نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
إمبريالية خليجية صاعدة

القبائل الحاكمة في الخليج التي كانت تعيش على رعي البعير والتيوس وصيد اللؤلؤ وقنص الطير وأكل "الضب" والجراد المشوي، والتي لا تمتلك أي إرث حضاري ولا تاريخ مدني أو بعد إنساني أو عمق جمالي وإبداعي وجدت نفسها وبمحض صدف جيولوجية، ودون المرور بتلك المراحل التاريخية والمجتمعية المعروفة التي تضبطها حركة التاريخ، أي المرور بالمراحل البدائية والمشاعية والأبوية إلى الزراعية فالصناعية فالإمبريالية، حسب المساطر التشريحية المعتمدة في المدارس الماركسية، لكنها انتقلت فجأة وعلى حين غرة من المرحلة الأبوية الهيراركية، وربما المشاعية القائمة على الصيد والقنص، إلى إمبريالية مالية ريعية تراكمية دون جهد ولا تعب وباتت تنام على ثروات هائلة لا تعرف كيف وأين تنفقها

 نقول وجدت نفسها تعوم على بحار لا ضفاف لها من الذهب الأسود جلب لها عوائد خرافية من العملة الصعبة التي لم تعرف، نظراً لوجود جهل معرفي مستفحل وقحط حضاري موروث، كيف توظفها في المجالات الإنسانية والتنموية وكيف تستثمرها في بناء الإنسان وازدهار المنطقة وخدمة البشرية وتطويرها، بل استثمرت تلك الثروات في تمويل الحروب ونشر ثقافة الموت وتصدير جيوش القتلة والتكفيريين إلى دول الجوار وترويج خطاب الكراهية والجهل والخرافات والحقد والتأجيج وإشعال الحروب، وشراء السلاح ودعم الجماعات والأحزاب الظلامية وتبنيها في محاولة تقويض وضرب استقرار الدول الآمنة ونسف التعايش فيها.

 ضعيف وبسبب من فقرها الديمغرافي وانعدام الكثافة السكانية والموارد البشرية التي يمكن لها من القيام بــ، ولعب دور حضاري في المنطقة، ونظراً لجدب بيئتها وتصحر حياتها وخواء تاريخها وحداثة وجودها، وصعوبة مناخها الصحراوي الحار، تشعر هذه المنظومة بعقدة نقص حضاري مزمنة وحادة حقيقية تجاه دول عريقة وصاحبة تاريخ ضارب الجذور الحضارية في المنطقة كالعراق، وسوريا ومصر، دول غنية بمواردها البشرية وثرواتها الطبيعية وطبيعتها وتتمتع بكل مقومات الحضارة والحياة والعيش الرغيد، ولأن المنظومة القبائلية باتت تستشعر أنها بحاجة لوضع جيواستراتيجي وسياسي، وربما إمبراطوري، يناسب حجم ثروتها المالية الهائلة إذ يوجد فجوة وتناقض كبير بين وضعيها المالي والجيوسياسي الذي يبدو هشاً وضعيفاً وواهناً، لاسيما أنها تعتقد أنها تحتكر أيضاً وتستحوذ وتنصـّب من نفسها وصية على الجانب العقيدي والإيماني لشعوب المنطقة ومحتكرة له وتوجهه، نقول بسبب ذلك كله تحاول منظومة القبائل الحاكمة القيام بعملية إعادة تموضع وانتشار جيواستراتيجية لإثبات وجودها وفرض نفسها وتأكيد حضورها كقوة فاعلة في الإقليم، باعتبارها البديل الأمثل والأنموذج الأفضل في المنطقة ولها في نمطها السلطوي جذور ثقافية وتراثية في وجدان شعوب المنطقة، ومن هنا على الجميع إتباع نمطها السلطوي الهيراركي العشائري العائلي الوراثي المتداول لأنه "جلب" وسيجلب الرفاه لشعوب المنطقة من دون التذكير أن ذلك قد حصل بمحض صدف جيولوجية بحتة وليس لأي سبب آخر.

 ولذا فقد نشأ خطاب على هامش الاضطرابات الحالية التي ترعاها أمريكا وإسرائيل وذات المنظومة، يقول بأن تلك الهيكلية السلطوية القبلية لم ولن تشهد اضطرابات لأنها الأنموذج الأسلم لكل شعوب للانضواء تحت لوائه والقبول به كترياق سلطوي ومركب نجاة لشعوب المنطقة، أي أن كل ما يحصل، ومن زاوية ما هو إلا تسويق للأنموذج القبائلي الخليجي. ويبدو اليوم أن طموح هذه القبائل قد تجاوز حدودها الصغيرة، وهي بحاجة لتصريف فائض ثروتها ووزنها المالي الهائل في قنوات وصراعات إقليمية وتصدير الحروب وتأجيج النزاعات عبر ركب موجة المعارضات، وباتت تتطلع للسيطرة على المنطقة ككل من خلال تلك الثروات الهائلة التي وجدت بيد زعماء قبائل من الجهلة ومحدودي الفكر وقصيري النظر ستشتري بها دولاً وثورات وترسل رموزها للسيطرة سياسياً على دول كما حصل في حالة آل الحريري في لبنان. لا بل سمح لها غرورها بمحاولة فرض قرارها السياسي ووجهة نظرها كما هو الوضع في اليمن أيضاً من خلال ما عرف بالمبادرة الخليجية التي تعني بالمآل إلحاق اليمن بالمنظومة القبائلية وفرض السيطرة عليه والتحكم به. ومن هنا لم يعد هذا التكتل يتورع عن التدخل في شؤون الدول المجاورة، وانطلق في مشروع ثنائي الأبعاد، الأول سياسي دبلوماسي احتوائي يعتمد على توسيع منظومة التعاون الخليجي عبر المبادرة لضم الأردن والمغرب للتكتل القبائلي، والثاني عسكري تفجيري عبر تمويل التدخل العسكري المسلح في دول الجوار كما حصل في الأنموذج السوري والليبي، حيث تطمح تلك المنظومة القبائلية لضم هاتين الدولتين إلى نفوذهما الإقليمي المتصاعد الذي يكاد يطبق على معظم دول الإقليم، والذي بات قسم لا يستهان به يسبح في الفلك الخليجي ويخضع له بشكل مباشر أو غير مباشر، وكان لنا في مصر مبارك مثلاً طيباً عن التمدد الأخطبوطي الخليجي، إذ تحولت هذه الدولة العريقة إلى مجرد جرم صغير يسبح في مدارات السياسة السعودية التي كانت تديرها وفق أهواء ومصالح المملكة القبائلية الأكبر.

 وقد ظهر الدعم القبائلي، مادياً ومعنوياً وإعلامياً، بشكل واضح للتمرد المسلح الذي حصل في سوريا وتبنيه على نحو علني بغية تعميم الأنموذج القبائلي في الحكم الذي ظهر عبر شذرات إعلانية باهتة لإمارات ظلامية على النمط القبائلي الإمبريالية الخليجية الصاعدة ليس مزحة ولا نكتة سياسية أو مصطلح جديد نحاول ترويجه واللعب به، بل هي واقع وسياسة على الأرض تحظى برضا أمريكي ودعم وتأييد وغض طرف إسرائيلي وهي سياسة تتجسد كل يوم على نحو أاضح عبر دبلوماسية قبائلية نشطة هنا وهناك، وعبر دعم مادي وإعلامي لكل ما يحق طموح وأحلام قبائل الخليج في السيطرة على جميع دول الإقليم وإخضاعها للنفوذ القبائلي. فهل تفلح هذه المنظومة في بسط سيادتها ونفوذها ذاك، أم ستلاقي مقاومة ومعارضة تطيح بأوهام شيوخ وزعماء القبائل أولئك الحالمين بإمبراطوريات قروسطية شاسعة أكبر كثيراً من حجمهم السياسي وثقلهم الاستراتيجي الطبيعي، وتذهب بأراجيفهم إلى فراغات وعدميات التاريخ؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز