باسل محمد يونس
bassel86@yahoo.fr
Blog Contributor since:
30 October 2010

أخصائي في القانون الجزائي الدولي الإنساني العام
باريس



 More articles 


Arab Times Blogs
الحريه لا تُستَولد من رحم الظلام و ثقافة الغاء الآخر


الحناجر التي باتت تردد عبارات الحريه و الديمقراطية في ازدياد هذه الأيام، خصوصاً بعد انطلاق قطار البو عزيزي من تونس و ما سمي بعدها بالربيع العربي، الحريه و الديمقراطية حق بديهي لأي شعب و لا يجب أن يفهم من هذه الفزلكة الفلسفية أني أريد الوصول الى إنكار هذا الحق الذي يوصف "بالأساسي" وفق التعبير التقني الحقوقي". لكن ألا يجب فهم تلك المفردات الضخمه; أي بالتعريف و طرح آليات الوصول إليها و أدائها ؟ ألا يجب أن نتفق على مفهوم واحد و مشترك للحريه التي نطالب بها لأنفسنا أو لغيرنا ؟ هل المطالبة بالديمقراطيه و الحريه تتضمّن بالضرورة أنّ الذين يقومون بهذه المطالبة هم ديموقراطيّون حقّاً ؟ فالنسبة لأدونيس هناك شروطٍ ومبادئ لا بدّ منها: أول هذه الشروط هو الخروج بالمجتمع، ثقافيّاً وسياسيّاً من "زمن السماء، الجمعي والإلهيّ"، إلى "زمن الأرض، الفرديّ والإنسانيّ".

 أو هو، باللغة السياسية المدنية: الفصل الكامل بين ما هو دينيّ وما هو سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ. وقد ناضل من أجل ذلك مفكرون وشعراء عرب كثيرون، غير أنهم سُفّهوا وكُفّروا وقُتلوا، تبعاً للوضع وللمرحلة التاريخية. كان الدين المؤسّسي هو الذي غلب ولا يزال يغلب. والمزج بين الدينيّ والسياسيّ لا يزال قاعدة النظر والعمل في الحياة العربية. وهو مزجٌ شهدنا ونشهد رسوخه وآثاره المدمّرة، كلّ يوم، وفي مختلف المجالات. إنه قاعدةٌ يُقتَل فيها الإنسان شرعاً: أحياناً يُقتَل فكراً، وأحياناً يُقتَل جسداً، من أجل «النص» أو تأويلٍ معيَّن للنص". فهل من فرق بين الحريه و الديمقراطيه ؟ هل تكفي الحريه بدون ديمقراطيه ؟ و هل الانتقال من الحريه الى الديمقراطيه مرهون بتحقق العلمانيه ؟ أليست الحريه بالمعنى المسؤول شرط لتحقق الديمقراطيه ؟ و هل يمكن الجمع بين التدين والديمقراطيه دون ترسيخ العلمانيه ؟ و هل كان للمثال التركي الصمود لولا حراسة العلمانيه بالعسكر و الدستور الكمالي الأتاتوركي ؟ و هل كان لما يسمى بالاسلام التركي المعتدل النجاح لولا العلمانيه الأتاتوركيه التي شكلت رقابه شديده على جميع الأحزاب الدينيه في تركيا ؟ ما هو مقياس الحريه في الدين ، وهل الدين يؤيد الحريه والديمقراطيه؟ الدين هو نقيض الحريه، و بالتحديد حرية التفكير.

التاريخ مليء بالشواهد و مجرد النقاش في صحة النصوص يعتبر كفرا و يتوجب تطبيق الحد. ولدنا و لم نختر هذا الدين و لكن أين الحريه في الدين إن كان مجرد تركه يتوجب قطع الرأس؟ و هل مصطلح الإيمان هو حق حصري لإتباع دين معين ؟ أم أن لكل شخص حق الإيمان بما يتوافق مع قناعاته خارج إطار الدين ؟ كثير من الناس تؤمن بأمور أخرى " مبادئ و أخلاق .ألخ..." غير الأديان التقليدية التي نعرفها، فهل هذا مبرر لوصفهم بالكفار من زاوية الموروث الديني الدوغماتي الذي نشأت عليه ؟ أليس هذا نوع من الاستبداد الديني و الارهاب الفكري أكثر خطورة من الاستبداد السياسي ؟ و هل هذا يدفع بكثير من الناس لممارسة التقيه الدينيه من أجل تجنب هذا الاستبداد الديني ؟ و هل المعيار الأخلاقي هو في نسبة التزمنا بهذا الدين أو ذاك ؟ و هل أدى هذا الى ظهور نوعين من الأخلاق في مجتمعنا : الأخلاق الوظيفية و الأخلاق القيمية ؟ حسب تصنيفي الشخصي الأخلاق الوظيفيه: هنا تتجلى التقية الدينية في أبهى حللها "الالتزام الديني بدافع الخوف من العقاب أو بدون قناعه و من أجل مراعاة المحيط الذي نعيش فيه" فهل الهدف من أي صلاة هو مجرد تجنب النار ؟ أو أن احترام الاشارة الضوئية هو الخوف من شرطي السير ؟ و هل في زوال هذا الإجراء العقابي سوف نمتنع عن ممارسة ما نطلق عليه بالإيمان أو الالتزام الديني؟ و هل الإيمان الحقيقي يذهب بمجرد زوال العقاب ؟ من يؤمن لا يحتاج لتهديدات عقابيه كون الإيمان يأتي عن قناعه راسخه، أما في حالة الأخلاق الوظيفية فالتظاهر بالإيمان " أفضل تسميته بعقد خنوع و نوع من التأمين على الحياة في ما مرحلة ما بعد الموت لضمان الجنة".

 لذا نسمع عبارات تقليدية كثيرة في مجتمعنا تعبر عن ثقافة الأخلاق الوظيفية مثل "ما بتخاف الله، يلي ما بخاف الله خاف منو، هيدا بيصلي... ألخ " يعني اذا صلى يحق له فعل ما يشاء و الصلاة معيار الأخلاق أو أن من يصلي فهو خلوق بالمطلق أو أن صلاته تحصنه ضد جميع الذنوب في الماضي و المستقبل ؟ لن استرسل في الأمثلة لعدم الإطالة. لكن لا يجب الفهم أن كل من يؤمن بدين معين هو بالتالي في هذه الخانة، لكن أنا أقول أن هذه أمثلة موجود منها الكثير في مجتمعاتنا. أما الأخلاق القيميه : فهي تعبر عن الالتزام من مبدأ الإيمان الحقيقي، دون خوف من أي عقاب و عن قناعه راسخه لأن أساس الاحترام و الالتزام نابع من ثقافة مختلفة، قائمه على احترام القاعدة القانونية أو الاخلاقية أو المبادئ الدينية لقناعتنا بالقيم التي تحميها تلك المبادئ، و ليس لمجرد الخوف من العقاب أو في حالة رفع هذا التهديد أقف عن ممارسة ما ادعي الإيمان به. و من يحترم قانون السير وفق هذه الأخلاق و المبادئ، ليس بحاجه لشرطي يبعث الرعب في قلبه كي يحترم القانون، الاحترام المتبادل، و احترام القيم التي ينشأ عليها الفرد. كون فكرة احترام القانون هي من القيم الراسخه في وجدانه، يتجلى ذلك من خلال إشارة سير، السماح للآخر و بدوره هذا الآخر سوف يكون بنفس الموقع تجاهي و تجاه الآخرين، فالحياة تقوم على ضوابط ينشأ الفرد على احترامها و استيعابها و إدراكها، من باب التحضير و التنظيم و ليس من بعبع الخوف. و للأسف نسبه عاليه من الوطن العربي تنتمي للمثال الأول أي الأخلاق الوظيفية، أما الغرب في العموم ينتمي للأخلاق القيمية.

و قول ذلك ليس مدعاة سرور بالنسبة لي لكن الموضوعية تفرض نفسها و من لا يعترف بخطأه لا يمكنه أن يطور نفسه في المستقبل. كيف يمكن أن تنشأ الديمقراطية في مناخ لا يقيم وزناً لحرية الفرد وللتجربة الإنسانية، ويرفض الآخر المختلف ـ نبذاً، أو تكفيراً ، أو قتلاً، ولا يرى الحياة والثقافة والأزمنة والأمكنة والحضارات البشرية، إلا في مرآة قراءته للنصّ، وهي كما نعلم متعدّدة حتى التباين ؟ خصوصاً أنّ النصّ مهما كان عظيماً يصغُر إذا قُرِئ بعقلٍ صغير، كما يحدث اليوم غالباً. و هنا أعود الى أدونيس الذي يعتبر أن لا ديمقراطية أساساً في الدين، بالمعنى الذي نتّفق عليه و نتداوله في إطار الثقافة اليونانية ـ الغربية. الدين بطبيعته انحياز سماويّ يُلحِق الأرضَ بالسماء، والبشرَ بنصوصه. يبدأ التأسيس للديموقراطية، إذاً، بالفصل الكامل بين ما هو ديني، من جهة، وما هو سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ... لا تتحقق الديموقراطية إلا بأمرين:

 1 ـ أن أنتمي، بوصفي مواطناً (رجلاً أو امرأة) إلى المجتمع بوصفه وحدة لا تتجزأ، قبل انتمائي إلى دين أو قبيلة أو طائفة أو إتنية.

 2 ـ أن أعترف بالآخر المختلف (رجلاً أو امرأة) بوصفه مثلي عضواً في هذا المجتمع، وله حقوقي نفسها وحرياتي نفسها. ومن الصحيح أنّ الفكر يوجّه أو قد يوجّه. لكنه لا يحكم. ولهذا فإنّ فكر المعارضة يجب أن يكون، هو أيضاً، واضحاً وشاملاً ودقيقاً. علماً أنّ المعارضة حق للنّاس وشرط أساسيّ للديموقراطية".

 هنالك فارق بين الليبرالية والديموقراطية. ففي التسلسل التاريخي، سبقت الليبرالية التي تؤكد الكرامة وحقوق الإنسان والحريات والدستور، الديموقراطية في معناها الواسع. إذا أخذنا الأتاتوركية الكمالية نلاحظ أن علمانيتها لعبت في تركيا دوراً شبيهاً بالدور الذي لعبته الليبرالية في التاريخ الأوروبي. ورغم أن الليبرالية كانت سلطوية في أحيان كثيرة، فأن منطلقها الأساسي كان الحد من الاستبداد، من دون أن تضمن الديموقراطية التي تحتاج الى نقلة جديدة لإرساء آلياتها، عقب الخلاص من الاستبداد. . أما الديموقراطية فأعتقد أنها تحتاج الى شيء إضافي يفترض مشاركة شعبية واسعة تحددها الآليات الانتخابية. العلمانية شرط ضروري للديموقراطية وللحدّ من استبداد الأكثرية حيث يرى المفكر السوري صادق جلال العظم في حوار مع جريدة" النهار" أن العلمانية هي الإجراءات التي توضع للحد من الاستبداد. وتحديداً الاستبداد الديني، او الديني على الطريقة العثمانية إبان الإمبراطورية... العلمانية ميزتها أنها ذات طاقة استيعابية، بقدرتها على استيعاب الاثنيات والمذاهب والأقليات. وهو يعتبر العلمانية من ضرورات الديموقراطية.

 البعض لا يحب مفهوم العلمانية، ويستعمل مفهوم المدنية مكانه. لكن لتكون الديموقراطية ديموقراطية مواطنين، وليس ديموقراطية توازن جماعات ومذاهب أو طوائف (على الطريقة القبليه اللبنانيه )، لا بد من أن تحتل رابطة المواطنة القيمة العليا. والرابطة هذه مكون أساسي في أي دولة علمانية... ويضرب العظم حارس الضاري مثلاً، وهو رئيس هيئة العلماء السنة في العراق، وكان أعلن انه ضد الدولة الدينية في بلاده رغم أنه شيخ معهم. ودافعه الى هذا الموقف هو خوفه من أن تكون الدولة الدينية في العراق، شيعية. وخوفه هذا أرغمه على تبني فكرة الدولة العلمانية التي تقوم على الحياد النسبي للدولة حيال مكونات المجتمع الاثنية والمذهبية والثقافية والدينية. فإذا نظرنا الى التيارات الإسلامية غير الجهادية، نرى اليوم أنها صارت ترفع الديموقراطية شعاراً، باعتبارها حكم الأكثرية. لكن من قال أن الأكثرية غير مستبدة ؟ فهي من دون ضوابط وحدود، تحتكر السلطة وتستبد بالبلاد. لذا فان الديموقراطية لا تستقيم من دون اعتراف الأكثرية بحقوق الأقليات. الدين في العلمانية ينتهي عندما يخرج الفرد من المسجد أو من الكنيسة... فالعلمانية لا تنهى عن إتباع دين معين، بل تنادى فقط بأن يتم فصل الدين عن السياسة والدولة، وبأن تكون الأديان هي معتنق شخصي بين الإنسان وربه... الإنسان كائن متغير ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات. وأن هذا يعني الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي. الحرية من وجهة نظري هي ممارسة الحق لكن ضمن ضوابط "احترام الآخر و عدم الإساءة إليه، تنتهي حريتي عندما أبدء بالتعرض للآخرين، أي عدم التعسف في استخدام الحق. بمعنى آخر الحرية يجب أن تقترن بالمسؤولية و إلا لن تكون حرية و يفضل تسميتها بالفوضى. عندما نكون على مستوى نمارس فيه حريتنا دون الإساءة للغير تأتي مرحلة الديمقراطية. عندها عندما تحكم أكثرية أي اقليه أخرى "سياسيه أو غيرها".

 و سوف تملك تلك الأكثرية الوعي لتقبل تلك الأقلية بالرغم من اختلاف طريقة كل منهما في التفكير أو الرأي من منطلق الاحترام المتبادل و أن الاختلاف في الرأي ليس نفي للآخر أو تكفيره. فأي حرية غير مسؤولة تصبح فوضى. التغيير الحقيقيّ لا يقف عند عتبة الدين والتقاليد، بل عتبة الأفكار والعلاقات الاجتماعيّة في عمومها، فالثورة لا تولد من رحم الظلاميين انما من رحم الأحرار.

 فهل العرعور و الخليل و اللحيدان ... ألخ يعبرون عن هذا التغيير ؟ من وجهة نظري و وجهة نظر كثيرين أعرفهم الجواب هو بالنفي المطلق.

 مصادر :

 أدونيس: الإنسان، حقوقه وحرياته، أو الهاوية 2011/06/13.

 صادق جلال العظم في حوار مع جريدة" النهار" 2011/06/13.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز