الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
موقف الأمام الأندلسي من الحب العذري

 

المعنى الحرفي الذي نستطيع ان نستلخصه من عبارة الحب العذري هو الحب الذي يدوم طالما ان الفتاة محتفظة بعذريتها.  ولكننا نجد ان الذين مسوا الحب من هذه البؤرة قد اضافوا اليه من الخيال والرقة ما سما به الى معان جديدة يرتفع على المعنى الاصيل.

فجعلوا المحب ينشد الطهارة حتى ولو لم تكن حبيبته عذراء.

 

وقصص العرب الخيالية والحقيقية مثل قيس وليلى او جميل بثينة هما من هذا القبيل. فاننا نجد حبيبين يتعاهدان على الوفاء فيذكر كل منهما الآخر في قلبه ويجري اسمه على لسانه وتعود اليه ذكراه في حرقة الشوق و رقة الحنان. وقد يلتقيان فلا يكون بينهما سوى الحديث، حديث القلب الذي تشرف عليه رقابة العقل لان احدهما مرتبط بزوج آخر يجد الامانة والعفة من زوجته. ومثل هذا الحب نجده عند العاشقين، فكلهم شعراء وقد ورثنا عنهم اجمل الاشعار الخالدة في المعاني السامية للوفاء والاخلاص.

هكذا كانت ليلى تبكي كلما سمعت احدا في الحي يردد ابياتا من شعر قيس، بينما كان قيس يعاتب نفسه منشدا:

 

                    أتبكي على ليلى وانت تركتها  *  *   وكنت كآتي حتفه وهو طائع

                   فيا قلب خبرني اذا شطت النوى  *  *   بليلى وبانت عنك ما انت صانع

                  نهاري نهار الناس حتى اذا بدا   *  *     لي الليل هزتني اليك المضاجع

                  لقد رسختْ في القلب منكِ مودة  *  *  كما رسخت في الراحتين الاصابع

 

وكلمة – اللوعة – هي احدى الكلمات الحميمة في هذا الحب العذري، اذ هي تعني الشوق في الم لذيذ. هو احتراق لا يلسع ولكنه يدفئ. وميزة المحبين هي لوعات قد يضنون منها ولكنهم يلتذون ضناهم. وهم على الدوام محسودون على لوعتهم وضناهم والقليل من التأمل في الألم واللذة، في الحب واللوعة، يحملنا على الاعتقاد بان كل الم اذا خف يعود لذة، وكل لذة اذا اشتدت وتيرته تعود ألما. ألسنا نضحك من التجميش. نتألم من القِرص ؟ ---  و النظم التالي لجميل الذي نال اعجاب الفرزدق، قوله:

 

                 الا شعري هل ابيتن ليلة  *  *   بوادي القرى اني اذن لسعيد

                 علقت الهوى منها وليدا فلم يزل   *  *   الى اليوم ينمو حبها ويزيد

                 وافنيت عمري بأنتظاري وعدها  *  *   وابليت فيها الدهر وهو جديد

                 خليلي ما القي من الوجد قاتلي   *  *      ودمعي بما قلت الغداة شهيد

وكانت بثينة تقول لجارتها في الحي انها تسمع انين جميل في اصوات غزلان البادية، فتردها الجارة قولها ( اتقي الله ! فهذا شئ يخيله لك الشيطان )

 

والحب العذري كله لوعة اذ هو في صميمه ألم لذيذ ذلك ان المحب يرتفع بحبه الى مستوى التضحية، فهو يخشى على حبيبته ان تفضح. بل هو يخشى عليها الخيانة لمن ارتبطت به اذا كانت متزوجة. او يحب ان يصون عذريتها كما لو كان اخا او ابا، فهو لذلك يتألم ويحس اللوعة ولكنه يرضاها ايثارا لحرمة حبيبته. ومثل هذا الحب يدوم طويلا بل هو يخلد طيلة عمر المحبين انه نار لا تنطفئ،  نار تضطرم دون ان تشتعل.  

 

الحب العذري حب الحكمة والتبصر والحنان كما ان لغته هي لغة الفن: من شعر ورسم ولحن وغناء ومن هنا جائت عناية الامام ابن حزم الاندلسي عام 456 للهجرة، الذي ارسل كتابا يدعى طوق الحمامة وفيه ثروة من الادب والفلسفة والشعر، وهويعالج فيه سيرة المحبين ويقارن بين الحب المفاجئ والحب المطاول وفضل التعفف والوفاء وألم الهجر والغدر.

 

فهو يرى ان الانسان لا يستطيع الحب لأثنتين قوله: ( واما ما يقع من اول وهلة ببعض اعراض الاستحسان الجسدي واستطراف البصر الذي لا يجاوز الالوان فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة -- وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق واما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه من اسباب دينه ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان؟ )

 

ويروي الاندلسي عن نفسه ويقول: ( ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الازمان عند جارية غبتُ عنها اعواما وعندما عدت وجدتها وقد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فتريثت ثم تحيرت، ولكن عندما طلعت نجوم الحسن في سماء وجهها واشرقت وتوقدت ثم انبعثت من خديها ازاهير الجمال فنمت واعتمت --- بتُ  عندها ثلاث ليال متوالية، فلعمري كاد قلبي يصبو ويثوب مرفوض الهوى منسيّ الغزل.  

 

لقد كان هذا الكتاب (طوق الحمامة) ايحاء جديد للثقافة الاوربية في القرن الحادي عشر. فقد كانت الاندلس في ذلك القرن القطر المتمدن الوحيد في اوربا. وكان العرب الذين يقطنونها على اتصال باقطار العالم العربي من سمرقند شرقا الى المحيط الاطلسي غربا في حين كانت الثقافة الاوربية لا تزال قروية لاتعرف شيئا عن الحضارة المتطورة ولذلك كانت الحرية الفكرية عند الاندلسيين على اعلاها. وكان الاوربيون يتعلمون من الجامعات الاندلسية مختلف صنوف الاداب والعلوم والفنون.

 

وبهذا عرفت اوربا عن طريق هذا الكتاب الحب العذري والحب العفيف والفوا القصائد والقصص عن النبلاء الذين يخرجون لأنقاذ العذارى وحماية السيدات، وانتشر من ذلك الوقت فن القصص الغرامي الخيالي الذي عم فرنسا في القرون الوسطى وكان له طابعه ليس في الادب الفرنسي فحسب بل انما في الاخلاق الفرنسية، اخلاق الحب بين المتمدنين .

وهذه القصص الغرامية التي تفشت بأيحاء من كتاب الامام الاندلسي قد ارتفعت بالشهوة الجنسية الى مقام الحب العفيف وفيه اسلوب جذاب للشباب يؤكد على حقهم في التمتع بلذائذ عاطفة الحب بعد ان تنكرت عليهم في السابق بحكم قسوة التقاليد القديمة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز