهم فيما هو مفيد للمجتمع فتراهم في الصيف وبعد انقضاء الدراسة يتفرغون للدورات التدريبية والعمل التطوعي وترى مؤسساتنا فاتحة ابوابها لهم على مصراعيها دون ان تميز بينهم عرقيا او دينيا , فهم كلهم سواسية ويتنافسون بشرف للحصول على امتيازات اكبر من بلدنا , طلابنا علمناهم كيف يحترموا مدرسيهم ولا ينشغلو اثناء الدرس , ومدارسنا تخصص الكثير من اوقات الدوام لتطبيق ما تدرسه على ارض الواقع حتى ترسخ المعلومة في ذهن طلابنا وهي ايضا لا تحرمهم من الرحلات الترفيهية المسليه بين الحين والاخر

 

يطرق جيراني بابي فارحب بزيارتهم ولا ينسون دائما منحي قسما من اطباقهم التي طهوها لكي يشاركونني بها , وعند حلول المساء , اتصل بأخي الذي يعمل سائق سيارة اجرة لكي اطمئن عليه فاراه سعيدا بما رزقه الله من مال حيث ان سيارته المؤجرة يتم ملؤها بالوقود وصيانتها على حساب الشركة المؤجرة مع نسبة ارباح قليلة تستوفى منه كل شهر وتيسيرات في الدفع , وشقته الجديدة التي اشتراها له البنك حصل عليها بسهولة ودون تعقيدات روتينية وبدون فائدة وعلى اقساط ميسرة جدا كما انه ثمنها يسقط عنه في حال الوفاة ... لم يكد ينتهي الحلم حتى استيقظت في عالم اخر

 

استيقظت من سريري المعدني المتهالك الذي يصدر صريرا مزعجا كلما تقلبت على جانبي , لارى المروحة فوقي تدور بقوة واشعر بألم في رأسي , ساعتي المنبهة لم ترن لانها فرغت من البطاريات ونسيت ان استبدل بطارياتها , فتحت صنبور الماء لارى حكومتنا الرشيدة قط طقعت الماء , احاول اضائة مصباح مراتي فاتفاجأ بقطع الكهرباء ايضا , احاول ان استرق ثبابي من العتمة لاجد ان رائحة العرق تفوح منها ولم تغسلها زوجتي لعدم توفر المياه في شقتنا , نزلت الى الشارع لارى الرصيف متكدس بالسيارات بعضها فوق بعض واصوات ابواقها تزعج الناس

 

  بحثت عن سيارتي فلم اجدها وتذكرت انني كنت قد اخذتها الى الصيانة بعد ان نزلت في حفرة كبيرة من المجارير كانت البلديه قد تركتها مفتوحة مما تسبب في عطلها , اشرت الى التاكسي ليوصلني الى عملي واذ به يلقي الي بمحاضرة طويلة عن الفقر وضيق العيش ليحاول اجترار المال مني اجترارا ولا يتكرني الا وقد اخذ مني ضعفي الاجرة , مدخل عملي مليئ بالتراب جراء اعمال الحفريات المجاورة له ولا سبيل للدخول الا بتلويث حذائي الذي لمعته صباحا

 

 نصف الموظفين لم يحضر بعد ومكتبنا فيه ثلاثة طاولات و ثماني موظفين والة لاعداد القهوة وكمبيوتر قديم متهالك وجرايد قديمة مفتوحة على صفحة الكلمات المتقاطعة والاف من المعاملات والملفات المترسة والمهملة على الطاولات واثار اكواب الشاي والقهوة تغلف الاوراق وسباب المراجعين يملأها بالاسفل ومديري من الطائفة الفلانية يميز زملائي من طائفته ويظلمني بشده ويحرمني من الترقيات والعلاوات على الرغم من انني اكثر من يعملون في هذه الدائرة

 

 اما زملائي الاخرين فمنهم من يقضي اسبوعا كاملا دون عمل ومع ذلك يتقاضون مرتباتهم كاملة , اعود الى منزلي بعد عناء يوم العمل لاجد على بابي فاتورة الكهرباء لهذا الشهر فيها رقم ثقيل جدا لا ادري من اين اتى , اتوجه لسدادها في اليوم التالي فاتفاجأ بطوابير من الناس لا تعد ولا تحصى في مكان ضيق لا وجدران مهملة وموظف واحد فقط يقوم بجباية الاموال من الناس مع الاحتفاظ بالفكة في جيبة , اعود الى المنزل لارى جيراني الملاصقين لي في نفس الطابق وقد القوا بكيس قمامتهم وقد انبرى على مدخل شقتي وعليه هرتان تاكلان ما بقي من فضلات الطعام داخله في منظر مقزز , ومقرف

 

مع ان جاري يعمل في مهنة محترمة الا انه سيء الخلق , قدمت الكثير من الشكاوى ضده لبلديتنا فلم تستجب لي , قررت الذهاب الى محافظ مدينتنا وبعد عناء كبير ومرور بدوائر امنية وتحقيقات سمح لي بزيارته لربع ساعة , وعندما اخبرته عن حالتي ربت على كتفي ووعدني بحل قريب , مرت ايام وشهور ولم اشعر بأي تغيير , جلست في القهوة اروي لصديقي ما حصل فقال لي ( فلان ما غيرو ) انصحك بالابتعاد عنه , فواسطته كبيرة وسوف يضر بك حتما ان عرف بالموضوع , في زجاج سيارة اخي سائق الاجرة مئات المخالفات بطعمة وبلا طعمة وحان وقت سداد قسط سيارته الشهري وهو لا يملك ربع هذا القسط , وينفق مدخوله كله في البانزين الذي يرتفع سعره دوريا , فيلجأ الى فلان ويستدين ما تيسر له من المال وتكبر ديونه يوما بعد يوم وانا مستغرق في التفكير في حل لمشكلتي ومشكلته , جلست بجانب شباك غرفتي المطل على الشارع المتسخ المليء بحاويات القمامة المفتوحة من الجانبين والزبال الذي يقضي الساعات في تنظيف شارع واحد فقط مية متر بعشرة متر , وانا انظر اليه , يتملكني الضيق الشديد , واقرر ان احل المشكلة عن طريق استخدام ميزة في شقتي اذ انها في الدور العاشر ومصعد عمارتنا معطل كعادته , فاقرر القاء نفسي منه حتى تستمر الاحلام مرة اخرى ولكن دون انقطاع هذه المرة .....







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز