د. ادريس جنداري
drissejandari@yahoo.fr
Blog Contributor since:
27 February 2010

كاتب وباحث مغربي

 More articles 


Arab Times Blogs
الإصلاحات السياسية في المغرب و سؤال الدولة المدنية

الكتلة الديمقراطية و المؤسسة الملكية
صراع الخيارات
    عاش المغرب على إيقاع صراعات مريرة بين  تيارات الحركة الوطنية و المؤسسة الملكية؛ و ذلك بعد حصوله على الاستقلال؛ و قد كان هذا الصراع بين خيارين سياسيين؛ خيار المؤسسة الملكية القائم على أساس ملكية تستمد مشروعيتها من الدين و من التجربة التاريخية؛ و خيار الحركة الوطنية؛ القائم على أساس ملكية؛ تستمد مشروعيتها من الخيار الديمقراطي الذي يمنح السلطة للشعب؛ يمارسها عبر مؤسسات ديمقراطية .
     و هذا يعني أن الصراع لم يكن حول المؤسسة الملكية؛ بل حول طبيعة هذه المؤسسة؛ و ذلك لان الحركة الوطنية حاربت الاستعمار الفرنسي-الإسباني في شراكة مع المؤسسة الملكية؛ في إطار ما سمي بثورة الملك و الشعب؛ بل و قد وصل الأمر إلى الدفاع عن المرحوم محمد الخامس في منفاه؛ باعتباره الممثل الوحيد للسيادة الوطنية . لقد كان الصراع إذن حول طبيعة الملكية؛ التي يريدها المغاربة؛ هل هي ملكية تنفيذية تستمد قوتها من الزخم التاريخي و الديني؛ أم هي ملكية ديمقراطية تستمد مشروعيتها من المُنجَز الديمقراطي الحديث؛ الذي فضل المغرب منذ حصوله على الاستقلال الاصطفاف إلى جانبه.
    و قد ظهر هذا الصراع منذ البداية في علاقة حزب الاستقلال مع المؤسسة الملكية؛ حينما رفض الملك محمد الخامس مفهوم الملكية الدستورية في نص وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 يناير 1944) فرغم إشارة الوثيقة لأول مرة إلى السلطان على أنه (ملك)؛ فإن الوثيقة لم تشر إلى الملكية الدستورية ؛ بل اكتفت بمطالبة الملك محمد الخامس بإقامة نظام شبيه بأنظمة الحكم في المشرق العربي. " و قد كان تحفظ محمد الخامس حول مفهوم الملكية الدستورية راجعا بالأساس إلى كون هذا المفهوم بدا مطلبا ثوريا من الناحية السياسية؛ يصعب قبوله بسهولة من قبل شخصيات نافذة في المخزن". (1)
    لقد كان الصراع بين الحركة الوطنية و المؤسسة الملكية؛ حول طبيعة النظام الملكي؛  كان يجسد صراعا آخر أكثر عمقا؛ بين منظومتين سياسيتين؛ منظومة التقليد المتجذرة؛ و منظومة  التحديث الطارئة؛ و لذلك فإن الاتفاق الذي تم فيما بعد حول مفهوم الملكية الدستورية؛ كان اتفاقا شكليا لم يتجاوز المفهوم إلى ما ينتج عنه من التزامات مؤسساتية؛ " فالاتفاق بين الملك و الحركة الوطنية حول شعار الملكية الدستورية؛ لا يعني الاتفاق بينهما حول مضامينه؛ و حول طريقة وضع الدستور " (2)
    لقد كان ثقل التقليد أكبر بكثير من مظاهر التحديث السياسي التي جلبها الاستعمار؛ بل إن الاستعمار نفسه التجأ في البداية إلى منظومة التقليد لشرعنة استغلاله لثروات البلاد؛ و هذا هو ما ساهم أكثر في تراجع الفكر الدستوري الحديث؛ ليفسح المجال أمام الفكر السياسي السلطاني؛ الذي سيحتكر المجال السياسي؛ من منظور مؤسسة إمارة المؤمنين كفاعل أوحد؛ يحتكر جميع السلطات.  لذلك فرغم تأكيد دستور 1996 في الفصل الأول منه على أن " نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية "   فإن الفصل التاسع عشر من نفس الدستور يؤكد أن " الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.
و هكذا يغطي الطابق (العلوي) من الدستور على الطابق (السفلي) بشكل كامل؛ فننتقل بسرعة البرق من ملكية دستورية؛ ديمقراطية و اجتماعية؛ بما تجسده من سلطة تأسيسية في يد الشعب؛ و فصل بين السلطات؛ و ارتباط هذه السلطات بالإرادة الشعبية التي تجسدها الانتخابات ... إلى مؤسسة إمارة المؤمنين؛ بحمولتها التاريخية و الدينية؛ و التي تقوم على أساس احتكار السلطة التأسيسية؛ و الجمع بين السلطات؛ و الارتكاز على الشرعية التاريخية و الدينية ...
     إن هذا التداخل بين الملكية الدستورية الديمقراطية و الاجتماعية بشحنتها الدستورية الحديثة من جهة؛ و مؤسسة إمارة المؤمنين بشحنتها التراثية المرتبطة بالفكر السلطاني من جهة أخرى. هذا التداخل هو الذي خلق الكثير من التوترات في حياتنا السياسية؛ بين المؤسسة الملكية و النخبة التقدمية؛ لتنجح المؤسسة الملكية أخيرا في ترويض الجناح التقدمي من الحركة الوطنية؛ عبر تجربة التناوب نهاية تسعينيات القرن العشرين؛ و لنعود مرة أخرى إلى نقطة البدء؛ و كأننا مقدر علينا أن ندور لقرون في حلقة مفرغة؛ لا تؤدي إلى أي شيء .
من وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى حكومة جطو ..
     تكريس وضعية الملكية الحاكمة 
    لا يمكن أن نستوعب مسار التجربة السياسية في المغرب بشكل أوضح؛ من دون إدراك طبيعة تشكله ضمن تاريخ المغرب الحديث؛ في إطار تبادل الأدوار بين المؤسسة الملكية و فصائل الحركة الوطنية؛ و يتعلق الأمر بثلاث مراحل أساسية:


من  مرحلة الأربعينيات إلى مرحلة الستينيات
   ارتبطت هذه المرحلة بصياغة وثيقة المطالبة بالاستقلال الصادرة بتاريخ 11 يناير 1944، باعتبارها العقد السياسي الأول بين المؤسسة الملكية و الحركة الوطنية؛ و قد كان هذا التحالف بهدف تحقيق مطلب الاستقلال.  و خلال هذه المرحلة تمكنت المؤسسة الملكية من استثمار هذا التحالف؛ لتحقيق الشرعية الشعبية؛ و في نفس الآن تمكنت الحركة الوطنية من اكتساب شرعية سياسية؛ كفاعل سياسي أساسي؛ إلى جانب الملك. و قد كان أول اختبار لعمق هذا التحالف؛ أثناء نفي الملك  محمد الخامس سنة 1953؛ حين أصرت فصائل الحركة الوطنية على التزامها مع المؤسسة  الملكية؛ و رفعت  شعار "رجوع ابن يوسف الملك الشرعي للبلاد" . و قد استمرت هذه المرحلة؛ و استمر معها هذا التحالف حتى وفاة الملك محمد الخامس سنة 1961.


 مرحلة ما بعد الاستقلال حتى حدود التسعينيات
       بعد حصول المغرب على الاستقلال؛ تحقق الاتفاق بين الحركة الوطنية و بين الملك محمد الخامس على "الملكية الدستورية" كنظام في الحكم؛ لكن هذا الاتفاق ظل ناقصا؛ لأنه ركز على الشعار؛ بينما تناسى مضمونه السياسي؛ حيث كانت الحركة الوطنية تقصد بشعار الملكية الدستورية "ملكية مقيدة"، تمثل السيادة و لا تحكم؛ بينما كان الملك يقصد بالشعار " ملكية تنفيذية حاكمة"  تسود و تحكم . و لعل هذا هو ما سيترسخ بشكل أكبر؛ مع المرحوم (الحسن الثاني) الذي شكل نظام الملكية الدستورية على طريقته الخاصة؛ باعتبارها مؤسسة سياسية تستمد مشروعيتها من منظومتين:
منظومة التقليد: مجسدة في سلطات إمارة المؤمنين؛ التي ترتبط بالتاريخ و الدين.
منظومة الحداثة: مجسدة في الملكية الدستورية؛ التي ترتبط بالفكر الدستوري الحديث.
لكن هذا المزج بين منظومتين متناقضتين؛ وقعت بينهما قطائع في الفكر السياسي الحديث؛ هذا المزج كان السبب الرئيسي في إعاقة الانتقال نحو الدولة المدنية الديمقراطية؛ و بالتالي تم التأسيس لتجربة سياسية سمتها الاختناق و الجمود .
و كنتيجة مباشرة لهذه الوضعية السياسية المأزومة؛ فقد عاشت الملكية خلال هذه المرحلة فترات عصيبة؛ سواء في علاقتها بالمحيط الدولي؛ أو في علاقتها بالمعارضة على مستوى الداخل؛ و لذلك يمكن الحديث بخصوص هذه المرحلة عن فترتين:
-خلال الفترة الأولى؛ عاشت المؤسسة الملكية لحظات صعبة؛ نظرا لتظافر مجموعة من العوامل الداخلية و الخارجية؛ نذكر منها:
  انضمام رقم سياسي جديد إلى اللعبة السياسية الرسمية (الاتحاد الاشتراكي) بعد عقد مؤتمره الاستثنائي سنة 1975 و القطع مع التيارات الراديكالية (تيار عبد الله إبراهيم و المهدي بن بركة).
 الاهتزاز الكبير الذي أصاب المؤسسة الملكية بعد انقلابي 1971 و 1972 و الذين طرحا مسألة علاقة المؤسسة الملكية بالجيش و سلطتها عليه. و هي المرحلة التي ستشهد إلغاء منصب وزير الدفاع و إسناد رئاسة الأركان إلى الملك شخصيا.
 صدور قرار محكمة العدل الدولية بخصوص الصحراء و تنظيم المسيرة إلى هذه المناطق سنة 1975.
بداية برامج التقويم الهيكلي خلال الثمانينات مع ما أفرزه ذلك من احتقان اجتماعي قاد إلى انتفاضات شعبية (1981 – 1984).
بروز تنظيمات ماركسية لعبت دورا كبيرا في تأجيج الصراع الاجتماعي و السياسي و في قيادة صراع إيديولوجي ضد الأحزاب الوطنية أدى إلى تعرية انتهازيتها و فقدان مصداقيتها خاصة وسط شباب الجامعات و أوساط المثقفين.
-و خلال الفترة الثانية؛ استطاعت المؤسسة الملكية أن تربح الرهان؛ و أن تعود إلى المشهد السياسي بقوة؛ ساعدها في ذلك نجاحها في استقطاب حزبي الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي؛ كتيارين أساسيين في الحركة الوطنية؛ خلال المرحلة الأولى .
و قد ارتبطت الفترة الثانية بعقد الثمانينات؛ حيث ظهرت في الساحة السياسية المغربية ظاهرة فريدة تمثلت في تفريغ الأحزاب  الإدارية وصعودها المفاجئ  إلى البرلمان و الحكومة. و لم يتوقف هذا التحالف إلا بعد أن استأنست المؤسسة الملكية من نفسها القدرة على استعادة  التحكم من جديد في الساحة السياسية بكاملها .
مرحلة التسعينيات حتى حدود (2011)
    تميزت هذه المرحلة بتعديلين دستوريين متتاليين؛ تعديل 1992 و تعديل 1996؛ و قد جاء التعديلان كنتيجة للوضع السياسي الجديد الذي ارتبط بتأسيس الكتلة الديمقراطية في ماي 1992؛ و هو تأسيس سيفرض على المؤسسة الملكية تحديات جديدة؛ ترتبط بسؤال الديمقراطية؛ الذي تم تغييبه من طرف الأحزاب الإدارية التي هيمنت على الحياة السياسية؛ خصوصا و أن زعماء الأحزاب السياسية المشكلة للكتلة الديمقراطية خرجوا من رحم الحركة الوطنية مجسدة في حزب الاستقلال؛ باستثناء (علي يعتة) الذي يعتبر من قدماء الحزب الشيوعي المغربي .
    و قد تأسست الكتلة الديمقراطية كرد فعل على الاختناق السياسي؛ الناتج عن تهميش المؤسسة الملكية للشركاء السياسيين الأساسيين الممثلين لتيارات الحركة الوطنية؛ و تعويضهم بأحزاب سياسية مصنوعة على المقاس؛ لبناء ديمقراطية الواجهة. و قد كان المدخل النضالي للكتلة الديمقراطية؛ مدخلا دستوريا؛ "فمنذ بداية التسعينات رفعت أحزاب الكتلة شعار الإصلاح الدستوري أولا؛ و تركز النقاش في اتجاه واحد هو: اقتسام السلطة بين الملك و بين المؤسسات التمثيلية؛ وفق تعديل دستوري يمس جوهر النص ".  (3)
    و هكذا انتقلت الكتلة الديمقراطية للتعبير عن تصوراتها للتعديل الدستوري؛ من خلال مذكرات بعثت بها إلى الملك (الحسن الثاني) تهدف من ورائها إلى تعديل الدستور للوصول إلى "إقامة ملكية دستورية ذات طابع برلماني؛ عوض ملكية دستورية ذات طابع رئاسي (..) و توسيع صلاحيات الحكومة و البرلمان؛ و التركيز على الدور التحكيمي للمؤسسة الملكية". (4)
    و كنتيجة مباشرة لهذه الضغوط السياسية التي مارستها الكتلة؛ جاء التعديل الدستوري لسنة 1992 معبرا عن استيعاب المؤسسة الملكية لرسالة الكتلة و لضغوط الرأي العام الداخلي و الخارجي؛ و بعد ذلك جاء الرد الثاني سياسيا بمطالبة الملك الحسن الثاني للكتلة بتحمل المسؤولية الحكومية عبر اتصالات سرية قادها احمد رضا كديرة. لكن نتائج انتخابات 1993 التي لم تمنح للكتلة أغلبية مريحة؛ دفعت الاتحاد الاشتراكي إلى تعليق تجربة حكومة التناوب التعاقدي.
    و قد جاءت تعديلات 1992 لإعادة الثقة بين الملكية و الأحزاب الوطنية؛ تمهيدا للموافقة الواسعة على دستور 1996، الذي كان يراد منه؛ تمكين أحزاب المعارضة الوطنية في الكتلة الديمقراطية؛ من المشاركة في تدبير الشأن العام على المستوى الحكومي.
    و هكذا سيتم تكليف الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي  بمسؤولية الوزير الأول لتسيير حكومة 14 مارس 1998؛ و قد جاء ذلك كنتيجة مباشرة لتصويت أهم مكونات " الكتلة الديمقراطية "، و في مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و لأول مرة لصالح الدستور في استفتاء 1996، مما اعتبر في حينه بمثابة إشارة قوية في اتجاه تقارب مكونات الحقل السياسي المغربي .
    لكن أهم ما جاء به دستور 1996؛ و لم توليه مكونات الكتلة الديمقراطية الاهتمام الكافي؛ هو إحداث غرفة ثانية؛ فقد جاء في الفصل السادس و الثلاثون: "يتكون البرلمان من مجلسين، مجلس النواب ومجلس المستشارين، ويستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه "؛ و ذلك عبر العودة إلى دستور 1962 الذي سبق له أن أقر نظام الغرفتين و تخلى عنه في دساتير (1970-1972-1992) .
 و قد كانت هذه الخطوة؛ التي اتخذتها الملكية؛ باعتبارها تمتلك السلطة التأسيسية؛ كانت خطوة في اتجاه تقزيم دور الكتلة الديمقراطية في الحياة السياسية؛  عبر فرملة العمل التشريعي و إحداث صمام آمان تنظيمي؛  يحمى من كل الانزلاقات التي قد يؤدى إليها فوز الكتلة بأغلبية ساحقة في مجلس النواب؛ و لذلك فإن هذه الغرفة جاءت بهدف التحكم في المشهد السياسي، و هذا كان في نفس الوقت مؤشرا على انعدام الثقة بين مكونات الكتلة (المعارضة) و المؤسسة الملكية؛ خصوصا و أن الفصل السابع و السبعين يؤكد أن " لمجلس المستشارين أن يصوت على ملتمس توجيه تنبيه للحكومة أو على ملتمس رقابة ضدها".
فكيف يحق لمجلس لم ينصب الحكومة أن يسقطها؛ أليس هذا ابتكار مخالف للمنطق الدستوري السليم؟ و كيف تأتى التنصيص على هذا التدبير الذي لا تتبناه الأغلبية الساحقة من الأنظمة المعاصرة؛  لأنها تقدر عدم صوابه؛ فما هو الدافع إلى تبني هذا الشدود المثير في وقت تتأكد فيه الحاجة أكثر إلى الاستفادة من التجارب الإنسانية لتجاوز الاختلالات الناجمة عن خصوصية لا تحفظ للديمقراطية جوهرها " (5) 
     و نتيجة لاختلال التوازن بين مكونات الكتلة و المؤسسة الملكية؛ فقد انتهت هذه المرحلة من تاريخ المغرب؛ بتقوية أركان المؤسسة الملكية من جديد؛ مع تراجع دور الكتلة الديمقراطية في تحقيق الانتقال نحو ملكية دستورية بطابع برلماني؛  كما جاء في مذكرات التسعينيات. " فقد خفضت الكتلة سقف مطالبها الدستورية؛ و انتهت أغلب أحزابها بالتصويت بنعم على دستور 1996؛ رغم أنه مثل تراجعا بالمقارنة مع دستور 1992 " (6)
    و قد توضح هذا التراجع؛ من خلال النتائج السياسية التي لم تكن البتة في مستوى الطموحات و النضالات؛ التي قادها الشعب المغربي؛ بقيادة تيارات الحركة الوطنية؛ و هذه الخيبة هي التي عبر عنها قائد سفينة التناوب المناضل الوطني عبد الرحمان اليوسفي؛ في محاضرته الشهيرة في بروكسيل( في إطار منتدى الحوار الثقافي و السياسي ببلجيكا ) حيث قدم تقييما شاملا لوضع المغرب السياسي؛ ليستنتج في الأخير؛ " أنه بعد انتهاء التجربة بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها؛  بمعنى التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام؛ التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي؛ فإننا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام متطلب وطني يلزمنا بالانتظار " (7)

المؤسسة الملكية و الكتلة الديمقراطية: توافقات بآفاق  مسدودة
لقد جاء تصريح الأستاذ اليوسفي؛ خلال مرحلة عاش جميع المغاربة توتراتها؛ و هم يشاهدون تهديم البناء؛ الذي شارك الجميع في إقامته منذ تشكل الكتلة الديمقراطية؛ و ما تلاها من تعديلين دستوريين خلال 1992 و 1996 .
و قد كان تعيين السيد إدريس جطو كوزير أول (تقنوقراطي) لقيادة حكومة 2002؛ كان هذا التعيين بمثابة المسمار الأخير الذي دقته الملكية في نعش الكتلة الديمقراطية؛ فقد كانت الرسالة موجهة إلى ما سمي بالمنهجية الديمقراطية؛ في تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية؛ كإستراتيجية اتخذتها أحزاب الكتلة لتقوية مؤسسة الوزير الأول؛ و لإعادة الاعتبار للأحزاب السياسية –و خصوصا أحزاب الحركة الوطنية- كشريك أساسي للملكية في ممارسة الحكم .
     لقد تم تحطيم طموح ديمقراطي كبير؛ بدأ مع استقلال المغرب؛ و ترعرع في ظروف صعبة جدا؛ ليشرع أخيرا أبواب الأمل أمام المغاربة؛ لكن جاءت الضربة القاضية؛ و عدنا إلى نقطة الصفر –كعادتنا- من جديد.
         وقد  كان ذلك –بالطبع- على حساب تحول المغرب نحو الديمقراطية و دولة المؤسسات؛ فقد تم تكريس النموذج السياسي السلطاني؛  و في نفس الآن تم الإجهاز على إرث نضالي كبير؛ أسسته فصائل الحركة الوطنية؛  في تفاعل خلاق مع المنجزات السياسية الحديثة؛ و لذلك وجدنا أنفسنا كمغاربة الآن نطرح أسئلة قديمة؛ كان بالإمكان الحسم معها منذ عقود. فقد أصبحنا " نشعر كل مرة بأننا نضيع الوقت و الزمن؛  لأننا لا نتقدم بالسرعة المطلوبة؛ في إنجاز مهماتنا الكبرى؛ كشعب و أمة و هيئات و مؤسسات؛  و كأننا ضحية قانون "عود أبدي" ينتصب أمام تجاربنا التاريخية كقدر جدير بالمآسي الإغريقية " (8)

 

 خطاب تاسع مارس 2011 و سؤال الدولة المدنية
 الإصلاح السياسي كقدر عربي مشترك
    على إثر الأحداث التي فجرتها الثورة التونسية؛ دشن العالم العربي لأول مرة من  تاريخه؛ دشن لحقبة سياسية جديدة؛ تميزت بعودة الإرادة الشعبية بقوة؛ بعد قرون من اختطافها من طرف الطبقة الحاكمة؛ و استبدالها بمشروعيات بديلة؛ تقوم على الدين و الشرعية التاريخية و القوة العسكرية و النزعات القبلية و الطائفية ... لقد تهاوت جميع هذه الشرعيات بهبة ريح عاصفة و في لمح البصر؛ و خرجت الإرادة الشعبية من
قمقمها؛ بعد قرون من الاحتجاز.
   في المغرب – وكعادتنا- سمعنا كثيرا عن الاستثناء المغربي؛ أي أن المغرب صنع خصوصيته في منأى عن المشرق العربي؛ و لذلك فهو لا يتأثر بالرياح القادمة من الشرق؛ بل بالرياح القادمة من الغرب –كما يحلو للبعض أن يعبر- و قد نسي هؤلاء أو تناسوا عن عمد أن المغرب ظل لقرون امتدادا طبيعيا للأمة العربية؛ يسير معها على نفس الإيقاع و في نفس الاتجاه؛ فقد عاشت الأمة العربية بمشرقها و مغربها على إيقاع الحركات الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر؛ و حاربت الأمة العربية الاستعمار و عاشت على إيقاع حركات التحرر الوطني مشرقا و مغربا ... إنه مصير مشترك يفرضه منطق التاريخ؛ و لا يمكن لأي كان أن يعارض هذا المنطق؛ فالمغرب امتداد للأمة العربية و يعيش معها نفس المصير؛ أحب من أحب و كره من كره.
    إن هذه الحقيقة هي التي تفرض نفسها الآن بقوة مع الربيع العربي؛ الذي بدأ –لحسن الصدف- من المغرب و اتجه نحو المشرق؛ ليعود إلى المغرب مرة أخرى؛ ملتزما بالاتجاه نحو المشرق من جديد؛ في تفاعل و انسجام قل نظيره في العالم اجمع؛ و كأننا بصدد سيمفونية موسيقية في غاية الإتقان تأليفا و عزفا؛ و هذا ليس صدفة البتة بل هو عين المنطق؛ لأن هذا الانسجام و التكامل يمد جذوره بعيدا في أعماق التاريخ العربي؛ و يستمد قوته من وحدة اللغة و الدين و التاريخ و المجتمع ...
حركة 20 فبراير .. المياه الراكدة تتحرك
    جاءت (حركة 20 فبراير) أخيرا و بعد نقاش مستفيض حول التأثير الذي يمكن أن يمارسه الربيع العربي على المغرب؛ جاءت لتلغي أسطورة الاستثناء المغربي؛ و لتؤكد في نفس الآن أن المغرب جزء لا يتجزأ من الامتداد العربي؛ يتأثر بما يقع في جواره العربي إقليميا و قوميا.
    و لعل ما منح (حركة 20 فبراير) قيمة أكبر؛ هو احتضان المجتمع لها؛ و اعتبارها تجسيدا لطموح قديم في التغيير السياسي؛ الذي طالما ناضلت في سبيله فصائل الحركة الوطنية منذ حصول المغرب على الاستقلال؛ كما ناضلت في سبيله النخبة الفكرية؛ التي عملت على ترسيخ قيم الحداثة داخل المجتمع المغربي؛ ليكون في مستوى طموحاته في التغيير.
      هكذا إذن تحركت عجلة التغيير؛ بعد أن ظن الجميع أن التجربة السياسية المغربية محصنة غاية التحصين؛ و لن تكون كغيرها في مهب رياح التغيير؛ لأنها تمتلك مقومات تاريخية و دينية تسندها. لكن مكر التاريخ –بتعبير هيجل- جاء ليقلب جميع هذه التوازنات؛ و يفرض في المقابل وضعا جديدا؛ لا يستجيب بالضرورة لرغبات الأفراد و الجماعات؛ بل يستجيب لمنطق التطور و التقدم الذي يعتبر ركيزة أساسية في حركية المجتمعات و الدول .
    لنفترض أن الدولة المغربية استوعبت هذا الدرس؛ و جاء الخطاب الملكي للتاسع من مارس تأكيدا على هذا الاستيعاب؛ لكن لنفتح مجال الشك المنهجي؛ و نتساءل:
هل استيعاب الدولة المغربية لدرس التاسع من مارس؛ يشرع أمام المغاربة أبواب الأمل؛ في بناء دولة مدنية حديثة؛ تقوم على أساس الديمقراطية و المؤسسات ؟
هل يمكن أن نعتبر أن خطاب التاسع من مارس؛ يؤسس لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي المغربي؛ تقوم على أساس القطع مع القيم السياسية السلطانية الموروثة عن الماضي؛ والتأسيس لقيم سياسية حديثة ترتبط بالفكر السياسي الحديث ؟
هل يمكن أن يمس التعديل الدستوري المرتقب جوهر النظرية السياسية التي تؤسس للنظام السياسي المغربي؛ عبر إعادة النظر في الفصل التاسع عشر الذي يعتبر دستورا داخل الدستور؛ مع النص بشكل صريح على نظام ملكية برلمانية تسود و لا تحكم ؟
هل يمكن أن نتصور مثلا أن التعديل الدستوري المرتقب؛ سيكون في مستوى الحدث؛ و سيعلن بجرأة عن القطع مع مؤسسة إمارة المؤمنين بحمولتها الدينية و التاريخية؛ و فتح المجال أمام ملكية برلمانية ديمقراطية؛ بحمولتها السياسية الحديثة ؟
     إنها أسئلة جوهرية؛ لا يجب أن نسمح للنقاش السطحي الدائر الآن حول الهندسة الدستورية أن يحجبها عنا؛ و هي أسئلة تفرض على الباحث إثارة إشكالية السلطة في المغرب؛ باعتبارها تستمد شرعيتها من التجربة التاريخية و من الدين؛ و يحضر الدستور بهندسته الحديثة لتزكيتها و تكريسها كواقع و كممارسة.
فصل السلط  كمحور أساسي للإصلاح السياسي و إشكالية الفصل 19
    من خلال قراءة أولية للخطاب الملكي للتاسع من مارس؛ نجد انه يذكر أولا بالثوابت التي هي محط إجماع وطني, والتي تشكل إطارا مرجعيا راسخا, و بعد ذلك ينتقل ليؤكد أن التعديل الدستوري الشامل ينبغي أن يستند على سبعة مرتكزات أساسية:
التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة, الغنية بتنوع روافدها, وفي صلبها الأمازيغية, كرصيد لجميع المغاربة, دون استثناء.
 ترسيخ دولة الحق والمؤسسات, وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية, وضمان ممارستها, وتعزيز منظومة حقوق الإنسان, بكل أبعادها؛ لسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية, والثقافية والبيئية, ولاسيما بدسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف والمصالحة, والالتزامات الدولية للمغرب.
الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة, وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري, توطيدا لسمو الدستور, ولسيادة القانون, والمساواة أمامه.
 توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها, وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات و عقلنتها, من خلال:
– برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة, يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة, مع توسيع مجال القانون, وتخويله اختصاصات جديدة, كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية.
– حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع, وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب.
– تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي, الذي تصدر انتخابات مجلس النواب, وعلى أساس نتائجها.
– تقوية مكانة الوزير الأول, كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية, يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية, وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي.
– دسترة مؤسسة مجلس الحكومة, وتوضيح اختصاصاته.
تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين, بتقوية دور الأحزاب السياسية, في نطاق تعددية حقيقية و تكريس مكانة المعارضة البرلمانية, والمجتمع المدني.
تقوية آليات تخليق الحياة العامة, وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة.
دسترة هيآت الحكامة الجيدة, وحقوق الإنسان وحماية الحريات .
للوهلة الأولى يمكن أن نصف هذا الخطاب بالتاريخي؛ لأنه ركز على المداخل الأساسية للإصلاح السياسي في المغرب؛ و يمكن تناول أهم هذه المداخل على الشكل التالي:
فصل السلط من خلال :
استقلالية القضاء
تكريس الدور التمثيلي و التشريعي و الرقابي للبرلمان .
تكريس الدور التنفيذي للحكومة؛ عبر تقوية مؤسسة الوزير الأول و ربطها بالإرادة الشعبية المعبر عنها انتخابيا.
   لقد آثرنا التركيز على مبدأ فصل السلط كمدخل أساسي للإصلاح؛ لأن هذا المبدأ هو أساس أي دستور ديمقراطي؛ سواء في الأنظمة الجمهورية أو في الأنظمة الملكية؛ و من دون تحق فصل حقيقي بين السلطات الثلاث ( التشريعية- التنفيذية؛ القضائية) بالإضافة إلى تكريس الصحافة كسلطة رابعة مستقلة؛ من دون تحقق هذا الفصل؛ لا يمكن الحديث بتاتا عن دولة ديمقراطية؛ و ذلك " لأن مبدأ الفصل بين السلط الذي جاء به (مونتسكيو) في كتابه روح القوانين؛ يعتبر بان الوسيلة الوحيدة لتحقيق نظام متوازن يضمن الحرية هي فصل السلط؛ كي توقف السلطة السلطة .. ما دام الواقع التاريخي للممارسة السياسية يشهد بأن تركيز السلطة في يد الفرد الواحد هو المدخل الحقيقي للاستبداد و التسلط. (9)
و من هذا المنظور يمكن أن نعتبر أن التنصيص على الفصل بين السلط في الخطاب الملكي لتاسع مارس؛ يعتبر إنجازا تاريخيا بجميع المقاييس . لكن دعنا نتساءل عن طبيعة هذا الفصل المرتقب؛ هل سيكون هذا الفصل على مستوى المؤسسات الدستورية (برلمان؛ حكومة؛ قضاء ) في ظل ملكية برلمانية تسود و لا تحكم ؟ أم سيكون هذا الفصل في ظل ملكية مطلقة؛ تستمد مشروعيتها من مؤسسة إمارة المؤمنين ؟
إن تساؤلنا مشروع لأن التجربة التاريخية؛ تؤكد أن النظام الدستوري في المغرب يقوم على طابقين :
الطابق السفلي: يترجم و يخلق ما يسمى عادة بالقانون الدستوري؛ الذي هو عبارة عن مجموعة من القواعد و التقنيات القانونية المتعلقة باللعبة البرلمانية بين الحكومة و البرلمان فقط؛ لا على مستوى الملك.
الطابق العلوي: يترجم و يكرس القانون الخلافي و الممارسة السياسية التاريخية للسلاطين المغاربة؛ فمقتضيات هذا القانون تتعلق بالمكانة السياسية و الدينية للملك-الخليفة؛ و علاقته بالأمة في غياب الوسطاء؛ حتى و لو كان هؤلاء الوسطاء هم البرلمان و الحكومة؛ فلأنها مقتضيات فوق خلق البشر؛ فهو يتمتع بسيادة مطلقة؛ إذ تحرم و تمنع مراجعتها أو تعديلها عبر مسطرة المراجعة الدستورية. (10)
و لذلك فإنه رغم التنصيص على فصل السلط دستوريا؛ فإن هذا لا يعني أن الفصل سيتجاوز العلاقة بين المؤسسات الدستورية (برلمان؛ حكومة؛ قضاء) إلى  الملك باعتباره أميرا للمؤمنين؛ فعنده تجتمع جميع السلطات؛ و هذا ما كان يعبر عنه الراحل الملك الحسن الثاني بكل وضوح : " بأنه إذا كان هناك فصل للسلطات؛ فإنه لا ينطبق على مستوانا؛ بل على المستوى الأدنى ". (11)
و إذا حاولنا تجسيد مبدأ الفصل بين السلطات على مستوى الممارسة؛ فإن الأمر يقترب من الاستحالة؛ مع وجود الفصل التاسع عشر الذي يجسد لوحده دستورا كاملا داخل الدستور؛ حيث يمنح الملك سلطات لا محدودة : ( الملك أمير المؤمنين ، ورمز وحدة الأمة ، وضامن دوام الدولة واستمرارها ، وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات ، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة).
إن هذه السلطات اللامحدودة التي يتمتع بها الملك باعتباره أميرا للمؤمنين؛ و التي يؤكدها الفصل التاسع عشر؛ هي التي بإمكانها أن تجعل أي فصل مرتقب بين السلط؛ فصلا شكليا؛ لا يتجاوز البناء التحتي للدستور إلى البناء الفوقي.
و من هذا المنظور؛ لا يمكن تصور قضاء مستقل؛  لان القضاء من وظائف الإمامة العظمى؛ فالله فوض القضاء للإمام الذي فوض بدوره السلطة القضائية للقضاة"؛ كما لا يمكن تصور سلطة تشريعية مستقلة؛ لأن أمير المؤمنين هو من يحتكر هذه السلطة؛ و قد يفوضها للبرلمان؛ أما بخصوص السلطة التنفيذية؛ فإنها بالضرورة من وظائف الملك؛ كأمير للمؤمنين ممثل للأمة التي بايعته للقيام بأمورها الدينية و الدنيوية. إن "السلط  كلها تبقى مجتمعة على مستوى القمة؛ أي في يد الملك باعتباره أميرا للمؤمنين؛ و هو المصدر الحقيقي للسلط و منشؤها الرئيسي " (12)
    إن إثارة النقاش السياسي من طرف الفعاليات السياسية و الفكرية؛ حول الفصل التاسع عشر؛ ليس ترفا فكريا البتة؛ بل هو النقاش الحقيقي الذي يجب أن يدشن اليوم؛ في علاقة مع المؤسسة الملكية؛ التي يبدو أنها عازمة على تحقيق قطائع مهمة في النسق السياسي المغربي؛ تمكننا كمغاربة من تحقيق دولة الحداثة و الديمقراطية .
لكن إذا تمت المحافظة على الفصل التاسع عشر ببنيته؛ التي تم تكريسها في جميع الدساتير؛ من 1962 إلى 1996؛ فإن أي حديث عن فصل السلط؛ عبر استقلالية القضاء؛ و تكريس الدور التشريعي للبرلمان؛ و تكريس الدور التنفيذي للحكومة؛ أي حديث عن فصل السلط؛  يظل من قبيل الأماني التي راودت أجيالا سابقة عنا و تراودنا اليوم بقوة.
إن المسؤولية التاريخية المفروضة اليوم على أعضاء لجنة مراجعة الدستور؛ تتجلى في صياغة نص دستوري واضح و مباشر؛ لا مجال فيه للتأويل؛  يتشكل من  طابق واحد (لا سفلي و لا علوي) ؛ يقر صراحة بان النظام السياسي في المغرب؛ ملكية برلمانية؛ و السلطة للشعب يمارسها عبر ممثليه؛ الذين يتمتعون بسلطات تمثيلية و تشريعية و رقابية واضحة يكفلها الدستور؛ و باعتبارهم ممثلين للإرادة الشعبية؛ فإنهم مفوضون لممارسة السلطة التنفيذية؛ عبر تشكيل حكومة من الأغلبية البرلمانية؛ التي تفرزها انتخابات نزيهة .
قد يتساءل البعض عن مكانة المؤسسة الملكية؛ و التي حضرت لقرون في نظامنا السياسي؛ باعتبارها محتكرة لجميع السلطات؛ التي تفوض بعضها إلى الفاعلين السياسيين؛ هل يمكن ببساطة أن نقطع مع هذه التراكمات التاريخية؛ و ننتقل مباشرة إلى ملكية برلمانية تسود و لا تحكم؛ كما هو الشأن مع الملكيات البرلمانية في أوربا ؟
إننا نجيب هؤلاء بمنطق التاريخ المغربي؛  الذي يؤكد أن الملك حضر في النظام السياسي المغربي منذ قرون باعتباره رمزا موحدا للمغاربة بمختلف انتماءاتهم؛ و قد تشكلت هذه الرمزية مع المولى إدريس الأول؛ الذي دخل إلى المغرب و وجد قبائل متناحرة؛ فوحدها و شكل دولة قوية؛ امتدت حدودها بين بلاد تامسنا على المحيط الأطلسي غربا؛ و بلاد تلمسان بالمغرب الأوسط شرقا.
     و لذلك نقول لهؤلاء؛ إنه لا خوف على الملكية من المغاربة؛ لان الشعب المغربي ملكي حتى النخاع؛ عاش في مملكة منذ العهد الأمازيغي القديم؛  و استمر الوضع مع الدخول العربي الإسلامي إلى المغرب؛ و سيستمر بإرادة المغاربة. لكن الخوف كل الخوف على الملكية؛ يأتي من ذوي النزعات السلطوية؛ الذين يواجهون بقوة إرادة ملك شاب يسعى جاهدا إلى الانتقال بالمغرب إلى عهد الحداثة؛ على مستوى الاقتصاد؛ و كذلك على مستوى السياسة؛ لأنه يدرك كما ندرك جميعا كمغاربة؛ أن قدرنا هو أن نعيش في منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ التي كانت سباقة منذ القديم إلى اعتناق قيم الحداثة. و لذلك فلا مكان لنا في هذه المنطقة؛ إلا بولوج زمن الحداثة اقتصاديا و سياسيا و فكريا...
إن تحديث المؤسسة الملكية؛ عبر ربطها بالمرجعية الدستورية الحديثة؛ هو في الحقيقة ما يمثل إرادة التحديث السياسي الذي يجمع حوله جميع المغاربة؛  و هو تحديث سيكون في مصلحة الشعب المغربي؛ التواق لان يكون شعبا ديمقراطيا و متحضرا؛ و سيكون كذلك في مصلحة المؤسسة الملكية؛ التي ستكتسب شرعية شعبيبة مضاعفة؛ باعتبارها استطاعت تحقيق التفاعل مع طموحات الشعب المغربي .
و بهذا يمكننا أن نحقق الاستثناء المغربي؛ بالمحافظة على هذا الربيع العربي مخضرا مزهرا؛ بعيدا عن النزعات العدوانية؛ التي تريد أن تحول ربيعنا إلى شتاء عاصف؛ على شاكلة اليمن و ليبيا و سوريا... و هي نزعات أول من سيواجهها هو الشعب المغربي بعامته و نخبه؛ لأننا تعلمنا عبر التاريخ كيف نتوافق حول ما يخدم مصلحتنا الجماعية؛ كما تعلمنا عبر التاريخ كيف نواجه التحديات بعقلنة مفرطة !
إن الشعب المغربي؛ الذي ساوى بين استقلال المغرب و عودة الملك المجاهد محمد الخامس من منفاه إلى ارض الوطن؛ ليقودوا جنبا إلى جنب ثورة الملك و الشعب؛  هذا الشعب الأبي هو نفسه الذي يعرف اليوم كيف يميز بين النضال من اجل الديمقراطية و التآمر على الملكية؛ و هو حينما خرج إلى الشارع بجميع فئاته كان واضحا في مطالبته بالديمقراطية؛ في ظل ملكية ديمقراطية حديثة؛ تكون من الشعب و إلى الشعب. 

الهوامش:
عبد العالي حامي الدين – الدستور المغربي و رهان موازين القوى – دفاتر وجهة نظر – ط1- 2005 –
ص: 15 .
 نفس المرجع- ص: 15 
نفس المرجع – ص: 86 .
محمد المريني- الكتلة والإصلاح الدستوري- مطبعة دار النشر المغربية- 1999 – ص: 23 .
مذكرة الشبيبة الاتحادية المرفوعة إلى اللجنة المركزية للحزب- فاتح شتنبر 1996 – الوفاء للديمقراطية : الفكرة و الفعل – وثائق و نصوص 1989 – 2004 – دار القلم للطباعة و النشر و التوزيع – ط: 1 – 2004 – ص:  21-22
محمد الساسي – العلاقة بين الدستور و الانتقال الديمقراطي في المغرب: مرحلتان؛ رؤيتان – المجلة المغربية للعلوم السياسية و الاجتماعية – خريف شتاء 2010-2011 – ع:1 – ج:1 – ص:14
– نص المحاضرة منشور في جريدة الاتحاد الاشتراكي – الأحد 2 مارس 2003- العدد 7143 ص: 5
عبد السلام حيمر– مسارات التحول السوسيولوجي  في المغرب- منشورات الزمن – مطبعة النجاح الجديدة – البيضاء – نونبر 1999 – ص: 44
عبد العالي حامي الدين – الدستور المغربي و رهان موازين القوى – مرجع سابق – ص: 73
عبد اللطيف أكنوش - السلطة و المؤسسات السياسية في مغرب الأمس و اليوم- مرجع سابق – ص: 172 .
أنظر: محمد ظريف- تاريخ الفكر السياسي بالمغرب: مشروع قراءة تأسيسية – إفريقيا الشرق – 1988 – ص: 302 .
عبد العالي حامي الدين- الدستور المغربي و رهان موازين القوى – مرجع سابق – ص: 75.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز