نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
مأزق مجلس التعاون الخليجي

جاء قرار مجلس التعاون الخليجي بضم كل من مملكتي الأردن والمغربية، مفاجئاً جداً، ومتسرعاً، وفي لحظة دقيقة جداً تعبر بها دول المنطقة جميعاً وسط أنواء سياسية عاتية لا يعرف احد كيف ستستقر وإلى أين ستقود رياحها وأشرعتها المتروكة للمجهول السياسي المخيف أنظمة المنطقة التي تتشابه في الكثير من خصائصها البنيوية لا بل تزيدها أنظمة الخليج أوليغارشية وانغلاقاً وتحكماً بالثروة والسلطة واستبداداً سياسياً وثقافياً. ولهذا التوقيت بالطبع دلالاته العميقة، كونه يأتي تحت ضغط هذه الظروف الجيوبوليتيكية الحساسة والدقيقة، ولم يأت في لحظات ارتياح وانفراج محلي، وإقليمي، ودولي، بل وسط اضطرابات ضبابية مخيفة يصعب التنبؤ بمآلاتها.

ويظهر هذا القرار المتسرع اضطراباً ملحوظاً وخوفا خليجيا واضحاً، لا يخيف أحداً، وقلقاً متشعباً وغير محدد المعالم، وهو محاولة استباقية لصد مخاطر وتهديدات باتت وشيكة ومتعددة المصادر والمحاور تحيق بالمنظومة القبلية. باتت هذه المنظومة الهشة والضعيفة والفقيرة ديمغرافياً، والمعزولة جغرافياً بحاجة ماسة إلى مظلة أو مظلات وشبكات أمان وحماية إقليمية تزيد في مناعتها الهشة والضعيفة، وتوفر عليها الكثير من الجهد والعمل الذي يعمل الزمن في غير صالحهما. وارتهان وارتماء هذه المنظومة في الحضن الأمريكي، ووضع كل بيوضها في السلة الغربية، بما فيه من امتدادات وتشابكات إسرائيلية لا تخفى على عين مراقب، لم يجلب لها على ما يبدو الهناء والاستقرار المطلوب، بالرغم من وجود كل تلك الأساطيل والقواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية الغربية التي تعج بشعاب الخليج من بابه لمحرابه. ومن الجدير ذكره أن مجلس التعاون الخليجي كان يظهر حساسية عالية جداً في قبول أي أعضاء جدد في ناديه النفطي. وكلنا نذكر كيف قلب ظهر المجن لسوريا ومصر بعد حرب الخليج الثانية، عندما ساهمت هاتان الدولتان ودعمتا تحرير الكويت، وبعد أن تم الاتفاق على ضم سوريا ومصر لمجلس التعاون الخليجي فيما عرف بإعلان دمشق في حينه. فهل لنا أن ندرك سر ذاك التسرع لولا أنه المأزق المرعب والمخيف؟ واقع الحال اليوم يقول: "مكره أخاك "الخليجي" لا بطل".

 ومن هنا لا قيمة ولا أهمية إستراتيجية لهذا التطور سوى التعبير عن شعور بالغ بأخطار داهمة ومحدقة باتت تهدد منظومة الخليج، فعلاً، بسبب سياساتها الإقليمية المريبة وإثارتها للمشاكل وتصديرها للفتن والحروب واحتضان رموز الإرهاب والتكفير في العالم وتمويل الحروب واستخدام البترودولار في الخراب وليس في التنمية وإعمار المنطقة ومنفعة وصالحلشعوبها الفقيرة والجاهلة، وهو يعلم أنه لن ينجو من نتائج ذلك كله، مهما طال الزمن به وسيتحول إلى استحقاقات مطلوبة منه، وأن هذا اللعب المتواصل بالنار عبر تصدير الفتن والحروب والمشاكل للآخر لن يوفر أصابع الخليجيين أنفسهم الذين يدركون تماماً أن أمريكا وإسرائيل ستنقلبان عليهم في لحظة لم تعد بعيدة وهذه هي سنة أمريكا مع كل حلفائها أو لنقل وكلائها، ولن تدافع عنهم بل على مصالحهما الخاصة.

 وهذا التطور، برأينا، من جهة أخرى، ما هو إلا محاولة لتوريط من لم يورط بعد بالسياسات الخليجية، وتوسيع دائرة الصراع والأذى والضرر لتشمل آخرين وليصبح ذلك ذا بعد إقليمي. ولكن ما أدراك فقد ينقلب ويتنصل الخليجيون على ذلك، في حال شعورهم بأي انفراج، لأن هذا الحلف سيحتم عليهم التزامات كثيرة وتنازلات بنيوية جوهرية ومريرة لم يكونوا ليتصوروها في يوم من الأيام، وقد تأتي على منظومتهم مالياً، وديمغرافياً، وسلطوياً، وأمنياً. إذن، هناك هروب واضح نحو الخارج لاستحداث لشعور كاذب بانفراج بات صعباً جداً في ظل التطورات الأخيرة وإتباع سياسة ازدواجية كيدية مخادعة وغادرة في استعداء دول الإقليم والجوار العربي وغيره ومحاربتهم عسكرياً، وقد تجلى ذلك في أحداث جسام وتحولات عميقة مرت بها المنطقة، حرب 2006، حصار والهجوم على غزة، والعدوان المسلح التي تعرضت له سوريا مؤخراً، ودعم كل الجماعات الخارجة عن القانون وكلها أثارت موجة شعبية عربية عارمة من السخط والاستنكار والغضب من السياسات الخليجية. انهيار ما سمي بمحور الاعتدال العربي وخروج مصر من ذاك المحور، وكانت ركيزته الأساسية زاد من حدة الهشاشة والانكشاف الاستراتيجي العميق الذي تعيشه هذه المنظومة الجرداء.

والدرس الأقسى ، والبليغ تابعت منظومة الخليج كيف كان يتهاوي مبارك الحليف الأقوى للغرب وإسرائيل على مرأى من العالم وأمام ناظريهم دون أن تسعى أمريكا وطابورها لإنقاذه من مصيره المخزي كعميل ووكيل إقليمي. بالتزامن مع تنامي وتصاعد الدور الإيراني، ووجود هذا الجار القوي بظله "الثقيل" والطاغي على شيوخ الخليج الذين يشعرون بحرج وضعف وشلل كبير حياله وعدم قدرة على التصرف أو الإتيان بأية حركة أمامه ومعرفتهم بأن أمريكا لن تحارب إيران لأجل سواد عيونهم، وبكل ما لإيران من امتدادات إقليمية أكثر فاعلية في المحصلة. يبدو الخليج في مأزق واضح وكبير وهو في حال من فقدان لبوصلة أضاعها في مغامرات إقليمية فاشلة متخبطة ورعناء، وهو في حال من الضعف وانعدام الأفق الاستراتيجي وافتقار لأفق عقلاني في السياسات المتبعة، زد على فقدانه لأدنى مصداقية في وجدان ابن الشارع العربي.

وها هو "هلال" جديد، يبدو استعراضياً وفارغاً في المقام الأول فيما إذا أخذت معايير الربح والخسارة والتأثر والتأثير بالحسبان، نقول ها هو هلال يتشكل في سماء المنطقة في محاولة لإعادة التوازن المختل لصالح الهلال الإيراني الذي يهيمن بقوة على سماء المنطقة، لاسيما أن الملك عبد الله الثاني، كان أول من حذّر من ظهور هلال شيعي، بدايته في طهران، ونهايته عند بوابة فاطمة في جنوب لبنان، وما بينهما من ممكنات القوة، من بترول وموارد بشرية وطاقات هائلة لا تنضب لا يمكن لأي ميزان سياسي في المنطقة أن يواكبها أو يعادلها، وفوق ذلك كله قوة الزخم الوطني المقاوم والسلوك الملتزم الأخلاقي، مع تواجد كل تلك القوى والأحزاب والحركات وحتى الأنظمة، التي لم تهادن، ولم تساوم يوماً الشيطان وقوى الشر والعدوان والاستكبار. من المأثورات والأقوال الشعبية المتداولة: "الميت لا يجر ميت"، فالخليج برغم ثرائه المالي الأسطوري ضعيف وهش استراتيجياً بما لا يقاس، وأما المغرب والأردن، فلا يقلان ضعفاً، وهشاشة ومشاكل وأزمات بنيوية ومعيشية حادة وعلى صعد مختلفة. فهل يفلح الخليج الميت ديمغرافياً والمكشوف استراتيجياً والمعزول جغرافياً، بجر المغرب، والأردن الذين ينازعان البقاء ويعانيان من سكرات الموت الاستراتيجي والمادي ؟ وهل بإمكان أي من هذين الجناحين إضفاء أية قيمة إستراتيجية على الآخر؟ لننتظر ونرى أياً من هؤلاء "الأموات" سينفخ، ويبعث الحياة في الميت الآخر؟ وبكل الأحوال، وسلفاً، فالبقاء لله.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز