زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
الإرهاب في الفكر الصهيوني بين قوة الحق وحق القوة

 

 (واخذوا المدينة. 21 وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامراة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.) سفر يشوع 6:21

  هذه آية من سفر يشوع في ( العهد القديم ) ، وهو أول الأسفار التي نزلت بعد موت موسى عليه السلام على حدود فلسطين . ومن يقرأ هذا السفر يجد فيه ما لا يتخيله عقل من مجازر وفظائع ارتكبها بنو إسرائيل في عشرات المدن ومئات القرى الفلسطينية لدى دخولهم ( أرض الميعاد ) قبل بضعة آلاف سنة ، فقد كانوا يدخلون المدينة أو القرية فيقتلون فيها كل شيء يتنفس ، الأطفال والنساء والشيوخ والبهائم والمواشي ثم يأخذون جميع ممتلكاتهم فيكدسونها ويضرمون فيها النار ما عدا الذهب والفضة ، وبعد أن انتهوا من فتح جميع المدن وقتل من فيها وحرق ما فيها راحوا يقسمون الأرض على أسباطهم ويقيمون عليها ( مستوطناتهم ) .

     إنك حين تقرأ هذا السفر لا يسعك إلا أن تتذكر تلك الصور التي سبق أن نقلتها القنوات الفضائية لآلاف الأطفال الذين يقتلهم الجيش الإسرائيلي بدم بارد ، تتذكر أطفال غزة وكيف تم قتلهم إما بالرصاص المباشر أو تحت أنقاض بيوتهم أو بالحرق بالفسفور ، تتذكر جميلة التي قطعت ساقاها وتتذكر لؤي الذي فقد البصر وتتذكر غيداء ومحمد الدرة وتتذكر أطفال قانا في لبنان وأطفال بحر البقر في مصر ، وحين تمر ببصرك على أسماء المدن الفلسطينية قبل بضعة آلاف سنة وما أرتكب فيها الغزاة من مجازر لا يسعك إلا أن تتذكر مجازر دير ياسين وكفر قاسم وصفد واللد وعيلبون وقانا الأولى والثانية وصبرا وشاتيلا ومجزرة الحرم القدسي والحرم الإبراهيمي ومجزرة جنين ، وكل هذه المجازر دون استثناء كانت لمدنيين ، فيهم الأطفال والنساء والشيوخ ، وهي أكثر من أن يحصيها باحث وتحتاج لمؤسسة بحثية متخصصة .

   عقيدة الإرهاب الصهيوني هي فكرة توراتية متجذرة في العقل الصهيوني قديماً وحديثاً ، وهي عقيدة شديدة الخطورة على الجنس البشري بأكمله ، ولا تمكن مقارنتها بإرهاب حركات تريد الاستقلال أو أقليات تريد الانفصال لأن هذا الإرهاب الأخير ينتهي بانتهاء سببه ، أما الإرهاب الأول فهو فكرة أصيلة في العقل تؤمن أن قتل طفل بريء بدم بارد أمر يرضى عنه ( رب الجنود ) ويكافئ عليه . ولعلك تذكر كيف كان الحاخامات يشجعون صغار الجنود أثناء حرب غزة على قتل الأطفال والمدنيين ويقنعونهم أن هذا أمر يرضي الرب !

   إن ما جعل الصهيونية تحافظ على بقائها منذ تأسيسها قبل أكثر من مئة سنة وتحافظ على بقاء الدولة الإسرائيلية لأكثر من ستين سنة هو ما يمكن أن نسميه حق القوة ، وهو حق مزيف له مخالب قوية ووجه بشع ، فأما المخالب فجيش قوي مزود بأحدث الأسلحة حتى المحرمة منها ، لا يكاد يتوقف عن الاعتداء على الجميع ولا يمنعه شرف الجندية من قتل النساء والأطفال حتى لو كانت النساء ناشطات أجنبيات مسالمات مثل راشيل كوري التي دهستها بدم بارد جرافة الجيش الإسرائيلي ، وحتى لو كان الضحايا مدنيين مسالمين مثل طاقم السفينة التركية الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي في المياه الدولية ! وأما الوجه البشع فتغطيه ثلاثة أقنعة حريرية تخفيه تماماً عن العيون ، أولها المال وثانيها الإعلام وثالثها الكونغرس الأمريكي ومن يدور في فلك أمريكا . هذا الثلاثي القوي يستطيع أن يجعل عيون الدنيا لا ترى إلا ما يريد لها أن تراه ، انظر الى أعضاء الكونغرس حين خطب فيهم نتنياهو مؤخرا كيف كانوا يقومون للتصفيق ثم ما إن يقعدوا حتى يقوموا مرة ثانية وثالثة ورابعة وتاسعة عشرة ( وكأنهم يصلون  التراويح ) ، لقد كانوا يرون بوضوح صواريخ القسام البسيطة المتواضعة الخجولة التي شكا منها نتنياهو بينما لم يروا مطلقاً قنابل الفوسفور التي كانت تضيء ظلام ليل غزة 2009 وتنفجر لتقطع أطراف الأطفال وتحرق المدنيين وتميت الضمائر العالمية السوداء وتعمي عيون الكونغرس الأمريكي . إن حق القوة المزيف يتطلب جهوداً شيطانية جبارة وقوى عظمى تسخر لأجله حتى يستمر لأنه لا يقوم بغير ذلك ، بينما قوة الحق ربّانية مجانية لا تكلف أحداً شيئاً ، ألا ترى اللص يدعي النزاهة دائماً بينما النزيه لا يدّعي السرقة ؟ والكذاب يدّعي الصدق دائماً بينما الصادق لا يدّعي الكذب ؟ لماذا ؟ لأن للنزاهة وللصدق قوة حق لا يختلف عليها اثنان حتى لو كان هذان الاثنان لصيْن وكذابيْن ، وهذا ما يثبت القيمة العظيمة لقوة الحق لأنها لا تحتاج الى رعاية تحميها ولا الى دعاية تبقيها ، بينما حق القوة المزيف في حاجة دائمة ومستمرة الى رعاية تحميه والى دعاية تبقيه ، وهذه الرعاية والدعاية تزيد وتنقص بقدر ما تكون عليه درجة الزيف ، فتزوير تاريخ ميلاد طفل في قرية نائية لا يحتاج الى أكثر من شاهديْن كاذبيْن ، وسارق دجاجة في نفس القرية لا يحتاج الى أكثر من يمين كاذبة  أمام القاضي . ولكن تزوير تاريخ أمة وسرقة وطن يحتاجان الى أكثر من ذلك بكثير ، فلا يمكن لمن لا يملك جيشاً قوياً ولا يملك أكبر بنوك العالم ولا يملك أكبر وسائل إعلام الدنيا ولا يملك كونغرساً أمريكياً أن يفعل ذلك .

   على أن هذا الحق المزيف للقوة لا يمكن له أن يستمر الى مالانهاية ، وذلك ببساطة لأنه مضاد لمنطق الأشياء ومعاكس لحركة التاريخ ، فسوف تظل خطورة سقوطه وافتضاح أمره قائميْن ، وسوف يسقط لا محالة أمام أول امتحان حقيقي يتعرض له . ذلك أن جميع الامتحانات التي تعرض لها في الماضي كانت مزورة . إنه أشبه بابن صاحب المدرسة الخاصة الذي ينجح بتفوق في جميع الأعوام الدراسية الأحد عشر لسبب غش أبيه صاحب المدرسة وسيطرته على الامتحانات ، ولكن حين يتقدم لامتحان الثانوية العامة الحكومي – بعيداً عن تدخل أبيه – فإنه يفشل فشلاً ذريعاً .

   إنها مسألة وقت لا غير ، فالتقدم المطرد في الاتصالات وسهولة تبادل المعلومات يزداد يوماً بعد يوم ، وكلما ازداد ضيّق الهوة بين الشعوب وبين الحقائق المغطاة ، وازدادت معه الصعوبات أمام المؤسسات الإعلامية التي تحاول حجب الحقائق وتحويل الرأي العام نحو وجهة واحدة مقصودة ، كذلك فإن المنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني حبلى بما هو آت . والذي سيكون أول امتحان حقيقي لابن صاحب المدرسة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز