د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
من دفتر الذكريات / البحث عن وسام

( أحداث هذه اليوميات جرت قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير لذا لزم التنويه )

قرأت اليوم بجريدة اليوم السابع خبراً مفاده ، أن راقصة مغمورة صرحت لبرنامج تليفزيوني أنها تتقاضى عشرة آلاف دولار في الليلة الواحدة ، وأن هذا المبلغ قليل بالنسبة لماتبذله من مجهود وتطالب الدولة بتكريمها !!  وهو أمر غير مستبعد بطبيعة الحال بالقياس إلى مايجري في مصر من تكريم ذوي المواهب الخاصة !!! .. وقد ردني هذا الخبر لبعض الحقائق التي أحببت أن أسوقها للأجيال الجديدة ، ولأولئك الواقفين على أبواب مكاتب التنسيق طامعين في دخول كلية الطب التي تخرجت فيها منذ أكثر من ثلاثين عاماً حصلت بعدها على درجة الماجستير أملاً في تحسين الأوضاع المعيشية المتردية. وقد تكرمت وزارة الخارجية المصرية مشكورة ونظراً لإجادتي للغة الفرنسية بإرسالي ضمن مبعوثيها بوسط إفريقيا ولمدة خمس سنوات ..

 لن أتحدث عن التجربة الإفريقية القاسية ، ولا عن الظروف المعيشية الصعبة ولا عن العمل تحت الخطر ولاالحياة المهددة دائماً بسبب القلاقل التي كانت تعيش فيها منطقة وسط إفريقيا والحروب القبلية الطاحنة هناك ولا عن التعرض للأمراض الفتاكة المنتشرة في المنطقة والتي كان لنا نصيب منها.. فذلك حديث آخر ذو شجون .. إن مايعنينا في المقام الأول هو ذلك الصبر والمثابرة التي منحنا الله إياها لنواصل مهمتنا هناك والتي كنا نؤديها كمبعوثين مصريين وسفراء فوق العادة كما أفهمونا قبل أن نشد الرحال إلى إفريقيا وكان أكثر مايسعدنا خلالها ان يشار إلينا من الأفارقة بوصفنا الأطباء المصريين وحسب ، ودون حتى ذكر أسمائنا الشخصية ..

ولأن العرف لايضيع بين الله والناس فقد تم منحي وساماً برتبة ضابط من رئيس جمهورية تشاد قبل انتهاء مهمتي بأيام قليلة وتسلمت من وزارة الخارجية التشادية اللوحة الكرتونية وبراءة الوسام ، اما الوسام نفسه فكان لابد من إحضاره من رئاسة الجمهورية عبر القنوات الدبلوماسية الشرعية وبطقوس خاصة يعرفها العاملون في هذا المجال بين السفارة ورئاسة الجمهورية .. وقبل أن تتم هذه الطقوس كان موعد رحيلي قد حل وعدت إلى مصر بعد خمس سنوات حاملاً لبراءة الوسام وقرار رئيس الجمهورية التشادية المنشور في الجريدة الرسمية إلى جانب خطاب شكر وتقدير من سفيرنا هناك يعج بالألفاظ الرنانة والحيثيات الكثيرة والإشادة بدور الطبيب المصري في أفريقيا ودوره الإنساني .. كلام كبير وعظيم ومحترم كأنه الأناشيد الوطنية .. وخطاب آخر مثله تسلمته من ديوان وزارة الخارجية المصرية ، ممهوراً بإمضاء سفيرة التعاون الإفريقي المسؤولة عن صندوق التعاون وهي خطابات كتبت بصياغة جميلة ملأتني زهواً فتصورت أنني بالفعل ذا حيثية وذامكانة عند مصر ومسؤوليها حتى وإن تمثلت هذه الحيثية في ورقتي فلوسكاب لاأكثر واحدة من السفارة والثانية من الوزارة .

ونظراً لماملأني من إحساس بالزهو أو لنقل الغرور لأنني مثلت بلادي خير تمثيل وتحت أسوأ ظروف وأصعبها فقد كان لما أشعر به وقتها معان تتجاوز ذاتي. هو شعور لايختلف كثيراً عن شعور الجندي العائد منتصراً من ميادين القتال مثخناً بالجراح، سقط كثيراً ، وجثا على ركبتيه طويلاً ، وتلقى الطعنات مثنى وثلاث ورباع دون أن يسمح لراية بلاده أن تسقط من يده ، وإزاء هذا الإحساس المتضخم بالذات والذي له أسبابه كماترون رأيت من واجبي وقبل أن أنصرف من مبني الخارجية أن أدخل إلى السيدة السفيرة أمينة الصندوق لأشكرها على إتاحة الفرصة لي لخدمة بلادي من خلال عملي بإفريقيا لخمس سنوات متصلة .

 لاحظوا .. أنا الذي خدمت ، وأنا الذي يريد أن يتقدم بالشكر 

 عموماً ليس بين الخيرين حساب فالناس قد شكروني وكرموني بورقتي فولسكاب تحتشد فيها عبارات الثناء 

 أبلغت السكرتيرة السيدة السفيرة برغبتي في المثول بين يديها ، فاستقبلتني واقفة ومتجهمة ، وهو مايعني في أعراف من خبروا هذه المواقف أنه غير مسموح لي بالإطالة وأنه من الخير لي ان أختصر وأذهب 

 ابتدرتني السفيرة في لهجة حادة تجاوزت عن حدتها مضطراً :

 - نعم .... حادة وقاطعة كأنها شتيمة !.. وأنا واقف أتصبب عرقاً وأذوب خجلاً لإصراري على تقديم الشكر مع معرفتي بأنه لاشكر على واجب ، لكنني لم أجد أمامي سوى أن أتحصن بابتسامة بلهاء مخضوضة وانا أقول :

 - لاشيء.. أردت فقط أن أشكر سيادتك وكل أعضاء الصندوق بمناسبة انتهاء خدماتي معكم .

 تنفست السفيرة الصعداء بعد ان أيقنت أن الأمر ليس به مطلب أو شكوى أو تظلم من شيء وقالت ومازالت آثار التجهم تكسو ملامحها:

 - لاشكر على واجب .. وأحنا كمان متشكرين .

 متشكرين !! .. عابسة وكئيبة..قاطعة وطاردة .. أقل درجة من تلك التي توجهها لعامل النظافة الذي يمر على منزلك ليحمل زبالتك وأوساخك..أو لسايس الموقف الذي يفسح لك طريقاً للخروج.

انتظرت بعدها أياماً وأسابيع أنتظر وصول الوسام دون جدوى ،فقررت أن أبعث برسالة إلى رئيس الجمهورية .. نعم رئيس جمهورية مصر.. "خبط لزق".. الأب الروحي لكل المصريين طبقاً للنظام القبلي الذي نعيشه ، والذي طالما رأيته يصافح ويحتضن لاعبين وفنانين مصريين لأنهم حصلوا على تكريم جهات أجنبية أو حتى لإنجاز شيء باسم مصر ، كإحراز هدف - ولو من موقف تسلل - في مباراة كرة ، أو لعب دور في فيلم "نص نص" ، من المؤكد أن الرجل سيهتم بأن طبيباً مصرياً اقتطع من عمره خمس سنوات قضاها في غربة قاتلة بعيداً عن الأهل والولد ليقال إن مصرياً هنا قد عمل باسم مصر ، بل ومن المؤكد أنه سيهتم حين يعرف أن زميله الرئيس الإفريقي قد كرم مصر والمصريين في شخص العبد الضعيف بمنحه وساماً رفيعاً برتبة ضابط ..

 انتظرت أياماً.. بعدها وصلني مظروف أصفر باهت اللون بداخله ورقة حقيرة مكتوبة بخط اليد من جهة تدعي أنها إدارة خدمة المواطنين برئاسة الجمهورية ، تعلن في حزم أن على السيد المذكور.. "اللي هو أنا" الحضور للإدارة.. الواقعة في القاهرة .. في المكان الفلاني لبحث شكواه .. ولأن "الجواب يبان من عنوانه" .. فإنني أدركت عبثية أن أنفق جنيهاتي القليلة في رحلة البحث عن الوسام لكي أمثل من جديد أمام موظف كبير أو صغير ليتجهم في وجهي من جديد ويزغر لي قائلاً في حزم : - نعم...

وحتماً كنت سأجيبه ساعتها: - نعم الله عليك بالذمة مش الرقاصة مظلومة ؟!!

 طابت أوقاتكم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز