نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل فشلت الثورة السورية؟

مع أن كثيرين، من عشاق الثورات الأمريكية ومشايعيهم، ما زالوا مصرين على أن ما يحدث في سوريا هو ثورة شعبية وانتفاضة احتجاجية عارمة، فإن هذه "الثورة" تشهد انتكاسات، وتراجعات، وفضائح عدة وعلى عدة مستويات ما جعل كثيرين من أبناء الشعب السوري البار ينظر بريبة لتلك الثورة، ومن يقف وراءها، وتحجم شرائح واسعة من السوريين من الانخراط والمشاركة بها، أو تبني ودعم هذه الثورة والجري خلفها، بدليل أن مدناً سورية كاملة وفاعلة ووازنة، وذات ثقل سكاني-ديمغرافي أكبر بكثير من تلك البؤر والجيوب "الصغيرة" والمجهرية نسبياً، على الخريطة السورية باستثناء درعا الحدودية المتطرفة جنوبياً والتي اعتمدت في المخطط كـنقطة تجمع للجماعات الظلامية ومنصة انطلاق أو المعادل الجغرافي الانفصالي، أو بمعنى أدق "بنغازي السورية"، والتي تمركزت فيها جميعاً، أي البؤر، الجماعات الإرهابية المسلحة، كـ "تلبيسة، بانياس، تلكلخ، جسر الشغور، جبلة، دوما، إضافة إلى بؤرة مسلحة يتيمة وصغيرة في مدينة اللاذقية الساحلية، وهي بلدات جد صغيرة كان يؤمل أن تلعب، في اللعبة "الثورية" دور الصاعق التفجيري الشعبي لإعطاء الشرارة التي تولع الحريق الكبير، وحسب ما كان يخطط له، وبافتراض وجود حالة غضب وسخط واحتقان شعبي لن يصمد "النظام" ورجالاته أمامها سوى أيام معدودات.

 كما أبدت، في الحقيقة، قطاعات شعبية واسعة توجسها وحذرها من هذه الثورة وشخصياتها، ونفضت يدها ونأت بنفسها عن هذه "الثورة" المزعومة، لاسيما بعد انكشاف هويتها وتوجهاتها الحقيقية ونواياها المضمرة التدميرية في المؤتمر الأخير في مدينة أنطاليا المنتجع السياحي التركي الشهير. والمتتبع لسير "تمثيلية" واستخلاق هذه الثورة المزعومة يلاحظ أن طابعاً عنفياً مسلحاً واكبها منذ انطلاقتها، وأعمال قتل وحرق وتدمير وتمثيل بالجثث وإجرام مرعب، إضافة إلى كم هائل من الألاعيب والتفانين و"الخفة" والتذاكي والتضليل والفبركة والافتراء والكذب الصريح والتزوير الذي لا تحتاجه أية ثورة حقيقة وأصيلة وشعبية لإقناع الناس والرأي العام المحلي والعالمي بها وبمشروعيتها والثورات الكبرى والحقيقية، في التاريخ كانت، بالتأكيد، قبل عصر الجزيرة وأخواتها البدويات. والملاحظة واضحة بأن هناك من يحاول أن ينقل صورة مضخمة وغير حقيقية عن الأوضاع على الأرض فالتظاهرة الحقيقة ونقول الحقيقية (وهي مجموعة من المصلين الخارجين من المساجد وأيام الجمع فقط)، لم تكن تتجاوز المائة شخص، لكن الرقم ينط إلى عشرات الآلاف وتصبح مظاهرات "حاشدة" في أبواق، وقنوات التضليل والكذب والدجل التي بلغ عددها 39 قناة فضائية تبث على مدار الساعة مواد مما "هب ودب" عن سوريا و"ثورتها" المزعومة.

 لكن وبعد اتضاح الرؤية، شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد آخر، ومع تنامي وعي شعبي عال وجارف بانحراف المطالب الشعبية عن طابعها الإصلاحي الوطني المطلوب من كل وطني حر شريف من قمة الهرم إلى أبعد نقطة في قاعدته العريضة، وومحاولة السطو على الحراك الشعبي المطلبي السلمي من قبل تيارات ظلامية فرضت وصايتها عليه، وتبلور إدراك كبير لطبيعة المخطط وهوية المسلحين واتضاح نواياهم الجرمية العنفية، وأمام ذاك الكم الهائل من الإجرام والقتل والاعتداء، وانتهاك الحرمات، والتخريب، وبعيداً عن الجانب الإصلاحي الذي كان يعمل على قدم وساق، كان لا بد من تقدم خيار الحسم والحل العسكري مع تلك الجماعات "الثورية" المتمردة على الشرعية والقانون والمستهترة بكل القيم والأعراف البشرية والأخلاقية وحتى الثورية الأصيلة، ومن يقف وراءها خارج حدود الوطن، ممن ركبت موجة الإصلاحات والمطالب الشعبية المشروعة وتاجرت بدماء، وآمال، وطموحات الشعب السوري في وطن عزيز وحر ومزدهر.

وهذا في الحقيقة ما كان من تطور الحدث السوري الذي تحول إلى ضرورة التعاطي أخيراً، عسكرياً وأمنياً، مع تلك الجماعات التي ارتكبت مجازر بحق أمنيين ومدنيين سوريين اعترفت بها كبريات وأمهات الوكالات الإخبارية العالمية المهنية والمحترمة حقاً كرويترز، وCNN، والـAssociated Press International، وغيرها من التلفزيونات والفضائيات كروسيا اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، التي نقلت بمهنية وأمانة وحياد ما يجري على الأرض، وليس كما فعلت أذناب ومسوخ الفضائيات البدوية المنحطة والخسيسة المتطفلة على المهنة و"المصلحة" وأهلها.

 ويبدو حتى الآن، وبعد المعاجلة الأمنية العسكرية والجراحة الدقيقة الناجعة لتلك البؤر المسلحة، أن نوعاً من الأمن والهدوء والاستقرار قد ساد تلك البؤر "الملتهبة" ثورياً في حينه، وعادت الحياة فيها إلى طبيعتها المعتادة، ولم يعد أحد يسمع عن "ثورة" و"انتفاضة" شعبية "مباركة" في بانياس، وجبلة ودوما وتلبيسة بعد تطهيرها من "الثوار" المسلحين، الذين تغني وتطنطن لهم، وتنوح عليهم أبواق آل مردوخ- آل مرخان "إخوان".

ومن هذا المنظور، والمآل، هل أنه من المبكر الحديث عن فشل ما لـ"الثورة" السورية، وبشقها العسكري على الأقل، وبطابعها العنفي الانفصالي الإجرامي الظاهر، والتي عوّل عليه كثيرون، وطالما أن الحدث هو محض أمني وليس فعلاً ثورة سلمية، كان نتيجته فشلاً وخذلاناً مريعاً في تصور حقيقة قوة سوريا وثقلها النوعي الاستراتيجي رغم أن التمرد مدعوم غربياً-أطلسياً- تركياً-خليجياً، وكان من السهولة بمكان التعامل مع الوضع الأمني بالنسبة للجيش السوري الباسل المدرب والمنضبط والخبير جدا، والذي استطاع، وبقدرات ومهارات قتالية عالية، تطهير البؤر، وتفكيك تلك العصابات المسلحة والقضاء على أعضائها وجرهم مخفورين للعدالة ومصادرة أسلحتهم وعرض اعترافاتهم على شاشات التلفزيون الوطني، هذا "رغم انشقاق أحد مجندي الجزيرة المفبركين عنه"، وهذه لوحدها، بحق، "نهفة" ونكتة ونادرة من نوادر "الثورة" الكبيرة، كانت من أسباب الفشل والسقوط وانكشاف كذبة و"تمثيلية" الثورة والثوار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز