د. ياسر صابر
dr.saber22@yahoo.com
Blog Contributor since:
09 January 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
النهضة الصحيحة ج2

بما أن الكون والإنسان والحياة حقيقة موجودة لذلك لايتصور أن تكون هناك أجوبة مختلفة عنها سوى جواب واحد الذى يفسرها وهذا الجواب قد أتى به الوحى ، لذلك لايمكن وجود أكثر من نهضة صحيحة سوى التى أوجدها الإسلام بينما النهضات الخاطئة يمكن أن تتعدد كتلك التى أوجدتها الإشتراكية أو التى أتت بها الرأسمالية ، لهذا فالإسلام هو المبدأ الوحيد الذى أوجد نهضة صحيحة إستمرت أربعة عشر قرناً من الزمن وقد إنتشر الإسلام إنتشاراً سريعاً لأنه إمتلك العقول والقلوب بعقيدته التى يقبل عليها أى إنسان ، وأنظمة حياته التى تتفق مع فطرة الإنسان التى فطره الله عليها " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" الروم 30 .

 لذلك تميزت الأمة الإسلامية بأنها قد نهضت بالوحى ، وظهر أثر الإلتصاق بما نزل به الوحى على قوة الفرد والمجتمع والدولة ، ففى مراحل الإسلام الأولى منذ عهد الرسول حتى نهاية عهد الخلفاء الراشدين كانت الدولة فى أقوى حالاتها لأن الفهم للإسلام كان واضحاً ، والإلتصاق بما نزل به الوحى كان إلتصاقاً قوياً ولم يبتعد عنه قيد أنملة ، ومنذ بداية الدولة الأموية حيث بدأ هذا الإلتصاق بما نزل به الوحى يضعف وبدأت بعض الإساءات التى تعلقت بالحكم . ثم بلغ هذا البعد عما نزل به الوحى مبلغه فى أواخر الدولة العثمانية حيث ظهرت فى تاريخ المسلمين لأول مرة فتاوى تجيز أخذ القوانين الغربية التى لاتعارض الإسلام بحجة أن مالايعارض الإسلام يجوز أخذه ! وكان هذا بمثابة التقنين للبعد عما نزل به الوحى ولم يستطع علماء المسلمين فى ذلك الوقت التفريق بين الأفكار التى تتعلق بوجهة النظر فى الحياة ، وبين الأفكار المتعلقة بالأشكال المادية لها من صناعات وإختراعات وتقدم علمى أو بكلمات أخرى لم يفرقوا بين الحضارة والمدنية وبالتالى مايجوز أخذه من الغرب ومالايجوز .

وقد أوصل هذا العبث الفكرى بمانزل به الوحى إلى القضاء على دولة الإسلام وبالتالى تم الإنفصال التام بين سلوك المسلمين وبين وجهة نظرهم فى الحياة ، وغاب أثر عقيدتهم على سلوكهم وبهذا قد سطروا بأيديهم نهاية نهضتهم وبداية إنحطاطهم . وقد تم تكريس هذا الإنحطاط فى ظل الأنظمة العلمانية التى فرضها الغرب على المسلمين فى الحدود الجغرافية التى رسمها لهم حيث قامت هذه الأنظمة بالعمل ليل نهار من أجل الحيلولة دون إستعادة الأمة لنهضتها مرة أخرى على أساس الإسلام . إن الإنحطاط الذى وصل إليه المسلمون لم يكن بسبب الإسلام بل بسبب بعدهم عن الإسلام ولايمكن للأمة أن تعود من جديد إلى نهضتها الصحيحة إلا بالعودة إلى الإسلام حتى تعيد الربط الطبيعى بين سلوكها وعقيدتها ، فيكون سلوكها الذى تسلكه حسب أنظمة حياتها التى إنبثقت عن هذه العقيدة وبالتالى يكون الإسلام هو المتحكم فى حياة الفرد والمجتمع والدولة بوصفه مبدأً وبوصفه هو سبب النهضة. فإذا كانت النهضات الخاطئة متصورة عند الأمم الأخرى فإنه لايتصور عند الأمة الإسلامية أن تقوم عندها إلا نهضة صحيحة لأن الأمة لم تتنازل عن عقيدتها فى أى وقت من الأوقات سواء فى عصور عزتها أو عصور تخلفها ، وممارسات الغرب على الأمة من حروب وقمع على أيدى الأنظمة كان كافياً لإبادة أى أمة ولكنه لم يستطع أن يجبر الأمة الإسلامية على ترك عقيدتها ، فهاهم المسلمون فى وسط آسيا قد حوربوا ولوحقوا حتى فى عباداتهم لدرجة أنه لم يكن يسمح لهم بإمتلاك القرآن فى بيوتهم وبعد زوال الإشتراكية وتفكك الإتحاد السوفيتى عادوا من جديد أكثر إلتزاماً بالإسلام من ذى قبل .

 إن بحث النهضة من الأبحاث الحيوية للحركات والجماعات التى تعمل من أجل التغيير ، لأن التغيير الحقيقى المنشود هو ذلك الذى يؤدى إلى النهضة الصحيحة وهذا لن يتم إلا أن تتبنى هذه الحركات ومريدى النهضة الإسلام بوصفه مبدأ ، وهذا بدوره لن يحدث إلا أن تقوم هذه الحركات إبتداءً بفهم الإسلام فهماً صحيحاً دون تأثر بالواقع ، ومهما تعالت أصوات العلمانيين وهجومهم أو إبتزاز الغرب فلايجوز أن يكون هذا مدعاة لأن نتنازل عن الفهم الصحيح للإسلام بحجة أننا نحاول أن نتقى هؤلاء وشرورهم ، فلايجوز لمن يعمل للتغيير على أساس الإسلام أن يحاول التوفيق بين أفكار غربية فى الحكم أو الإقتصاد أو غيره من أنظمة وبين الإسلام ثم يذهب ليلوى أعناق النصوص ليؤكد ماذهب إليه لأن من يفعل ذلك يكون من ناحية يعانى من هزيمة فكرية ويعطى الدنية فى دينه ومن ناحية أخرى يكون بفعله هذا من الذين يكرسون الإنحطاط عند الأمة بإستمرار فصل سلوكها عن عقيدتها ووجهة نظرها فى الحياة .

فكيف يتأتى للمسلم أن يتعامل بنظام إقتصادى قائم على الربا ووجهة نظره فى الحياة تحرمه ؟ وكيف يتأتى له أن يحتكم إلى نظام حكم يجعل السيادة للشعب وعقيدته قد جعلت السيادة للشرع ؟ فإن كان الأوائل من أصحاب الحركة التوفيقية فى النصف الأخير من القرن التاسع عشر الذين حاولوا التوفيق بين الحضارة الغربية والإسلام قد تأثروا بسطوع نجم الحضارة الغربية فى ذلك الوقت بينما التخلف قد ضرب كل مناحى الحياة عند المسلمين ، فلايوجد عذر لأحد اليوم ليسير على دربهم خاصة بعد أن ظهرت الحضارة الغربية على حقيقتها وظهر ماجلبته من خراب ودمار للبشرية ، وبأن ماتعانيه هذه الحضارة الأن من أزمات فى الحكم والإقتصاد وغيرهما قد حلها الإسلام منذ 1400 عام .

 إذاً يجب على دعاة التغيير أن يدركوا أن المطلوب هو تغيير الواقع ليتفق مع الإسلام وليس تغيير الإسلام ليتفق مع الواقع ، لأن العبث بالإسلام تحت أى مسمى من المسميات يفقد هذه الحركات ثقة الشارع المتعطش للإسلام بها ، كما يفقدها القوة الطبيعية التى يجب أن تستند إليها فى التغيير ألا وهى قوة الإسلام النقى الذى نزل به الوحى بوصفه مبدأ صحيحاً . وليتذكروا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام " تركتكم على المَحَجَّة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك " مسند الإمام أحمد. إن الفرق بين النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة هو كالفرق بين الحق والباطل ، والنور والظلمات وكالفرق بين الأحياء والأموات ، فأصحاب النهضة الصحيحة يسيرون فى الدنيا يعمروها على هدى وصراط مستقيم يبتغون بأعمالهم مرضاة رب العالمين لاتقف فى وجوهم أى قوة مهما إمتلكت من أساليب للبطش لأنهم إستقاموا على الطريقة التى رضيها لهم ربهم ويؤمنون بأنه ناصرهم ولو بعد حين . " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" البقرة 257

الخلاصة : الإسلام هو المبدأ الوحيد القادر على إنهاض الإنسان والمجتمع والدولة نهضة صحيحة لأنه وحى ومصدره الخالق المدبر ، ولذلك لن تنهض الأمة إلا أن تعيد طراز حياتها حسب الإسلام فتعيد الربط بين سلوكها وعقيدتها أما إذا حاولت أن تستورد أنظمة غريبة عن الإسلام بحجة أنها لاتخالف الإسلام فإنها تكرس بذلك إنحطاطها ، وصدق عمر رضى الله عنه حيث قال " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام وإن إبتغينا العزة فى غيره أذلنا الله ".







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز