د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
الدين والجغرافيا وفن العيش المشترك

بعض الناس ينظر إلى الدول الإفريقية على أنها دول متخلفة وبدائية ولاحظ لها من علم أوحضارة ،مع أن الواقع يشهد بغير ذلك ويرينا كيف أن بعض هذه الدول حديثة العهد بالاستقلال قد حققت تطوراً اقتصادياً مشهوداً بل وتكاد كل الدول الإفريقية بلا استثناء تشهد تنامياً للتجربة الديمقراطية بشكل لم تحقق مثله كل الدول العربية من المحيط إلى الخليج ولاأظنها تصل إلى مثله رغم أنهار الدماء التي جرت وماتزال تجري حالياً في شوارع ليبيا أو سوريا أو اليمن أو البحرين والتي يعلم الله وحده متى تتوقف ، وعن أي شكل من أشكال الحكم ستسفر في النهاية ، المهم في الأمر أننا نخترع بعض الأكاذيب ثم نؤمن بها ونصدقها عن مبلغ رقينا وتحضرنا بالنسبة لفقراء القارة السمراء الغارقين في الأمراض والتخلف ، ومايقال عن الديمقراطية يقال مثله عن التعايش بين الأديان في القارة التي تعج بعشرات الأشكال والأنواع من العبادات والديانات سماوية وغير سماوية وحتى عبادة الشيطان والأحجار والأصنام بحيث تجد في بلاد القارة الواسعة تمثيلاً حقيقياً لكل المراحل التي مرت بها البشرية وصولاً إلى عبادة الله الواحد .

 عندما كنت أعمل خبيراً طبياً بوسط أفريقيا ،كان لدي بالقسم إحدى الممرضات الوطنيات وكان اسمها خديجة ، ظللت لفترة طويلة أتصور أن خديجة هذه مسلمة فلم يكن يبدو عليها أي مظهر ديني يعلن عن ديانتها ،وكنت من جانبي لاأميل لطرح أي سؤال بشأن ديانة من أتعامل معه لسبب بسيط ، هو يقيني بأن الدين مسألة تخص كل شخص على حدة ولاتهمني في شيء ، وأنها لاتنطبع كثيراً على سلوكه ومعاملاته ، فالمظهر الديني لم يعد يضمن حسن المعاملة ، ولا حتى التدين صار علامة على ذلك فقد يصلي الرجل بانتظام ويصوم وربما كان حاجاً ومع ذلك لاترقى معاملانه لمستوى ماينتظره الناس فضلاً عن أن يرضي بها الله ، لذلك آليت على نفسي أن اتعامل مع الناس "بالقطعة" ، لابنوع الديانة ، فالجيد في تعاملاته يستحق مني معاملة جيدة مهما تكن ديانته والعكس صحيح 

 وربما لخص لنا القرآن الكريم هذا المعني في قول الله تعالى عن أهل الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ( آل عمران 75 ) صدق الله العظيم فالعبرة هنا ليست بقيمة المبلغ وإنما بذمة الشخص واستعداده لأكل اموال الناس بالباطل . كانت خديجة تعمل بالقسم ، وكانت أحياناً ترافقني في زياراتي للمرضى أو تساعدني في استكمال اجراءات دخولهم للقسم .. في أحد الأيام جاءنا مريض في سن الشباب ، وكان لابد أن ندخله للقسم ، وأخرجت خديجة ملف الدخول وبدأت تستكمل الجزء الخاص ببيانات المريض بينما تشاغلت أنا في ترتيب أوراقي المتناثرة على المكتب دون أن ألقي بالاً لمايدور من أسئلة روتينية تلقيها خديجة عن الاسم والسن و السكن والعنوان والوظيفة.. ألخ ، انتظاراً لدوري الذي يبدأ بعد ملء الملف بالبيانات الأساسية .. لكنني فجأة انتبهت على سؤالها للمريض عن اسمه ، فقرعت أذني بقوة إجابته وهو يقول ببساطة : - محمد فرانسوا ... للوهلة الأولى تصورت أن هذا الشاب الذي لايزيد عمره عن خمسة وعشرين عاماً ، هو من الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً.. وهي مسألة طالما توقفت أمامها مندهشاً ، ذلك أنني لست ممن يتعاطفون بشكل عام مع من يغيرون دينهم إذا كانوا من بسطاء الناس أو عوامهم ، إن هذا النوع من الناس غالباً ماتدفعه حاجة ما لتغيير دينه ، إغراء ما لايقاوم ، حالة غرامية مثلاً أو رغبة في الارتباط بمن يحب ، أو طمعاً في وظيفة مرموقة أو مساعدة مالية مغرية فضلاً عن إحساسي الداخلي بأن هؤلاء ينتقلون بسهولة من النقيض إلى النقيض دون تفكير ، وهو مع كفة الميزان الرابحة حيث تكون ..

وفي المقابل كنت أحترم من غيّر دينه عن يقين وبحث من المثقفين المشهود لهم بسعة الإطلاع والقراءة المتعمقة لأنه في هذه الحالة يكون مقتنعاً بالدين الآخر أو أن نفسه ترتاح إليه أكثر أو يجد في تعاليمه مايتوافق مع شخصيته وتكوينه فلايكون دخوله لدين جديد خبط عشواء أو وليد موقف من أي نوع. لكن أخانا محمد فرانسوا لاتبدو عليه سعة اطلاع أو تعمق في شيء فالولد يعاني من نقص واضح في التغذية يكاد يقضي عليه مع أنيميا حادة وجحوظ بالعينين وبشرة متربة ، فبدا كمومياء خرجت من الحفائر للتو أو كما نقول على مثل هذه الحالات كان "جلداً على عظم". وقد دفعني الفضول الملح من جهة ، إلى جانب الرغبة في تقييم مستواه الفكري حتى لاآخذ بما بدا لي من رقة حاله وبؤس مظهره ، أن أتفهم دوافعه لتغيير دينه، فكسرت قاعدة التجاهل للمرة الأولى وسألته بشكل مباشر : - هل أنت مسلم ياأخ محمد ؟ ولدهشتي للمرة الثانية وجدته يقول ببساطة متناهية : - لا .. أنا مسيحي . - مسيحي أزاي وأنت اسمك محمد ولدهشتي لللمرة الثالثة وجدت خديجة تجيبني ببساطة - وماذا هناك .. نحن والمسلمون نسمي نفس الأسماء .. أنا أيضاً مسيحية .. !!!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز