حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
الانتحار والضمور الجماعى لغالبية المبدعين العرب سببه الخوف

الابداع هو العمل والانتاج بشكل مميز على غير مثال سابق ويتمثل ذلك فى روائع الافكار او البدائع فى الادب والفن والاختراع واكتشاف الجديد.... لذلك اهتم علماء النفس بالابداع النابع من قدرة عقلية فذة وذلك فى النصف الثانى من القرن العشرين , فدرسوا الابتكار واوجدوا اختبارات لقياس الابتكار لقدرة معينة ضمن القدرات الأخرى ...الجدير بالذكر ان علماء النفس كانوا ينظرون الى الابتكار كعامل وراء الانتاج الفنى او الفكرى للمتفوقين .... فاتجه اهتمام العلماء الى الاهتمام بالابداع واكتشاف ذوى المواهب العالية فى البحث العلمى والادارى والفن والهندسة .... ويتميز الابداع بالقدرة الفائقة والاصالة والتجديد فى الافكار والافعال مما يحقق التوافق المنشود والنجاح الافضل فى الحياة ... هذا ويأتى المرضى العقليون ( او المجانين) بافكار بها جدة واصالة ... ويتسبب سوء سلوكهم فى سوء توافقهم مع افراد المجتمع ...ولا يحوزون النجاح المطلوب فى الحياة ...

فالابداع جهد ذهنى بشرى متميز يبرز عبر مراحل للوصول الى نتائج باهرة ...وذلك فى مجال من مجالات النشاط الانسانى فى الفن والفكر والادب ... فا ابداع عمل بارع ثمرة جهد عقلى بارز يتسم بالجدة والسبق والابتكار بعيدا عن الاعمال المألوفة ينتهى غالبا بتحقيق النفع لجمهور الناس ... ويتصف المبدع غالبا بالمغامرة فى ابداعه ... وخير مثال على ما يعانيه المبدع من جراء ابداعه قصة الرسام البريطانى (جون كين) ... فالمبدع ينفق ربع عمره فى الابداع , وثلاثة ارباع عمره فى الدفاع عن ابداعه .. لقد ارسلت بريطانيا هذا الرسام الى الكويت ليسجل بريشته حرب الخليج , من خلال تسجيل بطولات القوات البريطانية وتسجيل الصور التى فاتت كاميرات التلفزة والاقمار الاصطناعية...والتى يكون فيها الرسام شاعرا مبدعا معبرا ... على ان يتم عرض هذه اللوحات بعد ذلك فى متحف الحرب البريطانى .. وهو تقليد سارت عليه بريطانيا منذ سنة 1916 .... ومن نافلة القول ان يعرف القارىء ان هذا الرسام يعتبر مبعوثا رسميا ... والى الكويت ارسل الرسام البريطانى (جون كين) فى ظل ظروف قاسية جدا وخطيرة ... والقصف الجوى لاينقطع ليل نهار ...وكادت القنابل ان تقضى عليه ... ولكنه مثل القطط لها 7 ارواح .... ليعود الى بريطانيا بمئات اللوحات وعشرات الساعات من التسجيلات الصوتية والتليفزيونية ....

ولكن ما كاد هذا الرسام ان يعرض لوحاته حتى انزعجت وزارة الدفاع البريطانية .... فهو لم يرسم الاعمال البطولية للقوات البريطانية وانما سجل مشاعر الخوف والفزع والاحباط والزهق والقرف التى سيطرت عليه هو ... فقد اضطرته ظروف الحرب ان يلجأ الى بيت كويتى متهدم ... وقد وجد فى احدى الغرف بقايا كل شىء ومخلفات القوات العراقية فقد حولوا ها البيت الى دورة مياه عمومية بها كل انواع القذارة والروائح الكريهة ... وسجل هذا الرسام المبدع كل ذلك !!! والاغرب من ذلك انه رسم لوحة كتب تحتها ( ميكى ماوس فى الجبهة) .... واللوحة عبارة عن بقايا سوبر ماركت وشظايا وضحايا ... وفى احدى السلال صواريخ مضادة للدبابات ... اما ميكى ماوس فقد جلس فى الكواليس .... وفى ذلك معنى ابداعى كبير اراد الرسام ايصاله من خلال ريشته الابداعيه ألا وهو : ان ميكى ماوس هو النموذج الامريكى الذى صال وجال كما يحلو له والحرب دائره ومشتعله .... فا ميكى ماوس الامريكى هو الذى ادار الحرب وهو الذى كسبها ... فالقوات الامريكية هى التى هدمت الكويت , والشركات الامريكية هى التى اعادت اعمارها .... وكأن الانجليز ليس لهم دور فى هذه الحرب !!!! فهى حرب امريكية من البداية وحتى النهاية !!! المشكلة فى تلك القصة تكمن فى ان هذا الرسام المبدع كان من المفترض ان يعرض لوحاته التى رسمها بريشته بالوانها ومعانيها ... ولكنه سجل مشاعره هو فقط .... لقد عبر عن مشاعره بمنتهى الحرية ...

 اما الذى تريده وزارة الدفاع البريطانية فهو ليس فنا ابداعيا حرا ... انما تريد تسجيلا رسميا لوجهة نظر الوزارة من خلال تسجيل بطولات القوات البريطانية .... وقد رد الرسام المبدع جون كين قائلا : انه لم يرسم اللوحات لكى توضع فى مكاتب القادة العسكريين , فاذا كان هذا هو المطلوب فقد اختارت الدولة الشخص الخطأ , وانما هو رسم مايراه هو وما يشعر به هو , وما هو صادق وعميق .... ولم تعرف وزارة الدفاع البريطانية ما الذى يجب ان تفعله مع هذا الرسام ... ودارات مناقشات وحوارات فى ضرورة وجدوى ارسال رسام الى ارض المعركة ما دام لم يرسم ماتريده وزارة الدفاع البريطانية .... فهذا الرسام المبدع لم يتخلى عن حريته وصدقه لاى سبب من الاسباب حتى لو كانت خصومته ستكون مع وزارة الدفاع البريطانية التى ارسلته ... وبان المرج بعد ان ذاب الثلج .... وتوجب على وزارة الدفاع ان توافق على ما سوف يعرضه جون كين حتى ولو كان نقدا شديدا لوزارة الدفاع البريطانية ....ان المأزق الذى وقعت فيه وزارة الدفاع البريطانية لايمكن الخروج منه ..... فهى التى اختارت الرسام وهى التى ارسلته وهى لا تجرؤ ان تقول له ماذا يرسم ولا كيف يرسم ...وقد حدث مالم تكن تتوقعه وزارة الدفاع البريطانية ... وسئل جون كين عن هذا الذى رسمه وان كان مطابقا لرغبات وزارة الدفاع , فاجاب : ( أنا ذهبت ورأيت ورسمت وعانيت وتعذبت واحسست وعبرت ... هذا بالضبط ما فعلت ... ولكن اذا كان لاى احد تصور اخر .... فليس هذا من شأنى .... واذا رأى أحد اننى بددت اموال الدولة ,فأنا على استعداد لاعادة المبالغ التى انفقتها الحكومة ... فأنا لا اقبل ثمنا لحريتى !!!!) .... ولم تجد وزارة الدفاع البريطانية ماتقوله ردا على تصريحات الرسام المبدع جون كين ...

عزيزى القارىء انظر كم يتعذب المبدع ويعانى , ولكن ذلك لايهم .. فالمهم هو ان المبدع او الكاتب او الصحفى او الفنان بكامل حريته قد عبر عما يجول بخاطره وانتقد حكومته والحكومة الامريكية من خلال ريشته .... فهل فهمنا الدرس ؟ .... الدروس المستفادة من تلك القصة الحقيقية انه يجب علينا نحن العرب الميامين ان نعترف ان هناك معوقات امام الابداع فى عالمنا العربى الذى تحكمه الخرافات والدوجما ومنظومة الثوابت والتقاليد والعادات البالية .....فهناك معوقات امام الابتكارات العلمية ومؤثرات سلبية تعوق المبدعين وتثبط همم المبتكرين وتحد من استثارة عطاء المبدعين ... وتحول دون استثمار انشطة وجهود المتفوقين المتميزين ... من خلال عدم تقدير المسئولين لابداع المبدعين والنظرة الدونية لمنجزاتهم العلمية بسبب الغيرة والحسد والحقد الدفين فى الصدور ... الى جانب غياب رح المنافسة الشريفة , والدعم المحدود للمشروعات الابداعية والانجازات الابتكارية العلمية .... وكذلك غياب اهداف الابداع او عدم وضوحها لدى الناشئة ... وانخفاض المستوى الثقافى فى المجتمع العربى وقلة التوعية بابداعات المبدعين .... وضعف الهمة وعدم الاستعداد ... فالابداع نتيجة الهمة , وهو نتاج وقرين القدرة والاستعداد .... الى جانب الاغراء والهجرة الى المجتمعات المتقدمة التى تنقص الكوادر الابداعية فى العالم العربى وهذا يؤدى الى ضمور واعاقة الابداع ....

لذلك يتوجب علينا جميعا ان تتكاتف الجهود وتتوحد الرؤى وننظر الى المبدعين العرب فى كافة المجالات نظرة اعجاب وتقدير واكبار وتقدير ووقار واحترام ... ونحكم على دولهم بالتفوق والصدارة العالمية والريادة الدولية .... كما يجب علينا الاهتمام بالمبدعين فى كافة المجالات والحرص على اكتشافهم واستثارة الموهوبين وتنمية قدراتهم ومواهبهم .... كما يجب على المؤسسات التعليمية ان تهتم بالموهوبين والمبدعين عند وضع المناهج الدراسية ... فالمناهج الدراسية فى كافة المراحل التعليمية توضع لتناسب مستويات الطلاب العادية والمتوسطة .... ويهمل الطلاب المتفوقون وتهمش مطالبهم وتفرض عليهم المقرارات المعتمدة لسائر الطلاب ويكون التقويم النهائى للمناهج والانشطة التعليمية وفق الجميع دون مراعاة الطلبة الموهوبين وهذا غير مناسب للطلاب المتفوقين ذوى القدرات الابتكارية ... فقد تتولد موهبة الابداع عند المبدع ويتوهج عطاءه فى أية فترة من عمر المبدع فى شبابه او منتصف عمره او عند كبره ... لكن هناك مرحلتين هامتين للمبدع او للموهوب هى فترة الاكتشاف والتأهيل وفترة الاستثارة والانتاج الابداعى ... فقد يكون الابداع فى بداية عمره كما صاغ عالم الفيزياء (دريك) معادلاته حول الموجة النسبية فى الخامسة والعشرين من عمره وحصل بسبب هذا الانجاز على جائزة نوبل وهو فى الحادية والثلاثين من عمره ... وكذلك اينشتاين اظهر نظريته الشهيرة ( النسبية) التى قلبت موازين وقوانين الطبيعة المعروفة آنذاك وهو فى السادسة عشرة من عمره ... وكذلك باسكال , كتب محاولاته فى دراسة المخاريط وهو فى السادسة عشرة ... واخترع آلة حاسبة وهو فى الثامنة عشرة .. .. وقد يكون الابداع والابتكار فى خريف العمر ايضا فقد كتب ( ماك توين) جورنال حواء وهو فى الواحدة والسبعين ... وجراهام بل حسن وطور الهاتف وهو فى سن الثامنة والخمسين .... وحل مشكلة التوازن وهو فى الطائرة وهو فى سن السبعين .... فهل نخرج من شرنقة الخوف ام ان المجتمعات العربية مازالت مصره على الانتحار والضمور الجماعى لكل الاعمال والاشخاص المبدعين بسبب الخوف وندرة الحرية فى المجتمعات العربية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز