الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
حديث العشق في عشرين حلقة

  ماذا يعترينا، عندما نعشق ؟                 

 

عندما نعشق، تحتدم فينا الغريزة الجنسية وتستحيل الى عاطفة، فنندفع اندفاعا فوريا لا نكاد ندري بما نحن فاعلون.

ولكن للأنسان عقل اذا تنبه،  لم يحتد ولكنه يتأمل في اناة وتبصر، فتستحيل الغريزة الى وعي يجعل الانسان يدرك ما هو فاعل فيه.

وكلنا سواء في الغريزة، بل نحن والحيوان سواء فيها. ولكننا نتفاضل في الحب الواعي الذي ينشأ عن التعقل فندري ما نحن في سبيله من التقرب للجنس الاخر، ونقدر الصفات ونزن الفضائل الأخلاقية.

فالحب الغريزي هو حب العاطفة، حب الشهوة والنظرة الاولى، وهو بعيد عن حب الانسان الواعي الذي يزن ويتبصر ويقيس ويقدر القيم البشرية العالية والاعراف الاجتماعية السائدة فضلا عن النواهي الدينية.  

 

وهناك نوعان من السعادة كما ان هناك نوعين من الحب. فان سعادة الغرائز هي سرور زائل، كما نجد في لذة الاكل او الشرب. وهو سرور عاطفي، ما هو ان تشبع حتى ينطفئ . ولكن السعادة المقيمة هي ثمرة الوجدان والتعقل. وكذلك الشأن في الحب العاطفي الذي ينشأ من اول نظرة. اذ هو سرور زائل. ولكن الحب الواعي الذي نعتمد فيه على وزن المعايير الأخلاقية هو اكثر من السرور : هو سعادة باقية.

 

هناك خطأ شائع هو ان الحب بين العاشقين انما يرجع الى الغريزة الجنسية لا اكثر.

لكن الاشتهاء الجنسي الذي يرافق الحب هو ليس اصله. بل يحدث احيانا اننا عندما نحب امرأة حبا عظيما، فاننا نرفعها احيانا الى مرتبة عالية من الطهارة ونسمو بجمالها الى معاني من القدسية بحيث تتقهقر الغريزة الجنسية امام هذه الاعتبارات.

ولكن العشق الراقي، هو شئ آخر، انه ينتمي في جذوره الى نبع الطفولة، ايام كنا مرتبطين بالأم، متعلقين بها روحيا. وهذا هو الذي يجعل عاطفة الحب فينا متجلية   بالحنان والرقة والرحمة.

فحينما نحن نحب امرأة،  انما في الواقع نحب فيها صورة الأم في وجهها وقامتها  وصوتها، ناهيك عن مشاعرها. لأننا قد فطرنا على ان نضخم ونبالغ  من شأن الصفات الحميدة التي تتجلى بها امهاتنا.

 

واذن يجب ان نقول ايضا ان الناس ليسوا سواء في القدرة على الحب. كما انهم ليسوا سواء في القدرة على السعادة، لان كليهما الحب والسعادة يتوقفان على مقدار ما عندنا من تعقل.  وعلى مقدار ما احببنا امهاتنا ايام كنا صغارا.  وعلى مقدار ما كان عند امهاتنا من صفات سامية --- وهنا فروق في الحب بين الرجل والمرأة. فان حب الرجل يكاد يقتصر على المرأة اي على زوجته، اما حبه لأطفاله فانه ضعيف نسبيا مشتت مبعثر، اذ هو مشغول بالكسب مختلط بالمجتمع اكثر من زوجته، لكن حب المرأة يختلط بأبنائها ولذلك تعتبر الامومة جزء خطير من الحب النسوي. 

 

في الواقع ان حياتنا هي اكبر من الحب. وان الانسان يستطيع ان يرصد هذه الحياة لعمل يفيد به نفسه ومجتمعه،  يستغرق كل عقله وكل قلبه وكل مجهوده. فالحب الحقيقي هو السعادة او هو اقرب الى السعادة وفيه تتبلور اخلاقنا وتبدو ضمن اطاره الصافي  الاصيل وهو اي الحب الطاهر يرعانا و يربينا ويستنبط منا اسمى ما فينا من صفات انسانية جليلة، ولذلك حين نروي قصة حبنا،  انما نروي احسن ما في الانسان من احاسيس فياضة نقية نبيلة.

 

 والشاعر نزار قباني هو اصدق من صور هذه المشاعر في رائعته هذه:

 يا الهي !

عندما نعشق ماذا يعترينا ؟ * ما الذي يحدث في داخلنا ؟ * ما الذي يكسر فينا ؟ *

كيف نرتد الى طور الطفولة * كيف تغدو قطرة الماء محيطا * ويصير النخل اعلى *

 ومياه البحر احلى * وتصير الشمس اسوارا من الماس ثمينا * حين نغدو عاشقينا.

ياالهي !

عندما يضربنا الحب على غير انتظار * ما الذي يذهب منا ؟ * ما الذي يولد فينا ؟ *

كيف نغدو كالتلاميذ الصغار * ابرياء ساذجينا * ولماذا عندما تضحك محبوبتنا ؟ *

تمطر الدنيا علينا ياسمينا * ولماذا عندما تبكي على ركبتنا * يصبح العالم عصفورا حزينا ؟

يا الهي !

كيف نستسلم للحب، ونعطيه مفاتيح الامان * واليه نحمل الشمع وعطر الزعفران *

كيف ننهار على اقدامه مستغفرينا * يا الهي ان كنت ربا حقيقيا - - فدعنا عاشقينا.

من كتاب تاريخ الحب لسلامه موسى مع تعليقات هامشية لكاتب السطور







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز