أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
انتهى موديل القاعدة ...بعدما أصبحت الاراضي العربية معروضة للبيع

أسوأ مافي أزمة العقل العربي أنه يتقبل كل ما يطرح عليه من حقائق وزبالة بنفس القدر من الاقتناع والتيقن . وهذا يشي بفراغ خطر في فجواته المعرفية يملؤها على الدوام من يراهن على هذه الفراغات .

المشهد الدرامي الكبير في قتل اسامة بن لادن ورمي جثته في البحر , والبطولة الخارقة التي كللت وحدة الكوماندوز الامريكي التي قامت بالعملية والرصيد الضخم الذي أضيف لاوباما على اعتاب حملته الانتخابية المقبلة , تؤكد أننا أمام مراهقين يحكي لهم مراهق آخر قصصا جنسية .

الحدث بحد ذاته وبدلالاته التي ارادتها امريكا , لا يعني الشعوب العربية والاسلامية التي من المفترض أن تكون أكبر وأنضج من أن تسيرها الألة الاعلامية الغربية التي تصنع الوهم وتضخمه وتلفت العناية اليه , ومن ثم تحمله كل أخطاءها السياسية , وتكتب به استراتيجتها العدوانية التوسعية ومن ثم تقدم للشعوب المضطهدة هدية قتله , مع استثمار الحدث في نجاح جزار آخر في الانتخابات .

اسامة بن لادن شخص صنعته الاستراتيجية السياسية لتختصر فيه كل توجهات الامة العربية والاسلامية , وتقتل فيه وفي مشروعه الاصطناعي كل حركات التقدم والتحرر التي انتشرت في البلاد الاسلامية , واخذت تتبلور وتكبر مستخدمة  خط وطني ليبرالي يجمع القوميات والاعراق داخل البلد الواحد وداخل المنظومة الاقليمية , ولينقلب حلم الدولة العربية الموحدة الى ارادة دينية تقسم العالم العربي على اساس الانتماء الديني الضيق , وتفرض على الامة توجه سلوكي اعرابي ونمط حياة صحراوي متوحش , يقصي الاخرين ويجعلهم اعداءا مفترضين داخل البلد الواحد . لذلك فليس من المنطق والعقل في شيء أن يُعد هذا العمل إنجازا حضاريا لاوباما ولادارته , بقدر ما هو دفن للحقائق وبعثرة للتركيز وشطب للجرائم التي ارتكبت . والادهى من ذلك أن تنساق الحركات الاسلامية بغباء معهود لامثيل له لتؤصل من حيث لاتدري هذا العمل وتعتبره انجاز رائع للالة العسكرية الامريكية من حيث لاتدري .

إنتهى موديل القاعدة منذ أن قامت حركة الاحتجاجات العربية واسقطت بعض الانظمة , فلم نسمع للقاعدة وقياداتها اي تعليق او توجيه على الاحداث الكبرى التي حصلت في المنطقة , كما لم تقم باي عملية خلال هذه الفترة , هذا الصمت الرهيب يجعلنا نستريب بارتباطات هذه المنظمات الراديكالية بمشاريع غربية .

كما أن العجيب أن يكون قادة العالم العربي قبل شهرين يسوقون المخاوف من القاعدة ومن الارهاب . ويقلبون الدنيا على ما يجري من تحشيدات قاعدية في اليمن , وتنجيم شخص اسمه العولقي وتحميله مسؤولية قتل 13 عسكري امريكي في قاعدة امريكية على يد أحد مريديه المدعو نضال حسن ,  ويحملون العولقي مسؤولية محاولة النيجيري تفجير طائرة فوق الولايات المتحدة الامريكية . وفرنسا تستعيذبالله من تنظيمات القاعدة في المغرب العربي وترسل قوات خاصة لتحرير الرهائن الفرنسيين .

العجيب ان يكون الاشادة القوية لوجود القاعدة . ثم يضحكون على القذافي وعلى علي عبد الله صالح  الآن , حينما يقول لهم أن القاعدة تنشط في بلاده , اليس معنى هذا أن القاعدة إنتاج مخيلاتي غربي , أو فلم يعرض على أحد القنوات تتصيده اجهزة الرومونت كنترول حينما تحب مشاهدة الدراما . الا يعني هذا أن القاعدة فزاعة استخدمتها القوى الغربية لتمرير مخططات خبيثة في المنطقة , لا كما يقال ان الانظمة العربية استخدمتها للبقاء في الكراسي .

عقل كهذا توجهه الاداة الاعلامية غير حقيق في الوقت الراهن على المراهنة عليه , أو توقع المستقبل المضيء منه .

انتهى موديل القاعدة في العالم الاسلامي بعد أن استطاعت القوى الغازية للمنطقة تطهير الاوطان من صوت العقل والتنمية والصوت الوطني . وبعد أن استطاعت أن تكون فاعلة في القرار والتحكم , وبعد أن وجدت في الملايين من ابناء الشعوب المحتلة , جاهزة للخدمة ,إما طوعا على شكل جواسيس ومرتزقة وإما غباءا على شكل أفاقين طامحين بالسلطة باي ثمن , ومستعدين لتمرير أي اجندة بالسلطة الممنوحة , أو بالفتوى الدينية التي باتوا يملكونها كذلك

 فلم تَعد امريكا بحاجة بعد الان أن ترى في الدول سلطة وطنية  صديقة لها , ومعارضة دينية عدوة لها كلما جاعت خرجت تلعن النظام وامريكا واسرائيل . بل أصبح لديها في هذه الدول سلطة (مشكوك في وطنيتها وقدرتها على البناء ) ليس لها معارضة  , لانها تجمع السلطتين الدينية والدنيوية , وهي خادمة مطيعة ومخلصة لمن أجلسها على الكرسي , وكلما جاع الشعب وسيجوع  لامحالة , ألقمته بعض فتاوي وسياط وأعادته الى رشده .

انتهى موديل القاعدة لتتحول تنظيماته من افغانستان حيث جيوش الناتو تريد الانسحاب وترك البلد بعد النزف المستمر في الارواح والاموال , وحيت القوات الامريكية تريد لملمة القوات من العراق وافغانستان , والحفاظ على ما تبقى من ماء وجه , لتتحول تنظيمات القاعدة الى مناطق نفوذ أخرى هي اليمن ومصر والمغرب العربي . وسوف لن تتدخل الجيوش الامريكية ولا الناتو في معالجتها , بل ستعالجها التناقضات العربية التي خلفتها الثورات , وسيغذيها المال الخليجي المتدفق الفائض عن الحاجة في الخليج , وبذلك يُعاد تشغيل الالة الاقتصادية الغربية المعطلة  .

ربما تكون اسوأ تداعيات مقتل اسامة بن لادن على الوضع العربي , هو انتقال القيادة القاعدية الى المصري أيمن الظواهري , الذي سيكون رجل المرحلة المقبلة في مصر بشكل من الاشكال , وايمن الظواهري هذا ليس كأبن لادن , سيما وان لديه بعض الرؤى الواضحة فيما يتعلق بالعدو القريب , التي ناضل من اجلها  واستهلكتها  رغبة بعض القوى أن يكون تنظيم القاعدة مفتوح العداء مع كل العالم لتمرير الصفقة العالمية  . وربما يعود الظواهري ليعتمدها في مصر ويعيدها ويعيد بها انشاء نموذج للدولة الاسلامية , والتي يبدو أن حالة المزاج الشعبي العربي مهيأ بما يكفي لها . وهنا مرة أخرى عدنا الى صنع النجوم على الطريقة الهوليودية بمواصفات خاصة تلبي الحاجة وتشبع الفضول والتساؤل .

في الفلم الاخير الذي عرضه البيت الابيض عن مقتل اسامة بن لادن , تتضح جملة أمور لم يشاهدها المشاهد العربي المغيب ,  ولم يتكلم عنها الخبراء الذين تستضيفهم القنوات الاعلامية العربية المؤجرة , وتقدمهم دائما على أنهم خبراء في الجماعات الاسلامية . ولم يقدموا أكثر مما تعرفه المذيعة المحاورة ذات الفهم والثقافة المتواضعة . مما يجعل مخرج العمل الامريكي ساحرا أكثر منه سياسيا منطقيا , ساحر كونه يلفت النظر الى النقطة الابرز ويحرمك فرصة التأمل والتفكير في الخلفيات , وهذه الامور هي :

اولا : طريقة الاخراج والسيناريو في المداهمة والقتل ونقل الجثة الى نيويوك وفحص الحمض ومقابلته مع الاقارب ومن ثم العودة بها ورميها في البحر وفق الشريع الاسلامية , كل ذلك في يوم واحد , وقتل جميع من كان في البيت , والامر المحصور بالقتل وليس القبض وكان بالامكان ذلك . ووجود البيت في مجمع سكني قريب من موقع عسكري , والتركيز على وجود اصغر نسائه , ثم عدم نشر صور عن المهمة ولا عن الجثة وتريب صورة مفبركة للإعلام الباكستاني , ومن ثم سحبها والاعتذار عنها .

ثانيا :تسريب أخبار مفادها أنه تم أخذ برامج وتسجيلات وملفات مهمة من حاسوب بن لادن , تتعلق بالاشخاص والزعماء والصحفيين الذين كانوا متعاونين او على اتصال به , وهي مادة جاهزة للابتزاز , وللتزوير مستقبلا , وبالامكان تضمينها وثائق كوثائق ويكليكيس التي حُملت كل شيء , حتى ادركها الناس تباع في الاسواق العربية الى جانب البندورة . وهذه من شأنها تجنيد وابتزاز من يرد اسمه أو يمكن أن يُضمن ذلك مستقبلا , أو يُشترى سكوته من المرتزقة .مع العلم أن التصريحات الأولية التي صدرت من وكالة الاستخبارات قالت أن البيت لا تتوفر فيه خدمة الانترنيت والهاتف , وهذه نقطة يمكن أن يبررها الامريكان فيما بعد على أن الوثائق مسجلة وجاهزة , ولا تعتمد على الانترنيت .

ثالثا : ان اللعب مع قوى كبرى سواءا كان صديقا لها او تابعا أو أجيرا أوي اي شيء آخر , فانما هو عرضة أن يكون صفقة , مثله مثل كل الصفقات , وورقة تحرق عندما يقتضي الموقف ذلك , وهي نصيحة للزعماء الذين يلعبون الان ضد شعوبهم لمصلحة الاخرين ,ظنا منهم أن ذلك سيحميهم طالما كانوا مع القوي , وأن من يخدم اليوم المشروع الامريكي من مشايخ المعمورة , عليه أن يخفف من الخدمة ليترك شيئا يتذكره به الشعب المذبوح , أو أن يجعل له خط للرجعة , أو على الاقل يوصم بانه كان ثائرا أو قائدا حتى ولو كان طاغية أو دكتاتورا .

رابعا : وهي الاهم , إظهار دولة كبيرة مثل باكستان على أنها دولة فاشلة فعلا , لا تدانيها في الفشل الا الصومال , مع فارق المؤسسات والدوائر التي تسيرها على ما يبدو الصدفة والطبيعة , فشل باكستان اذا عرفت بابن لادن على اراضيها وسكتت ,وهذا يعني أن الدولة برمتها رهينة توجهات القاعدة وطالبان باكستان, واذا لم تعرف فالمصيبة اعظم ان تكون باكستان نووية ولاتعرف كيف تحمي هذا السلاح الخطير , وان تكون جارة للهند وهي بهذه القوة الورقية , وفشلها الاكبر أن تحط طائرات هليكوبتر امريكية على بناية بالقرب من العاصمة وتدخل البلاد دون أن يعرف الدفاع الجوي الباكستاني ومنظومات الرادار وباقي اجهزة الحماية ذلك وتبقى الطائرات اربعين دقيقة في الموقع , دون أن يحرك هذا الجيش الباكستاني العرمرم ساكنا , مما يُعد أكبر عملية استغفال لدولة , بمعنى اليس هناك سيادة من اي نوع فيها , وحبذا لو تنبه  مسؤولوها لهذه الكارثة . وإذا افترضنا أن باكستان على علم بعملية عسكرية كهذه , وهذا شيء أكيد كي نبرر لدولة بهذا الحجم كل هذا الغباء , فلماذا لا تقوم هي حماية لامنها وسمعتها بالقاء القبض عليه , وهذا بدوره يقودنا الى التشكيك بان العملية شيئا آخر غير المعلن , بدليل عدم انتباه الساكنين بالقرب من المجمع الى اي حركة غير اعتيادية , وكان اختيار هذا المبنى قرب موقع عسكري للتغطية على هذا السيناريو .

أمر أخر مهم يستخلص من هذه النقطة , ولكل الذين يطالبون بالحرية والديمقراطية في مجتمعنا العربي على الطريقة الفايسبوكية , نقول أن مثال باكستان سيتكرر كثيرا في الدول التي تنال حريتها على يد الفاتح الامريكي , ولن يبق هناك مسؤول في الارض ولا في السماء بعيد عن متناول الطائرات الامريكية ولا فرق الكوماندوز . واذا تحطمت المنظومات الامنية في بلد وهذا ما قلناه سابقا , فلن يكن من يحمي الاستقلال العربي والقرار العربي , الا القبر , وهذا ما تتشدق به ما يسمى المعارضات العربية بان الامر سيصبح افضل بعد ثورات الحرية والديمقراطية وازالة منظومات الامن القومي .

يجب أن نقرأ عملية قتل بن لادن على أنها فقاعة اعلامية لصالح شخص معين يريد مزيدا من الارتقاء على الاجساد العارية والاشلاء الادمية , وأن نقرأها الى حالة تعطش شديد من قبل صقور باتوا يعيشون في العصر الحجري يأكلون لحوم البشر . وأن نقرأها استهانه واضحة بالذكاء البشري, وضحك مفضوح على العقول , وأن نترحم سلفا على الشهداء الذين سيسقطون جراء هذه البهلوانيات سيدفعون الدم الزكي ثمنا لطموحات اشخاص آخرين لم يكونوا يوما جزءا من ثقافتنا ولا جزءا من ضميرنا ولم يكونوا يوما ليعبأون بنا أحياءا أو امواتا .

فإذا كان ثمن هذه العملية وتوقيتها في هذا الوقت بالذات هو لتصعيد أسهم اوباما الانتخابية , ولتكن تداعياتها على باكستان اولا, وعلى الشعوب المقهورة في باقي تجمعات القاعدة , فإن هذا يعني بالتأكيد أننا نصّوت للرؤساء الامريكيين بدمائنا ومصائرنا . وأننا نروج لفوز هذا الحزب اليميني وذاك البرجوازي باقواتنا ولقيماتنا , ومن يدفعنا لهذا التلاشي والاضمحلال , تلك المعدة الفكرية الفارغة التي تهضم كل التفاهات التي تلقيها علينا الماكنة الاعلامية , ويتولى حقننا بهذه السموم قنوات المال النفطي السحت , الذي يشتري السلاح ليقتلنا ويستضيف القواعد لتغير منها الطائرات على اطفالنا . وبالتالي يُصرف هذا المال على اوكار للبغاء الاعلامي وإعلاميين مرتزقة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز