عبد الحق خالد
K_maouna@yahoo.fr
Blog Contributor since:
16 February 2010

كاتب من الجزائر



Arab Times Blogs
نعم للحـرية في ليبيا...لكـن بأي ثمن؟..ج2

 الجـزء الثانـي والأخيـر.
      فـي الجزء الأول من هذا المقال تتبعت المراحل التي مرّت بها الأزمة الليبية وقدّمت الدليـل على أن الوحشية التي واجه بها القذافـي مواطنيه العزّل – إلى أن يثبت العكس- هي التـي ألّبت  الرأي العام العربي والعالمي ضده ، وفتحت بالتالي الباب على مصراعيه للنيتو للتدخل في ليبيا ليعيث فيها وفي المنطقـة الفساد، فكيف تطورت الأوضاع في هذا الاتجاه الخطير؟..

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=22008&a=1
     "السلطة المطلقة، مفسدة مطلقة"؟.. دعـنا ننطلق من مقولة ابـن رشد هذه كمدخل للإجابة عن السؤال المطروح..
     لا يختلف اثنان أن زعماءنا وساستنا العظام في زمن الانحطاط والتردي (أو إنسان ما بعد الحضارة) قد فهموا السياسة على أنها فن تضليل الجماهير وخداعها والاستعلاء عليها والاستئثار دونها بكل الخيرات والاستمتاع بالامتيازات التي تفوق الخيال من غير تقديم كشف للحساب؟.. حتى أوصلوا الأوضاع إلى ما نراه اليوم من غضب شعبي كاسح يكاد يهوي بالأنظمة في كل الدول العربية تقريبا إلى قاع سحيق؟.. ثم هم – بعد كل هذا الفشل الذريع في بناء الإنسان والدولة- وبدل تحمّل المسؤولية ومواجهة هذا الواقع المتفسخ الذي صنعته أيديهم يذرفون دموع التماسيح على وحدة البلد التي تتهددها المؤامرات الخارجية والمعارضة الداخلية {غير الوطنية/المتآمرة} الطامعة في "التداول السلمي على السلطة"؟.. فكيف يفهم غيـرنا السياسة يا ترى ؟..
     إن ذلك السياسي الغربي الذي أعلن: » إن سياستنا لا تخطيء لأنها علم« .. لم يكن يبالغ أو يتلاعب بالألفاظ.. فالسياسة (كفن الممكن) بالنسبة لرجل الحضارة تتجاوز الأهواء والمزاجية.. إلى التفكير العقلاني في تغليب المصالح العليا للدولة (ممثلة في مؤسسات) على مصالح الأفراد مهما علا شأنهم أو عظمت مآثرهم!.. وقد كان تشرشل وديغول وغيرهم أبطالا قوميين دافعوا في فترة الحرب بفضائل الزعماء الكبار عن مصالح بلدانهم وقادوها إلى النصر.. ولكن الشعوب في مرحلة ما بعد الحرب اختارت أن تتولى عملية إعادة البناء والإعمار دماءٌ ووجوهٌ جديدة، من غير أن تتنكر لتضحيات وإنجازات هؤلاء العظماء، فما كان من الرجال الكبار إلا أن انصاعوا عن طيب خاطر لإرادة مواطنيهم الحرة، واعتزلوا الحياة العامة فتفرّغوا ينقلون تجاربهم الثرية للأجيال القادمة في شكل دراسات قيّمة ومذكرات.. ولم يبشّر أي منهم شعبه بالحرب الأهلية أو تقسيم البلد؟!.. فلماذا يتشبث قادتنا وزعماؤنا بكراسي الحكم عقودا ولا يغادرونها إلا إلى القبر أو حبل المشنقة.. وفي أحسن الأحوال يغادرونها تحت نعال ولعنات الشعوب التي لم تعد تسكت على إهدار كرامتها وإنسانيتها، ولكن بعد أن يتركوا البلد خرابا تفوح منه رائحة الدماء والأشلاء؟!.. 

     والقذافـي ليس بدعاً بين هؤلاء فهو لم يحتكم يوما أو ينصت لصوت العقل، بشهادة أقرب مقربيه.. ورغم أنه في شبابه تمرّد وأشهر السلاح (طلبا للتغيير) في وجه نظام ملكي رأى فيه الرجعية والتخلف والعمالة للاستعمار، بل كان من حظه أن حكم البلاد حكما مطلقا لم ينافسه فيه منافس لأكثر من أربعين سنة، لم يحقق فيها من النجاح ما أمّله مواطنوه من بناء دولة القانون والمؤسسات؟.. هذا القذافـي لم يتقبل أن يطالبه الناس بإجراء إصلاحات، بُله بالتنحي عن الحكم، وهو لم يستوعب أن أجيالا بكاملها خرجت تعبّر عن حاجات وطموحات تختلف عن تلك التي كانت لأبناء جيله، تماشيا مع سنة التغيير!.. لذا بادر إلى ترويعهم بالقتل، في محاولة لثنيهم عن التفكير في زعزعة عرشه وعرش ولده "سيف" من بعده.. ولكن كان للتاريخ كلمته، وهي بكل تأكيد ليست كلمة العـقيد ؟..

     إن الغرب الاستعماري – وليس القذافـي- قارئ جيّد للتاريخ وللآخر؟.. فقد تعامل معنا عن قرب قرونا من الزمن حتى أصبح يعرفنا أكثر مما نعرف نحن أنفسنا، وهو ولاشك يعرف تماما العاطفية والسطحية التي تطبع تفكيرنا؟.. لذا فقد قرأ شخصية القذافـي قراءة دقيقة عميقة، وكان يعلم أنه لن يتنازل عن الحكم أو يتراجع مهما كلّفه ذلك من تحويل ليبـيا إلى قطعة من الجحيم؟..لأن عقليته القبلية المتغطرسة ونزعته التسلطية تشخّص المشكلات فتعتبر مجرد الاختلاف في الرأي تطاولا يستوجب الانتقام بقسوة؟. لذا كان يمارس عليه ضغطا متزايدا (إدانة القمع ضد المتظاهرين، وحثّه على الاستماع لمطالبهم....الخ) فيدفعه دفعا للوقوع في الخطأ، وبدل أن يفوّت القائد العظيم الفرصة على الغرب بالانفتاح على أبناء شعبه وإعطاء الناس حقوقهم (على اعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات في كل دساتير الأرض) وهي ليست مزيّة منه أو منّة؟!.. كانت طبيعته تأبى عليه إلا الاندفاع والتعنت فتأتي ردود فعله في شكل تصريحات غير مسئولة ( طز في العرب وجامعتهم، طز في أمريكا والحلف الأطلسي...) أو في صورة ارتكاب مزيد من الحماقات والامتناع عن تقديم أية تنازلات، وظلّ يراهن على حلفائه التقليديين – روسيا والصين- في كسب معركة الشرعية معتقدا أنهم لن يتخلوا عنه،  ولكنهم خذلوه عندما أزفت لحظة الحقيقة! .. لقد كان الزعيم – من حيث أراد أم لم يرد – منفّـذا ممتازا لمخطط التدخل الغربي في ليبيا وكامل المنطقة التي تحوّلت إلى مستنقع آسن؟!.. والغريب أن يتكرر نفس السيناريو في سوريا بنفس الخطوات والتهم (المؤامرة الخارجية).. والنظام السوري يعلم أنه بمضيّه في ممارساته البشعة تجاه مواطنيه (مقتل الطفل حمزة الخطيب) إنما يعجّل نهايته ويسوق نفسه سوقا إلى ذات المصير المحتوم؟!..

     إن القذافي الذي يخشى كلمة "حرية"، ومثله باقي القادة والزعماء، ظل يناور ويداور – حتى وهو في نزعه الأخير-كي يوهم البسطاء من أبناء العالم العربي - ومن باب أولى  نفسه- أنه زعيم يحاول التصدي لهجمة الصليبية الحاقدة على الإسلام وصدّ أطماع القوى الاستعمارية والإمبريالية في ثروات بلاده النفطية؟.. وهي مغالطة تحيد بالصراع عن مساره الصحيح؟ فلا يبقى بين شعب عانقه شوق الحياة – على حد تعبير الشابي- فقرر الانعتاق من العبودية لشخص مهما كانت آلة بطشه، وديكتاتور دموي مُصر على تدمير الحياة؟.. وإنما شكل صراع بين زعيم وطني مخلص يستبسل في الذود عن حمى الإسلام ضد الغرب المسيحي الغازي لتطهير الأرض من الخيانة، وحفنة من العملاء استقوت بالخارج؟.. ما يجعل انتهاكاته وشناعاته مستساغة في حكم (أهون الشرّين، ووأد الفتنة.. إلى ما هنالك من هذا الكلام الجاهز للاستهلاك).. وقد نجح بالفعل في إقناع البعض ممن تنادوا على شاشات الفضائيات إلى لعنة كل رافض لهذا المنطق الأعرج؟.. منطق يجعل الشعوب حُكماً أمام خيارين أحلاهما مـر، فإما أن ترضخ للديكتاتورية والاستبداد المطلق (كقـدر محتوم) أو تواجه التقسيم والفتنة الداخلية والغزو الخارجي، تحت مسمى الاستعمار والحرب الصليبية!.. أجـل فلا طريق آخـر لهذه الشعوب – ناقصة الأهلية- إلا الانسحاق تحت أقدام السادة الأوصياء – محتكري الوطنية- أو تبشيرها بالحرب الأهلية والتقسيم والتشرذم.. والاستعمار؟..

      إن تطورات الأوضاع وخطورتها الظاهرة للعيان تفرض على كل وطني مخلص من أحفاد عمر المختار وكل عربي مؤمن بقضية التحرّير المقدسة أن يعيد تقييم الموقف في ليبيا؟.. فمن الواضح أن ثمن الحرية في هذا البلد غير الآمن – إلى أن تنجلي الغمة- سيكون أفدح منه في  كل من تونس ومصر وغيرهما، لأنه ربما تجاوز مسألة تنحي القذافي إلى الانتقاص من سيادة الدولة الليبية؟!.. وهو أمر مرفوض بالمطلق.. لأننا إذا كنا نقـول: نعم لتنحي القذافي، فإننا نرفض العدوان على الأراضي والسيادة الليبية.. عدوان يشكل تهديدا مباشرا لكامل دول المنطقة ويفتح الباب واسعا أمام الاستعمار بوجهه الجديد؟.. إنها لسابقة خطيرة تهدد أمن واستقرار الدول أن تسارع الدول الغربية إلى التدخل في شؤون غيرها كلما شهدت دولة ٌ– على محور طنجة/جاكرتا - أزمة داخلية أو اضطرابات (مهما كانت بسيطة يمكن تسويتها والتحكم فيها) بحجة حماية الشعب (حقوق الإنسان) من انتهاكات وتجاوزات حكامه؟..
     إن ثوراتنا العربية مجتمعة هي ولاشك تعبير صادق عن رغبة متأصلة في الانعتاق والتحرر من قبضة الحكام المستبدين وبناء الدولة المدنية، وهي رغبة مشروعة.. وأنا وإن لم أكن من المروّجين لنظرية المؤامرة، فإني كذلك لا أستطيع أن أقنع نفسي أن هذا الطوفان الذي يجتاح عالمنا العربي وتشابك الأحداث في ليبيا – وسوريا- بل وضبابيتها أحيانا كثيرة هي أعمال عفوية بريئة لا يد فيها لأية جهة اللهم إلا إرادة هؤلاء الشبان الغاضبين وتصميمهم على إسقاط أولئك الأصنام المتجبّرين؟.. لذا أحب التنبيه لجملة من المسائل الدقيقة أراها ذات أهمية خاصة ولا يجب إغفالها، وهي:

     أولا: يجب على المعارضة الليبية في الداخل والخارج أن تبرهن عن صدق وطنيتها وأن تكون واعية بأهمية اللحظة التاريخية وحساسية المرحلة التي تمر بها ليبيا والأمة العربية، وأن (تتحلى بروح مسؤولية عالية) فتؤدي دورها بعيدا عن التحريض أو التهويل الذي قد يهدد لحمة المجتمع الليبي ووحدته الترابية بالتصدع ومستقبل أجياله؟.. فلا تخفى عليها الأطماع الغربية المعلنة والخفية (لأنه لا شيء مجاني).. أي أن القضية بالأساس هي قضية الشعب الليبي الذي عليه أن يقرر مصيره بنفسه قبل أن يطلب الرفد من الآخرين؟.. ولكن تقرير المصير يعني ابتداءً حقن دماء الليبيين الطاهرة (بعيدا عن إشباع شهوة الانتقام) ولا يعني بحال الارتماء في أحضان النيتو وجر البلاد إلى مستقبل – ربما غابت عن الثوار أنفسهم ملامحه؟!.. فالأهداف يجب أن تكون واضحة لا غبار عليها، والموقف من القوات الأجنبية يجب أن يكون حاسما (تبادل المصالح  - وليس تقديم التنازلات- يجب أن يكون الند للند)..
     ثانيا: لقد كان الأولى – وقد تعذر الحل بين الفـرقاء الليبيين- أن تـُرفع القضية إلى اتحاد دول المغرب العربي لحلها داخل البيت المغاربي لو كان قائما متماسكا، ولكن أين هو اتحاد المغرب العربي؟.. إنه يهدر الوقت ومعه المزيد من الفرص في مسائل هامشية لا تعكس تطلعات الشعوب وآمالها!.. فكان حلها داخل البيت العربي الأكبر أمرا لابد منه، ولكن هذا الحل أيضا قد استعصى بسبب حالة الترهُـل التي تعيشها الدول العربية وجامعتها، وترقّب كل واحدة منها لما ستؤول إليه الأوضاع عندها.. مما فوّت على العرب فرصة حل مشاكلهم بأنفسهم، وأعطى غيرهم – باسم المجتمع الدولي- حق التدخل في شؤونهم!..
    ثالثا: لقد كان في استطاعة تركيا "أردوغان" منذ اليوم الأول للأزمة، وهي لاعب إقليمي لا يستهان به، أن تلعب دورا أكثر فاعلية من دورها الذي اتسم بالغموض والحذر ولم يتضح إلا في الآونة الأخيرة، فتسهم في حلحلة النزاع بأقل الأضرار الممكنة؟. خاصة وأن مواقف كثيرة مشرّفة كانت لها في وقت سابق تجاه الكثير من القضايا العربية والإسلامية، سواء عن طريق الشارع التركي المتعاطف مع قضايانا أو بثـقلها ودبلوماسيتها الذكية المؤثرة...
     إن زمن القابلية للاستعمار "خارجيا كان أو داخليا" قد ولّى إلى غير رجعة، وعلى الأنظمة (القذافي والأسد وصالح...) التي أصبحت عبئا ليس على الشعوب فحسب وإنما على التاريخ؟ أن تختار بين الاستجابة لرغبة الناس العارمة في الإصلاح والتغيير فتضمن خروجا آمنا مشرّفا أوالاستهتار بالأرواح والحريات والعبث بمقدّرات الأجيال، فتخرج – غير مأسوف عليها- إلى مزبلة التاريخ؟!..

                                                                        عبـد الحـق خالـد
                                                                        كـاتب من الجزائـر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز